سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011
Banner Before Header

19 تموز… ثورة مأسسة المجتمع

رامان آزاد-

انطلقت ثورة روج آفا في شمال سوريا، في ظروفٍ كانت في غاية التعقيدِ، فقد كانتِ البلادُ وقتها تشهدُ صراعاً على جبهاتٍ عديدةٍ، إلا أنّها امتلكت من التوازنِ ما حررها من الارتجالِ ورد الفعلِ، وكانت مأسسةُ المجتمعِ وتنظيمه على رأسِ الأولوياتِ، وأساس البناء الإداريّ ومنطلقه، وواصلت مسيرتها في مختلفِ الجوانبِ الاجتماعيّةِ والمعرفيّةِ والثقافيّةِ والخدميّة.
إعلان الإدارة الذاتيّة الديمقراطيّة
إنّ أسلوبَ تنظيم المجتمع هو الذي يحدد معايير العلاقات الاجتماعيّة واتجاهها، وتنبثق المشكلات أساساً من طبيعة النظام القائم قبل أن تكون ممارسة للأفراد، فالنظام الهرميّ المركزيّ عماده السلطة وأفرز طبقيّة مجتمعيّة كما تجسد على شكلِ انقطاعٍ بين المؤسسات والمجتمعِ.
كان تحديدُ النظامِ الاجتماعيّ من المسائل التي أُوليت الاهتمامَ، واعتُمد في البدايةِ العملُ على القاعدةِ والخليةِ الصغرى في تنظيمِ المجتمعِ، وبذلك تم تأسيس الكومين واللجان المنبثقة منه، ومن بعدها المجالس الشعبيّة، وفي خطوة تالية مجلس الشعب لغربي كردستان، كبرلمان يمثّل إرادة المجتمعِ السياسيّة، بهدفِ ترسيخ الثقة الكاملة لدى الشعوب بالتكاتفِ والعملِ وفقاً لإرادتهم في بناءِ نظامِ إدارة المجتمعِ على كافة الأصعدة، على أن تكونَ أخوة الشعوبِ وتحقيق العدالة الاجتماعيّة والمساواة في الحقوق مبدأً أساسياً في أيّ خطوةٍ تنجز.
وفق هذه الاستراتيجية دخلتِ الثورةِ مرحلة جديدة  في مجال الإدارة والتنظيم المجتمعيّ، وتمّ الإعلانُ لأول مرة في تاريخ سوريا عن المجلس التأسيسيّ العام للإدارةِ المرحليّة المشتركة المكوّن من 82 عضواً ممثلين عن كافة الشعوب والأديان الموجودةِ في شمال سوريا، وانبثقت هيئة متابعة لصياغة وكتابة مختلف المشاريع والوثائق اللازمة للتنظيم بشكل توافقيّ، وتمخض عن ذلك فيما بعد قرارُ تشكيلِ المقاطعاتِ الثلاث (الجزيرة – كوباني – عفرين) في 21/1/2014، والتي أُريد لها أن تكون تمثيلاً ديمقراطيّاً لإرادة كلِّ القوى والمكوّنات المجتمعيّة (القوميّة والدينيّة)، وتعبّرُ عن توافقٍ حول رؤيةِ الحلِّ السياسيّ والسلميّ للأزمةِ، وأن تعالجَ للمشاكل المتجذرةِ التي لم يتصدَّ النظامُ المركزيّ لحلّها وكان سبب تعقيدها، ومنها قضية الكرد، وكذلك القضايا التي أفرزها استمرارُ الأزمةِ.
استثنائيّةُ الحدثِ جاءت من خلال استثنائيّةِ الظروفِ، ففي بلدٍ تتعدد فيه جبهاتُ الصراع المسلّح، يُعتبرُ الإعلانُ عن الإدارةِ الذاتيّة الديمقراطيّةِ، الإنجازَ الأكبر وغير المسبوق في تاريخ سوريا الحديث، وقد جاء نتيجةَ خطواتٍ ثابتةٍ وتضافرِ الأسبابِ وحصيلة للانتصاراتِ والإنجازات في الميادين الاجتماعيّة والسياسية للإدارة الذاتيّة، ولم يطرح النموذج من قبيل الترف التنظيميّ، بل لرسمِ خارطة الطريق لكلِّ شعوب روج آفا وشمال وشرق سوريا نحو الأمان والاستقرار، وتجسيداً لإرادتهم والدفاع عنها، لتتوالى من بعده الإنجازات في مستوى الحراك الدبلوماسيّ والتعريف بالحقوقِ والمكتسباتِ في شمال سوريا.
انطلقت الإدارة الذاتيّة الديمقراطيّة على أسسٍ راسخةٍ متينةٍ هي تشاركيّةُ العملِ الوطنيّ والتعدديّة السياسيّة، إذ لطالما كانتِ الشموليّةُ المرضَ العُضالَ، الذي أنتج حالاتٍ متعددة من الإقصاء والتهميش، وتطلع المشروعُ إلى مجتمعٍ يتمّ فيه إحقاقُ العدلِ وينعمُ بالسلام والأمن الاجتماعيّ، وكان في الوقتِ نفسه تجسيداً لطبيعةِ للخيارِ الوطنيّ كخط ثالث إزاء الأزمة، ما بين الانحياز الدينيّ والقوميّ، فيما كان الخيار عابراً لكلّ التوجهاتِ.
والسؤال الذي طرحته لو تمَّ التزامُ خيارٍ آخر بالاصطفافِ إلى جانب أحد طرفي الصراعِ، هل كان بالإمكان تحقيقُ أيّ إنجاز؟ والواقع أنّ أيّ اصطفافٍ من ذلك النوع كانت ستترتبُ عليه تكاليف ٌباهظةٌ، وسيكونُ سبيلَ تضييعِ قضيةِ شعبنا وخصوصيته، ما يعني ألا نكونَ أنفسَنا، وإذا كان صحيحاً أنّ الدفاعَ عن الذات مكلفٌ ودونه قرابين ارتقت إلى درجة الشهادة، إلا أنّ الاستدراجَ إلى أتونِ الأزمة كان أغلى تكلفةً والخسارةُ أكبر في الأرواح على ذمةِ تموضعٍ لن يحقّق أيّاً من طموحاتِ شعبنا، وهناك شواهد لأحزابٍ كرديّةٍ انضوت تحت عناوين المعارضةِ السوريّة في المجلسِ الوطنيّ الكرديّ، وهي تقرُّ بأنّها شاركت في العدوانِ التركيّ على عفرين، إلا أنّها لم تحقق أيّ مكاسبَ لصالحِ شعبنا، فيما مالت أطرافٌ كرديّة أخرى إلى جهة النظام فلم تتجاوز حدودَ التغييبِ.
في هذا السياق تمّت ولأول مرّة في المنطقة وبشكل ديمقراطيّ وتوافقيّ صياغة مشروع الإدارة المحليّة وإعداد وثيقة للعقد الاجتماعيّ والنظام الانتخابيّ بما يرضي كافة المكوّنات (القوميّة والدينيّة) ويتناسب معها مع إفساح المجال لكلّ القوى والتنظيمات السياسيّة للانضمام إليه بعد موافقة المجلس.
مأسسة المجتمع والحلّ الديمقراطيّ
توالت إنجازاتُ التنظيمِ المجتمعيّ في شمال سوريا عموماً لتترجم كلّ الأفكار والمنطلقات التي بدأت على أساسها ثورة روج آفا ولتصبح واقعاً حياتيّاً ملموساً، واستمرتِ اللقاءاتُ والمشاوراتُ بين ممثلي أبناء شمال سوريا، لتتوّجَ بخطوة إضافيّة بتأسيسِ الإطارِ السياسيّ الرسميّ للمشروع الديمقراطيّ المعبّر عن آمال السوريين وتمسّكهم بخيار العيشِ المشترك والعمل التشاركيّ في كلّ القضايا اعتباراً من تصوّر مشترك لحلّ الأزمة، فكان تأسيس مجلس سوريا الديمقراطيّة 9/12/2015. ومن أجل التواصل مع دول العالم، افتُتِحت ممثليات للإدارة الذاتيّة الديمقراطيّة في كلّ من:
1ــ السليمانية ــ إقليم باشور كردستان 15/8/2015.
2ــ موسكو ــ روسيا في 10/2/2016.
3ــ السويد في 17/4/2016.
4ــ ألمانيا في 6/5/2016.
5ــ فرنسا في 23/5/2016.
6ــ ممثلية في دول اتحاد بينيلوكس (هولندا، بلجيكا، لوكسمبورغ) مقرها هولندا في 8/9/2016، بالإضافة إلى مكتب تمثيليّ في سويسرا.
وبعد نقاشات موسّعة بين كافة القوى المشاركة في الإدارة الذاتيّة لروج آفا ومناطق شمال سوريا المحررة جديداً، جاء مشروع إعلان المجلس التأسيسيّ لفيدراليّة شمال سوريا في 17/3/ 2016 لبلورة الرؤية السياسيّة في حلّ قضايا الوطن وكلّ السوريين بعد تجربةِ خمسِ سنواتٍ من التنظيمِ والنضال والعمل الدؤوب، ليليه فيما بعد الإعلانُ عن العقد الاجتماعيّ للفيدرالية بتاريخ 1/7/ 2016، ويتألف من 85 مادة. وأجريت مرحلتا الانتخابات الأولى للكومينات في 22/9/2017 والثانية لمجالس المدن والبلدات والمقاطعات في 3/11/2017 فيما لم تُجرَ انتخاباتُ المرحلة الثالثة لانتخابات الأقاليم ومؤتمر الشعوب الديمقراطي المقررة في 19/1/2018 بسببِ العدوان التركيّ على عفرين. وفي 6/9/2018 أعلن عن تشكيل “المجلس العام للإدارة الذاتيّة” في شمال شرق سوريا”.
خصوصيّة المرأة في ثورة روج آفا
لا ينتقصُ من قيمةِ الثورة أن تُنسبَ إلى المرأة، ولا يتعارضُ ذلك مع الأبعاد الوطنيّة والمجتمعيّة للثورةِ، بل كان إشراكُ المرأة السمة الأبرز للثورةِ، في مجتمعٍ تحكمه عاداتٌ وتقاليدٌ تنتقصُ من قدرها، وتأتي الخصوصيّة من خلال تحرير طاقاتِ المرأةِ وإغناءِ الحِراكِ الثوريّ، ولا يمكن الحديثُ عن مجتمعٍ طبيعيّ، ثم نجد المرأة فيه غائبةً أو مغيّبةً في النشاطِ العامِ والحِراك المجتمعيّ والثوريّ، وهنا لا يمكن أن يكتمل معنى الثورةِ الأخلاقيّ وقد داخلته حالةُ إقصاء، كما لا يمكنُ للمجتمعٍ أن يسيرَ بشكلٍ طبيعيّ وقد استغنى عن نصفِ موارده البشريّة، ولذلك أخذتِ الثورة خصوصيّة شراكة المرأة، ولا ننكر أنّ ثمّة ثوراتٍ في العالم شاركت فيها المرأة، إلا أنَّ مشاركتها ومساحة دورها لم تتعدَّ الرمزيّة وكذلك في عدد المشاركات، وأما في ثورة روج آفا فقد كانتِ المشاركةُ في أقصى حدودها من حيث مساحةِ الدورِ والعددِ، ما يعكسُ حالةً متقدمةً من الوعي الاجتماعيّ والسياسيّ والمدنيّ، وقد أبلتِ المرأة البلاءَ الحسنَ في العمل العسكريّ وكسرت حالةَ الاحتكارِ الذكوريّ فيه، عبر مبدأ التشاركيّة في مستوى القرار في المؤسسات بتبني الرئاسة المشتركة. كما أتاحت المجال لثبتت المرأة قدراتِها ومؤهلاتها في الميادين الإداريّة والسياسيّة والاجتماعيّة والثقافيّة وغيرها. وهذه الظاهرة الفريدة أكّدت أنّ المرأة في مستوى ولائها الوطنيّ واستعدادها للتضحية والفداء تضارع الرجل تماماً بل وتنافسه، وفي هذا السياق تشكّلت مؤسسة عسكريّة خاصة بالمرأة باسم وحدات حماية المرأة YPJ، وتحفل يوميات الثورة والمقاومة بأسماء مناضلات وبطلات ارتقين لمستوى الشهادة كآرين ميركان وأفيستا خابور وبارين كوباني وبريتان، وأبدت المرأة تضحياتٍ كبيرة وراحت تنتقم لنفسها ولقيم الأخلاق النبيلة ضد ثقافة التحجّر والممارسات الوحشيّة من خلال عمليات السبي والاغتصاب والقتل والبيع بسوق النخاسة الذي تمّ إحياؤه في غفلة عن الزمن. فكانت نهضة المرأة من بعد كبوة تاريخيّة طويلة وإلحاقها الهزائم المتتالية بمرتزقة داعش الذي عجز العالم عن مواجهته إعجازاً خارقاً، وغدت بذلك أيقونة شرفٍ ومثالاً تحتذي به نساء العالم في أداء واجب الحماية والدفاع عن الذات والمجتمع. وهذا ما أدّى إلى تجاوز عوائق العادات والتقاليد القديمة وتحقيق مستوى أعلى للعدالة الاجتماعيّة، وتحرير القيم الإنسانيّة من قيم التخلف ومخلفات الماضي وثقافة الاستهلاك التي روّجت لها الحداثة الرأسماليّة.
تأتي أهميّة الحديث عن المرأة كونها أهم العناصر المكوّنة لدعامة المجتمع وبنائه على أسس اجتماعيّة وأخلاقيّة سليمة وتحقيق التوازن، فهي هوية المجتمع القائم على الإرادة الحرّة والمتماسك فكريّاً وسياسيّاً واجتماعيّاً، وبملاحظة أنّ واقع المرأة يعود لقرون طويلة ولم تستطع مراحل التطور الاجتماعيّ والحضاريّ والمعرفيّ أن تتجاوزه، يمكننا أن نعرف أن ما تمّ إنجازه نوعيّ واستثنائيّ، وبالمحصلة كان سابقة تاريخيّة فذة. ما يؤكّد على الرصيد الحضاريّ لدى شعبنا وحجم القمع الذي مُورس بحقه لئلا يكون نفسَه طيلة الحقب الماضية.
بذلك تجاوزت المرأة الصورة النمطيّة التي اعتبرتها مجرّد عالة وعبئاً أو جزءاً من سقط المتاع، وتمّ تجريدها من قيمتها الإنسانيّة وتهميش دورها الفعّال وإزاحتها عن وظيفتها الاجتماعيّة وحرمانها من أبسط الحقوق، ما أدّى إلى الاختلال في التوازن العام، وخلق عقد نفسيّة واجتماعيّة لدى الرجل والمرأة على حد سواء. وبهذا انتقلت المرأة من دور العالة الاتكاليّ والعاجز إلى دور الإعالة المنتج والمعطاء، ولتغدو نفسَها كما تستحق.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.