سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011
Banner Before Header

وجه بلاد الشام الجديدة مشروع استراتيجي بين خطوط التوتر العالي

لم يُكتب الكثير في الصحافة العربية عن هذا المشروع، لا قبله ولا بعد الإعلان عنه، ولم يكن ما كتب كافياً لتشكيل قراءة في العمق حول حقيقة إطلاق مشروع يتصل بإعادة إعمار العراق، تدعمه مصر ويستفيد منه الأردن، بينما يكون اسمه “بلاد الشام الجديدة”، ويقوم على استثمار التوتر الكهربائي العالي، وسط كل هذا التوتر القائم سلفاً في المنطقة.

شهد الشهر الماضي إطلاق المشروع في قمة ثلاثية عقدت في بغداد جمعت كلاً من الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي والعاهل الأردني عبد الله بن الحسين إلى جانب المضيف رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي، في أول زيارة يجريها رئيس مصري إلى العراق منذ عهد الرئيسين الراحلين حسني مبارك وصدام حسين.
جوهر مشروع “بلاد الشام الجديدة” يستند إلى تطوير التعاون بين الدول الثلاثة في العديد من المجالات، عبر تزويد العراق لمصر والأردن بالنفط، مقابل تزويد العراق بالكهرباء، وانخراط الشركات المصرية والأردنية في إعادة إعمار العراق، وسيكون الأردن هو ممر ذلك التبادل الذي سيشمل فائض التكرير المصري، لتكرير النفط العراقي ومن ثم تصديره إلى أوروبا.
تنسيق في الخلفية
أعلن الكاظمي، خلال زيارته إلى الولايات المتحدة صيف العام الماضي، في حوار مع صحيفة “واشنطن بوست” أن العراق بصدد الانضمام إلى مشروع كبير يحاكي الشراكة الأوروبية لتشكيل تكتل إقليمي قوي.
ليست هذه هي المرة الأولى التي يتشكل فيها محور سياسي اقتصادي عربي كهذا. فقد كان العراق والأردن عضوين مؤسسين لما سمّي بمجلس التعاون العربي إلى جوار اليمن ومصر. المجلس الذي انهار بعد غزو العراق للكويت وتفكك التحالفات القديمة. وربما كان قليلون من لاعبي المنطقة حينها يرغبون بنجاح مثل ذلك المجلس لانتفاء حاجتهم إليه، أو بسبب تهديده لمصالحهم في ذلك الوقت، لكن اليوم الحاجة إلى مثل هذا المشروع باتت أكبر.
15 اتفاقية اقتصادية كبرى تم التوقيع عليها العام الماضي ما بين القاهرة وبغداد، مثّل العاصمتين حينها رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي ونظيره العراقي، تدور جميعها حول إعادة إعمار العراق وزيادة حصة مصر لاستثماراتها فيه. بحيث تنطلق أعمال الشركات المصرية لإعادة الإعمار وبناء مدن جديدة في كل من محافظات صلاح الدين، نينوى، الأنبار، وسامراء وكلها مناطق ذات أغلبية عربية سنية. في الوقت الذي تنفتح فيه المملكة العربية السعودية والإمارات على العراق سياسياً لجذبه نحو الحضن العربي، ويجسّد الدور المصري رأس حربة في هذا الجهد، فهل استسلمت إيران التي تهيمن على أسواق العراق وتخلت عن تلك المناطق؟ أم أن هذا يجري بالتفاهم مع إيران ويقوم بدور المطمئن فيه الجانب العراقي؟
ويحتفظ البنك الدولي بأسبقية طرح المشروع ولكن بصورة أوسع، ففي مارس 2014 قدم دراسة مفصلة تشمل سوريا ولبنان والأردن والأراضي الفلسطينيّة، بالإضافة إلى تركيا والعراق ومصر. وتكرّر طرح المشروع في عهد رئيس الحكومة العراقي السابق حيدر العبادي، وتحوّل إلى آلية تعاون رأت النور قبل عامين من الآن، في القاهرة ونيويورك. بعد القمة الأخيرة التي أعلنت فيها تفاصيل أكثر عن المشروع، علّقت واشنطن على لسان المتحدث باسم وزارة الخارجية نيد برايس أن الولايات المتحدة تعتبر أن ما جرى “خطوة مهمة في تعزيز العلاقات الاقتصادية والأمنية الإقليمية بين مصر والعراق والأردن ودفع للاستقرار الإقليمي”. وبالتأكيد فإن واشنطن تدفع من الخلف من أجل قصقصة أجنحة النفوذ الإيراني في العراق والمنطقة، وتعزيز قدرات التعاون بين حلفائها في مصر والأردن علاوة على رغبتها بدعم الكاظمي.
 بعض المراقبين رأى أن مشروع “بلاد الشام الجديدة” بمثابة “خط أحمر” في وجه التمدّد الإيراني في العراق والمنطقة العربية، يؤكد ذلك التسريع الواضح للخطوات التنفيذية التي اتخذت حتى الآن، فبعد القمة الثلاثية التقى وزير النقل المصري كامل الوزير بالسفير الأردني في مصر أمجد العضايلة لبحث أوجه التعاون المشترك بين مصر والأردن، وبحث إمكانية دعم التجارة بينهما عبر الموانئ، لتسهيل نقل المنتجات المصرية إلى الأردن، ومنها إلى الدول المجاورة لها، مثل سوريا والعراق. إضافة إلى العمل على تطوير شركة “الجسر العربي”، المملوكة للدول الثلاثة؛ مصر والأردن والعراق.
وأشار المسؤولان المصري والأردني إلى ضرورة تطبيق البروتوكول الموقّع بين جهاز تنظيم النقل البري الداخلي والدولي وشركة الاتحاد العربي “سوبرجيت” المصرية، وكل من شركتي “جيت” الأردنية و”الوفود والمسافرين” العراقية، لتشكيل جسر بري بين القاهرة وبغداد مروراً بعمّان، على أن تكون تكاليف السفر زهيدة، وقدّر سعر التذكرة بـ130 دولارا للمسافر، بما في ذلك تكاليف الانتقال بالعبارة المائية بين ميناءي نويبع والعقبة.
التحالف العربي المتعثر
15 اتفاقية اقتصادية كبرى تم التوقيع ما بين القاهرة وبغداد، في سياق النفط مقابل الإعمار، تنص على أن تنطلق أعمال الشركات المصرية لبناء مدن جديدة في محافظات صلاح الدين، نينوى، الأنبار، وسامراء ذات الأغلبية العربية السنية.
كل ذلك يأتي ضمن سياق مشروع بلاد الشام الجديدة الذي أعلنت مصر والعراق والأردن عن البدء بتطبيق مراحله، والتي ستشمل الربط الكهربائي وتبادل الطاقة الكهربائية بين الدول الثلاثة وربط شبكات نقل الغاز بين العراق ومصر عبر الأردن وإتاحة منفذ لتصدير النفط العراقي عبر الأردن ومصر باستكمال خط الغاز العربي، وإنشاء خط نقل النفط الخام “البصرة – العقبة”، وإطلاق مشروعات الطاقة الكهربائية والطاقة المتجددة والبتروكيماويات وبناء القدرات وتبادل الخبرات.
ويقول الخبراء إنه سيكون هناك مردود اقتصادي بفعل خفض سعر برميل النفط، فقد تعهدت الحكومة العراقية للجانب المصري والأردني ببيع برميل النفط بـ16 دولاراً فقط، مقابل الكهرباء المصرية التي تتمتع بفائض يحتاجه العراق والتي ستمر عبر الأردن.
غير أن هذا الحلم الاقتصادي الذي تكرر وصفه في الإعلام في البلدان الثلاثة بأنه “نواة لاتحاد عربي مستقبلي شبيه بالاتحاد الأوروبي” يواجه الكثير من التحديات، أبرزها أنه مشروع قد يعيد رسم خارطة التوازنات في المنطقة، ومن بينها أن هناك من سيجد نفسه مضطراً إما إلى الانخراط في المشروع أو وضع العصي في عجلاته.
حساسية الجيوبولوتيك
بغض النظر عن الإرادات الكبرى التي تقف خلفه، وبدءاً من اسم المشروع، فإنه من الواضح أن الهدف الأساس منه هو إعادة تشكيل المنطقة سياسياً بالارتكاز إلى الضرورات الاقتصادية، وإعادة الإعمار. وفي هذا المجال لا يمكن استثناء سوريا التي بدت مدنها وأريافها اليوم أقرب إلى الأنقاض التي ستغري كل من يفكر في إعادة الإعمار في أيّ مكان قريب. وهذا سيتطلب تدخلاً سياسياً لضمان تمكين مشروع “بلاد الشام الجديدة” وضمان نجاحه.
 يمثّل المشروع تصادماً في المصالح والمشاريع السياسية والاستراتيجية للعديد من الأطراف، وعليه وكي لا يتم وأده في مهده فإن على لاعبيه الثلاثة تذليل العقبات التي ستقف في طريقه.
استدراج إيران إلى الموافقة على المشروع يتخذ أبعاداً مختلفة، ففي حين تطمع إيران باتفاق نووي جديد مع الولايات المتحدة والعالم، لا تريد لشيء أن يقف حجر عثرة في طريقها نحو هدفها ذاك. وستجد نفسها مضطرة لغض الطرف عما يدور بين بغداد والقاهرة وعمّان مادامت تمسك بزمام القرار السياسي في العراق عبر أذرعها ووكلائها، والقرار النهائي لن يكون لهؤلاء بالطبع، بل في طهران.
من جانب آخر وبالطريقة التي عرض من خلالها المشروع، فإنه يمثل تلويحاً بتوسعته نحو مناطق تعتبرها إيران باتت في حديقتها الخلفية، لا العراق وحسب، وإنما سوريا ولبنان، والموافقة على جزء من المشروع أهون على إيران من ابتلاع الطُعم كله، أو لعله يكون كأس سمّ أخرى يجري تحضيرها؛ من يدري؟
كل ما يمكن أن يقف في وجه مشروع الشام الجديدة في هذه المرحلة هو ملف التنسيق الأمني، وهو ما لم يكن مغفلاً أمام ناظري البلدان الثلاثة، ففي البيان الختامي لقمة بغداد تمت الإشارة إلى أهمية التنسيق الاستخباري لمكافحة “الإرهاب والجريمة المنظمة والمخدرات، وتبادل الخبرات في مجال الأدلة الجنائية ومكافحة الجريمة الإلكترونية والتسلل، ومواجهة كل من يدعم الإرهاب بالتمويل أو التسليح أو توفير الملاذات الآمنة والمنابر الإعلامية”.
تبقى إسرائيل التي تتمتع بعلاقات طبيعية مع كل من الأردن ومصر أمام خيار السماح بإدراج الأراضي الفلسطينية، الضفة الغربية وغزة ربما، في سياق مشروع “بلاد الشام الجديدة”، فهل ستجد إسرائيل، الجديدة سياسياً، نفسها أمام قرار التخلص من العبء الفلسطيني؟ أو مواصلة دوامات التفاهمات الإسرائيلية – الفلسطينية المعقدة والتي لم تفضِ إلى حالة استقرار بعد؟ ولن يكون بعيداً عن شهية يائير لبيد وشريكه نفتالي بينيت التبشير بمستقبل مزدهر ومستقر للمنطقة قائم على السلام لا الحرب.
سوريا وحدها تبقى المشكلة في هذا التكوين الجديد، فمن دون التوصل إلى حلول سياسية للصراع الدائر فيها، والتي يرى العالم أن تطبيق قرارات مجلس الأمن وبيان جنيف هو السبيل الوحيد للخروج من أزمتها المستعصية، لن يكون بالإمكان ضمها إلى مشروع “بلاد الشام الجديدة”، حتى لو تمت الاستعاضة عن ذلك بما جرى الكشف عنه مؤخراً عبر استعمال معابر سعودية على الحدود العراقية لتمرّ البضائع والشاحنات السورية منها، إلا أن هذا لن يعدّ شكلاً نهائياً لطبيعة علاقتها مع المشروع بل يبقى إجراء مؤقتاً.
القلق التركي
الحلم الاقتصادي الكبير الذي يتكرر وصفه في الإعلام في البلدان الثلاثة بأنه “نواة لاتحاد عربي مستقبلي شبيه بالاتحاد الأوروبي”، يواجه الكثير من التحديات، أبرزها أنه مشروع قد يعيد رسم خارطة التوازنات في المنطقة.
تركيا من جانبها ما زالت تنتظر الحسم في سوريا، دون أن تتمكن، شأنها شأن بقية دول الإقليم، من تقديم مبادرة إنقاذية، أو صفقة من خارج الصندوق، وإلى أن يحصل ذلك، فإن صيانة الاقتصاد التركي المرتبط بالدول المجاورة لها جنوباً، أمر يجري على قدم وساق، بغض النظر عن التفاهم حول ذلك مع الأطراف المعنية، ليبقى مجمل تلك المصالح المشتركة مرتبطاً بالقضايا الخلافية والأخرى المتفق عليها، مثل الموقف من حزب العمال الكردستاني من جهة، والشراكة النفطية مع العراق ممثلة في الأنابيب التي تمر عبر الأراضي التركية إلى أوروبا.
خط الأنابيب العراقي الذي يمر من تركيا يعود إلى اتفاقية وقعت بين الجانبين عام 1973 وطوّرت لاحقاً مرات عدّة، بني الخط ليحمل النفط العراقي الخام يومياً إلى المتوسط عبر ميناء جيهان التركي. ويقول مايكل نايتس الباحث في معهد واشنطن، إنه إذا ما أغلق خط أنابيب العراق ـ تركيا، فسيخسر سوق النفط العالمي ما يقرب من نصف مليون برميل خلال أسابيع معدودة. ومنذ أوائل عام 2014 سمحت أنقرة لـ”إقليم باشور كردستان” بتصدير النفط بشكل مستقل عن وزارة النفط العراقية. ما مكّن الإقليم من بيع النفط مباشرة إلى السوق والاحتفاظ بالإيرادات، فاعترضت بغداد على ذلك. واندلع خلاف قاد الطرفين العراقي والتركي إلى التحكيم. فالخط العراقي يشكّل مصدر النفط الخام الرئيسي لتركيا، ويوفّر 24 في المئة من وارداتها. وهنا يبدو مشروع “بلاد الشام الجديدة” كإعلان حرب نفطية ضد تركيا، أو سيقود إلى أقلمة طرق النفط والغاز والكهرباء وفق حدود جديدة يرسمها الجيوبولوتيك المتحوّل باستمرار.
في النهاية تظلّ هذه المشروعات الكبرى رهناً بسياسة النفس الطويل وعض الأصابع الذي يمكن أن تمارسه الأطراف، ولا تنفع فيه العنتريات الخطابية ولا التقارب الطائفي والقومي، فهي عجلة كبيرة تدور فوق الاعتبارات الصغيرة واللاعبين الهامشيين دون استثناء.
وكالات

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.