سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011
Banner Before Header

النظام السوري يتملص من العقوبات الأمريكية من بوابة تجارة المخدرات

إنّ ضبط كميات من المخدرات في السعودية ولبنان والأردن ومناطق أخرى في الشرق الأوسط منذ نيسان/ إبريل، ما هي إلا دليل على النموِّ الهائل في تهريب حبوب “الكبتاجون” بالمنطقة والتي تُعتبر مادةً مُخدِّرة، واستهلاك الكبتاجون ضئيل نسبياً خارج الشرق الأوسط، والذي يُعرفُ أيضاً بـ “كوكائين الفقير”.
انتشر هذا النوع من المخدر جرّاء الطفرة الصناعية، والتي تركّزت بشكل خاص في سوريا التي مزّقتها الحرب، حيث يعتمد نظام بشار الأسد المُحاصر على الناركوتين كمَصدر مالي، بينما لا تستطيع الولايات المتحدة أن تفعل شيئاً حيال دولة المخدرات السورية، وبمقدور إدارة جو بايدن اتخاذ خطوات منطقية ومحسوبة لإنهاء الحصانة التي يتمتع بها أباطرة المخدرات السوريين والتخفيف من التداعيات الإقليمية الناتجة عن ذلك.
3.5 مليار دولار 
خلال الحرب الأهلية السورية، تحوَّل نظام الأسد إلى قيادة أحد أهم مشاريع الناركوتين في العالم، وتُعتبر مادة الحشيش من أهم صادراته من المواد المخدرة، بِيدَ أن الكبتاجون يُدِرُّ أرباحاً كبيرة، وهي حبّة مُنشِّطة خفيفة تُستهلك كمادّة للتسلية والترفيه عبر الشرق الأوسط، ووفقًا لتقرير أفاد به مركز التحليل والبحوث العملياتيّة (COAR)، تقدّر القيمة المحلية للكبتاجون السوري بما لا يقِلُّ عن 3.5 مليار دولار، أي ما يُعادل خمسة أضعاف قيمة صادرات البلد المشروعة.
ويُعتقد أن عائدات المخدرات السورية مسُتولىً عليها من قبل حلفاء نظام الأسد الذين يُسيطرون على منشآت التصنيع والمختبرات تحت الأرض ومنشآت التصدير، وأيضاً وجود الميليشيات المدعومة إيرانيّاً بما في ذلك حزب الله، الذي يقوم بتهريب المواد الأولية الكيميائية التي يحتاجها في تصنيع المخدرات التي تُعتبر ذا أهمية بالنسبة لهذه الصناعة، وفي توضيح من مركز التحليل والبحوث العملياتية (COAR)، يُعد الآن الناركوتين أحد أهمّ دعائم الاقتصاد السوري بالحرب، ومع ضمور المصادر المالية الأخرى التي تعتمد على الخمر، ستزدهر تجارة المخدرات من حيث الأهمية، التي تساعد نظام الأسد بالتصدي لحملة الضغط الدولية ضد دمشق.
لماذا تلتزم واشنطن الصمت؟ 
ومن أكثر ما يُحيّر فيما يتعلق بتجارة المخدرات السورية، غياب استراتيجية أمريكية واضحة حيال الموضوع، وقد عُرِفَ الكبتاجون منذ مدة طويلة كنتيجة إقليميّة للحرب الأهلية السورية، وفي يوليو/ تموز، ضبط مسؤولو ميناء إيطالي نحو 1.1 مليار شحنة مخدرات قادمة من سوريا، وعلى الرغم من تمدُّد تجارة المخدرات السورية إلى أوروبا، إلا أن الولايات المتحدة وحلفائها فشلوا في وضع رؤية واضحة لمعالجة هذا الوضع، رغم أنه يُعتقدُ أن عملية ضبط الكبتاجون الأخيرة في أوروبا الشرقية وتركيا والشرق الأوسط تمّت عبر تبادل المعلومات الاستخبارية بين مسؤولي المخدرات الأمريكيين، وإن هذه عملية الضبط هذه لا تُمثِّل استراتيجية ملموسة وواضحة.
وفي غضون ذلك، استمر رجال الأعمال السوريون الذين يتعاملون بالناركوتين بكسب مزيداً من الثروة في الوقت الذي تزعزع تجارة المخدرات أمن واستقرار المنطقة، وما لا يَقلُّ عن ثلاثة أشخاص لقوا حتفهم في اقتتال بين مهرّبي المخدرات السوريين وحرس الحدود الأردنيين في أيار/ مايو، وبالتوازي مع ذلك، ضبطت تركيا أكبر شحنة مخدرات من مادة الحشيشة على الإطلاق قادمة من سوريا، وقد حذّر مكتب الأمم المتحدة لمكافحة المخدرات والجريمة من ازدهار تجارة الكبتاجون في العراق، ولا يوجد مكانٌ آخر أكثر وطأة من لبنان، الذي تربطه مع سوريا سلسلة جبالٍ مليئةٍ بطرق التهريب، ما يُهيئُ الظروف بحسب الاتحاد الأوربي لـ ” تقوية العلاقات الإجرامية بين البلدين”.
انغماس لبنان في تجارة الكبتاجون الإقليمية وضع اقتصاده المتعثّر على حافّة الهاوية، ففي أواخر نيسان/ أبريل، حظرت وزارة الداخلية السعودية الواردات اللبنانية من خضار وفواكه بعد ضبط السلطات في جِدّة أكثر من 5 مليون حبّة كبتاجون مخبأة داخل الرمان كانت قادمة من لبنان، فيما ندّد مسؤولون لبنانيون بهذا القرار زاعمين بأن الشّحنة كانت قادمة من سوريا، لكن ذلك لم يُجْدِ نفعاً، وغرّد السفير السعودي في لبنان عبر تويتر، أن المسؤولين في جِدَّة تمكّنوا من ضبط أكثر من 57 مليون حبة كبتاجون مخبأة داخل المنتجات الزراعية القادمة من لبنان منذ بداية العام 2020، وتتجاوز القيمة المحلية للحبوب 1 مليار دولار، ما يدل على امتلاك لبنان منشآت لصناعة وتجارة الناركوتين، والتي تتنامى بشكل سريع.
التشهير 
وفقط بمقدور نظام الأسد أن يضع حدّاً لتجارة المخدرات السورية، والتي تُعدُّ مصدراً ماليّاً حيويّاً للاقتصاد الوطني المتعثّر والعزلة الدولية المفروضة، وكما يوضّح مركز التحليل والبحوث العملياتية (COAR)، فإن الأسد سيعمل على استغلال ذلك لابتزاز الغرب في المفاوضات مستقبلاً، وأضاف المركز، أن الولايات المتحدة تستطيع اتخاذ خطوات للحدِّ من الحصانة التي يتمتع بها المتعاملون بالمخدرات، وبحوزة المسؤولين الأمريكيين معلومات يُمكن الاستعانة بها لاتخاذ الإجراءات فيما يتعلق بتجارة المخدرات السورية، وفي مقابلة مع كاتب التقرير، ذكر باحثون على دراية بالتمويل غير القانوني وتجارة المخدرات، أن حملة ” التشهير” ستُلفتُ الأنظار إلى صناعة الكبتاجون السوري، ويُفضي الكشف عن هذه المعلومات للعلن بتخفيض الضغط على المصادر الرئيسية لاستقاء المعلومات من قبل المخبرين داخل البلد، والذين هم مترددون بتقديم المعلومات القيّمة خشية الانتقام، مثل هكذا معلومات هي حيوية بالنسبة للبحث حول تجارة المخدرات وبإمكانها أن تُعزّز من الإجراءات التي ستُتّخذ بهذا الصدّد في المستقبل.
تسميات خاصة
والعقوبات ليست البلسم الشافي، واعتماد الولايات المتحدة المفرط على العقوبات القسرية في سوريا أدّى لعرقلة وصول المساعدات وكذلك أضرّ بالمدنيين، حيث برهنت على أن المساعدات الإنسانية الاستثنائية غير كافية، على أيّة حال، إن تصنيف العقوبات ضد مهرّبي المخدرات المعروفين ينطوي على مخاطر قليلة، وأنها اللبنة الأولى في الأجندة الأمريكية لمجابهة صناعة الناركوتين المزدهرة إقليمياً، وفي الوقت الذي يُعطي برنامج العقوبات على سوريا وقانون قيصر عقوبات واسعة ضد السلطات، فإن قانون كينغ بن، الذي يستهدف مهرّبي المخدرات الدوليين، مُصمّم ليُضيق الخناق على تجارة المخدرات ويفي بالغرض.
دعم لبنان 
وناهيك عن سوريا، لم يتأثر أيُّ بلدٍ بالحرب الأهلية السورية الدائرة وتجارة المخدرات الإقليمية أكثر من لبنان، والذي يُعدُّ جيشها الوطني، القوات اللبنانية المسلحة (LAF)، محوراً أساسيّاً بالقيام بالعمليات ضد تهريب الناركوتين، وكفيلاً مرجّحاً بتحقيق المصالح الاستراتيجية الأمريكية. القوات المسلحة اللبنانية في وضع يُرثى لها الآن، نتيجةً للاقتصاد المنهار بشكل غير مسبوق والذي أنهكه، المعنويات منهارة ولم يعُد يتلقّى الجنود حِصَصَهُم الغذائية، والمرتّبات فقدت نحو 90٪ من قيمتها نتيجة لانهيار العملة المحلية ومخاطر الانشقاق أصبحت مرتفعة، وحتى اللحظة، قدّمت الولايات المتحدة مليارات الدولارات لمساعدة القوات اللبنانية المسلحة، بما في ذلك تعزيز الإجراءات على الحدود والقدرة على مواجهة عمليات تهريب الناركوتين، إن تقديم مثل هكذا دعم أمرٌ لا بدّ منه، طالما أنه دعم غير عسكري للحفاظ على مهمة القوات اللبنانية المسلحة الأساسية، متضمّنة الحِصَصَ الغذائية والوقود والمساعدات اللوجستية.
وللقوات اللبنانية المسلحة مُنتقدونَ لها في الولايات المتحدة، بيدَ أنه ينبغي أن يُنظَرَ لهذه القوات كدرعٍ ضد الانقسام الطائفي اللبناني. في الماضي، أثارت علاقة القوات اللبنانية المسلحة مع حزب الله موجة سخط في واشنطن، وينبغي للسياسة الأمريكية الواقعية أن تَعي ذلك جيداً، إن القوات اللبنانية المسلحة ليس بمقدورها كبح جماح الجناح العسكري القوي لحزب الله، ولكن ستبقى هذه القوات حائطَ صَدٍّ ضدّ الجماعات المدعومة إيرانياً في ظل غياب الدعم الأمريكي.
ومنذ اندلاع الانتفاضة الشعبية في لبنان التي اشتعلت في تشرين أول/ أكتوبر عام 2019، اتهمت القوات المسلحة اللبنانية باستخدام القوة المُفرطة ضد المحتجين الذين طالبوا بالتخلص من المؤسسات الطائفية الفاسدة بالبلد، وهذه التّهمُ جدّيةٌ ومثيرة للقلق.
وعلى أيّة حال، لا تزال القوات المسلحة اللبنانية تحظى بتأييد شعبي، وهي المؤسسة اللبنانية المنفردة من ناحية شموليتها وهيكليتها المبنية على طوائف متعددة، وفي الوقت الذي تعمّقت فيه الأزمة اللبنانية، رفض قادة الجيش الانصياع للأوامر باستخدام القوة ضد الاحتجاجات الشعبية، والوقوف بدلاً من ذلك إلى جانب الشعب اللبناني المتنوع الذي من المفترض أن تمثله وتقف إلى جانبه هذه القوات.
التقليل من حدّة الضرر وتحديد أسباب استخدام المخدرات
وأخيراً، إن الولايات المتحدة ينبغي ألا تقوم بتصدير سياستها الفاشلة فيما يتعلق بالمخدرات، وإن انتشار الكبتاجون بالشرق الأوسط جاء نتيجةً طبيعية لداء الأفيون الذي أرهق الولايات المتحدة، ويستهلك المتعاطون في الدول الخليجيّة الثريّة الكبتاجون للهروب من الملل في قطاعات العمل العامة، وفي البلدان التي تشهد حروباً ونزاعات مثل سوريا، فإن الإدمان على المخدرات وتعاطيها هي للهروب من البؤس والحرمان في الحياة اليومية. وينبغي أن تتضمّن الاستراتيجية الأمريكية الإنسانية لمكافحة المخدرات، تطوير برامج الصحة النفسية والدعم النفسي والاجتماعي وإسداء المشورة بشأن الصحة النفسية وعلاج الإدمان، وليس بفرض “عقوبات صارمة” وتطبيق القانون على الحلقة الأضعف في سلسلة تجارة المخدرات، وهم المتعاطون، وهي فئة شائعة بالمنطقة، وإن أسباب تعاطي المخدرات متشعبة ومتنوعة ومنها ارتفاع نسب البطالة والاضطهاد السياسي والملل بين الأجيال.
ولابُدَّ من ذكر أن التعامل بالكبتاجون ليس فقط من أجل كسب المال، بل نتيجة للتقصير المستمر الذي خلّفته حكومات ينقصها الخبرة والكفاءة إضافة إلى التدخل الخارجي والركود الاقتصادي.
وكالات

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.