سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011
Banner Before Header

مستقبل الحل السياسي ما بعد الانتخابات الرئاسية السورية

منبج/ آزاد كردي ـ

بعد الإعلان عن فوز رئيس النظام السوري بالانتخابات الرئاسية التي لم تأت بجديد يُذكر وكانت نتائجها محسومة سلفاً لصالح الرئيس الحالي بشار الأسد. وبدا من الواضح أن الانتخابات الرئاسية التي مضى بها الأسد دون اعتراف أممي تطرح العديد من التساؤلات بشأن تأثيرها على الحل السياسي، ومستقبل مفاوضات اللجنة الدستورية المتأرجحة بين المعارضة والنظام السوري أو مشروعية قَبول طرف ثالث بينهما ممثلة بالإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا.
أثناء محاولة النظام السوري إقناع المجتمع الدولي بمشروعية مسرحية الانتخابات التي كان يقيمها بما يسمى بـ”العرس الديمقراطي”، جاء الرد من المبعوث الأممي الخاص بسوريا «غير بيدرسون» مؤكداً أن الانتخابات التي يجريها النظام السوري “ليست ضمن العملية السياسية، وهي تعني أن الأمم المتحدة غير منخرطة فيها”. فيما اعتبر الاحتلال التركي أن الانتخابات الرئاسية السورية غير شرعية ولا تمثل كل السوريين، بينما كان موقف الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا أكثر حزماً عبر البيان الذي أصدره مجلس سوريا الديمقراطية (مسد) لتؤكد فيه أنها غير معنية بالانتخابات السورية على الإطلاق، موضحة أنه لطالما كان النظام السوري رافضاً لأي حلول ومفاوضات فيما بينهما لإيجاد حل سوري للأزمة السورية. وإزاء هذه المعطيات تتباين المواقف حول تأثير الانتخابات السورية على مستقبل الحل السياسي السوري وفرص تحقيقه من عدمه في قادم الأيام.
المعارضة المشتتة
مع إعلان رأس النظام السوري نيته الترشح للانتخابات الرئاسية السورية كان موقف المعارضة أقل من المتوقع ومحدوداً أمام البروبوغندا الهائلة للنظام السوري الذي واكبت الانتخابات الرئاسية السورية بحصافة وذكاء باهر فيما اقتصر ردهم على الشجب دون أي خطوات ملموسة.
وإن كان موقف المعارضة السورية يراوح في ذات المكان ما خلا بعض الأصوات الفردية اعتبرت أن إجراء هذه الانتخابات بالشكل الصوري يكشف زيف النظام والدول الداعمة له، إلى جانب عدم اكتراث النظام السوري وروسيا وإيران بالعملية السياسية الذين يتقاطعون مع بعضهم في محاولة فرض منظومة الاستبداد أمراً واقعاً رغم وجود قرارات دولية.
في حين أنه وطوال الجولات الخمسة للجنة الدستورية لم تكن المعارضة السورية قادرة على بناء موقف موحد، ما جعل قواها مشتتة في نفق مظلم بسبب عدم قدرتها في الحصول على مكاسب من النظام السوري الذي يناور في محاولة منه في بلوغ مأمنه في إجراء الانتخابات الرئاسية التي يتوقعها أن تطيل عمره سبع سنوات أخرى.
الإدارة الذاتية الأقوى
تبدو الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا أكثر الأطراف على الأرض السورية التي تملك العديد من الخيارات السياسية المفتوحة وآفاقاً واسعة منطلقة من كونها تعبير عن صوت العقل الذي يتعامل بالحكمة والمنطق. ولا شك أنها تتعامل مع الأزمات بشفافية ومصارحة مع الشعب، مما أدى إلى متانة العلاقة بين الشعب والإدارة رغم محاولات جهات خارجية تأليب الرأي العام على بعض المواضيع المحقة، إلا أن ذلك النداء فشل كلياً رغم غثاء السيل منها؛ لا أرضاً قطع ولا ظهراً أبقى، بسبب وعي الشعب للفتن السوداء.
وهي دعت النظام السوري في أكثر من مقام إلى قَبول دعواتها المتتالية إلى حقن الدم السوري والشروع بعجل في مفاوضات سياسية إلا أن النظام السوري لم يرعوِ عن غطرسته وجابه تلك الدعوات بالتخوين والرفض، إلى جانب ذلك فإن الإدارة الذاتية عرضت على دولة الاحتلال التركي قبول دعوتها إلى التعاطي معها على مبدأ حسن الجوار، كما ودعت في أكثر من مناسبة المعارضة السورية غير المرتهنة بأوامر الاحتلال التركي إلى رمي السلاح والإقبال إلى مناطقها والقَبول بالمشروع الديمقراطي الذي يؤمن لهم حياة كريمة دون استغلال من الخارج.
وجددت الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا مطالبتها بضرورة التزام المجتمع الدولي بمضمون القرارات الدولية، خاصة القرار الدولي 2254، كما أكدت أثناء الانتخابات الرئاسية السورية عبر بيان أن الانتخابات غير شرعية لأن جزءاً كبيراً من سوريا خارج حسابات الواقع الانتخابي السياسي، وذلك أن القضية قضية سورية بامتياز وهي تعني – دون ريب – بأن الشعب السوري لا يزال مرتهناً تحت القبضة الحديدية للنظام السوري.
نفق مظلم
وبالنظر إلى المعطيات السياسية، خاصة في الأمد المنظور، فإنه لا تغيير بالشأن الأمريكي أو الأممي بالحيثيات وبطريقة التعاطي مع الانتخابات الرئاسية التي حسمها الرئيس بشار الأسد لصالحه، وهذا يعني أن الدول المؤثرة في الشأن السياسي التي سمحت له بإجراء الانتخابات التي عدها الكثير أنها مسرحية هزلية أريد لها التمديد له لولاية رابعة، بينما اقتصرت مواقف الدول الأوروبية إزاء الانتخابات الرئاسية السورية على التنديد والشجب، وهذا يعني أن لا تغيير بعد الانتخابات في الشأن السياسي من قبل المجتمع الدولي الذي لم يتوقف عن تقديم المساعدات الإنسانية لدمشق، بانتظار عما يسفر عنه لقاء القمة بين الرئيسين الروسي فلاديمير بوتين والأمريكي جو بايدن المرتقب خلال الأيام القادمة، حيث سيحدد تفاصيل ماهية المرحلة القادمة للتعامل مع الوضع السوري رغم إعلان إدارة جو بايدن منذ فترة تمسكها بالقرار الدولي 2254 كمسار متفق عليه للمضي قدماً في الملف السوري. ولا شك أن الموقف الأمريكي جاء متغيراً ومنسجماً مع حقيقة النظام القمعية والاستبدادية، وهو إذ يأتي خلافاً لما كان عليه الموقف في فترة دونالد ترامب المتساهل والمتذبذب في حين يبدو خلفه أكثر وضوحاً لكنه غير مبال بالملف السوري.
القادم الغامض
كل الدلائل تشير أن لا تغيير حقيقي في الموقف من الحل السوري رغم أن هناك ضوءاً أخضر أمريكياً وروسياً سمحا للنظام السوري بالتقدم خلال فترة قصيرة من إجراء الانتخابات، وهو ما يعني أنه ما كان له أن يخوض الانتخابات بهذه السهولة التامة. هذا الواقع الغامض تبدو ملامحه من خلال عدم الضغط على رأس النظام بشار الأسد لتنحيته عن الحكم، بل زادت من تصعيد الضغوط الاقتصادية والسياسية عليه مما سيفاقم المزيد من التدهور المعيشي خاصة في شح المحروقات ونقص المستلزمات الأساسية لتتصدر المشهد بين الفينة والأخرى في مناطق سيطرة النظام السوري.
بينما يتصدر مشهد المناطق الواقعة تحت النفوذ الاحتلال التركي مسألة التتريك في كثير من جوانب الحياة، بدءاً من اللغة والتعامل بالليرة التركية مروراً بإطلاق الأسماء التركية على المرافق العامة والمدراس والشوارع وانتهاء بدعم منظومة مرتزقته في العديد من المحاور في ليبيا وأذربيجان وغيرها.
أما مناطق شمال وشرق سوريا؛ فهي لا تزال تنتهج الخط الثالث الرامي إلى الجلوس إلى طاولة المفاوضات مع كافة الأطراف، لكن لا خُطوات ملموسة من جانب الأطراف الأخرى أو نية للحل الغامض، خاصة أن الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا تملك العديد من الأوراق المتنوعة خلال الفترة المقبلة في كافة الأصعدة، ويمكن تلخيصها كخطة عمل بما يلي:
1- التأكيد على مواصلة الأمم المتحدة على أهمية إيجاد حل سياسي متفاوض عليه لتنفيذ القرار 2254، ويبقى هذا هو المسار الوحيد المستدام لإيقاف الصراع وإنهاء معاناة الشعب السوري.
2- إعادة الثقة بأعمال اللجنة الدستورية باعتبارها صلة الوصل بين رغبات الشعب إلى الجهات المؤثرة في المجتمع الدولي.
3- وضع خطة اقتصادية متكاملة للإصلاح الاقتصادي والمالي تشمل إصدار قوانين في العديد من المجالات، أهمها الزراعة والقانون الضريبي.
ومن المهم بمكان القول أن الانتخابات الرئاسية السورية لم تحسم، خاصة بعد تصريح نائب وزير الخارجية الروسي المبعوث الشخصي للرئيس الروسي للشرق الأوسط وشمال أفريقيا ميخائيل باغدانوف، الذي أشار مؤخراً إلى إمكانية إقامة انتخابات رئاسية جديدة في سوريا وأن هناك فرصة للمفاوضات ومجال التفاوض السياسي.
وعليه فإننا بانتظار ما سيسفر عنه اللقاء المرتقب بين الرئيسين، الأمريكي والروسي، في جنيف السويسرية.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.