سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011
Banner Before Header

الأزمةُ السوريّةُ وصناعةُ الصورةِ… منبج نموذجاً

حلب/ رامان آزاد ـ

أكثرُ ما يلفتُ الانتباهَ خلالَ الأزمةِ السوريّةِ، هو صناعةُ الصورةِ التي تتوافقُ مع أجندة أنقرة السياسيّة، وهو ما تكرر مراراً طيلة السنوات الماضية، فالمتابعُ للحدثِ السوريّ، لا يجد إلا صورةً، تتداولها شبكاتُ الإعلامِ، وغالباً لا تكونُ الصورةُ توثيقاً للحدثِ، بل هي تصورٌ في العقلِ الاستخباراتيّ، تجسدها الأحداثُ لاحقاً، لتحوّلَ التصوّرَ إلى صورةٍ، يتمُّ التفاوضُ وكسبُ النقاطِ على أساسها. وما حدث في منبج مؤخراً كان محاولةَ تلاعبٍ بواقعِ المدينةِ الآمنةِ، وخلقَ صورةٍ مشوّهةٍ لها لا تمت لأهلها وطبيعتها بصلة.
أنقرة سعت لتغيير الصورة
في 3/6/2021 كان موعد مدينة منبج لصناعة صورة غريبة، عناوينها الرفض والتظاهر، بل ذهب البعض إلى أبعد من ذلك بكثير، أراد أن يقدم صورة غليان، وعجّت صفحات التواصل الاجتماعيّ بالمنشورات الكيديّة والتحريضيّة، وكان معظمها لأفراد مقيمين في تركيا، سبق ذلك اجتماع عُقد في 30/5/2021 في مدينة جرابلس بين ضباطاً من الاستخبارات التركيّة ومتزعمي المرتزقة من الأمنيين والعسكريين، لوضع خطة العمل في محيط مدينة منبج.
وقالت دار نيوز نقلاً عن مصادر أمنيّة ــ فضّلت عدم كشف هويتها ـ بأنَّ الضباط الأتراك أعطوا تعليمات للأمنيين والعسكريين بتنفيذ هجمات بمشاركة من عناصر من القوات الخاصة التركيّة التي ستدخل قرى خط الساجور وعون الدادات المعروفة باسم Özel Kuvvetler من جهة جرابلس مرتدين الملابس الخاصة بمقاتلي مجلس منبج العسكريّ، على أن يستهدفوا المدنيين مباشرةً، ويتم فوراً تحميل قواتِ مجلس منبج العسكريّ المسؤوليّةَ عبر حملة إعلاميّةٍ كبيرةٍ.
كان الاجتماع يهدفُ للتنسيقِ لصناعةِ صورةٍ، يتم البناء عليها لاحقاً، دون الاهتمامِ بكلفةِ الصورة، واحتمال أن تتدحرج الأمور إلى ما لا يُحمد عقباه. وسبق أنّ عملية بهذا الأسلوبِ نفذتها الاستخبارات التركيّة في مدينة سري كانيه، ويومها انتشرت الجثث في شوارع المدينة، واستهدفت على إثرها القوات المدافعة عن المدينة مرتدية لباسهم. كما فبركو عشرات المقاطع المصورة بلباس قوات سوريا الديمقراطيّة، لاتهامها بارتكاب الانتهاكات ضد المدنيين.
حسابات أنقرة بالنسبة لمنبج مختلفة في تفاصيل كثيرة، فهي ليست عفرين مثلاً، وبذلك عملت على محاولة إيقادِ نارِ الفتنةِ في داخلها، وكان المطلوب مجرد إيقاد كرة النار وتركها تتدحرج، وقد كان الحديث في الإعلام التركيّ والموالي أعلى حرارة بكثير حيث أراد دفع الأمور في منحى عشائريّ ومناطقيّ، وأخذ أقصى درجات التحريضِ، ومع أولى الحوادث الأمنيّة حرصت قوى الأمن الداخليّ على عدم مواجهة الأهالي، وتم تداول مقاطع مصورة لانسحابِ العناصر الأمنيّة أمام الأهالي لتجنبِ الصدامِ، لتكونَ الإجابة واضحة عن السؤال الذي أُريد طرحه عن البديل.
 الأمن مسؤوليّة مجتمعيّة
منبج أمام اختبار كبير، فهل تجتازها وتستعيد الأمن والحياة الطبيعيّة؟ من له مصلحة بالعبث بأمن البلد والفوضى؟ في الوقت الذي يقصف فيه جيش الاحتلال التركيّ قرى غرب منبج: (عرب حسن كبير، الهوشرية، الجات، توخار كبير وتوخار صغير، أم عدسة، الدندنية، أم جلود”، وتتواصل محاولات التسلل، فيما أُحرقت مساحات كبيرة من الأراضي الزراعيّة في قريتي الجات والهوشريّة.
قضية التجنيد، مسألة إداريّة صرف يمكن حلها، وكان إلغاؤها مباشرة من غير إبطاء لنزع فتيل الأزمة، والأمر يسري على كلِّ مسائل الخدمات، ما دام الأهالي هم أنفسهم أصحابَ القرار، وهم أنفسهم من يشغلون الوظائف الإداريّة وفي موقع القرار، وبذلك لا مبرر أبداً لانسياقِ الناس إلى الفوضى، وما تريده أنقرة أن تلحقَ منبج بالمدنِ المحتلة (الباب وجرابلس وإعزاز وعفرين وسري كانيه وكري سبي).
لدى تحرير المدينة من “داعش” كان العنوان العام هو العيش المشترك، ووحدة الدم السوريّ، وقد تجسد ذلك عمليّاً في معارك التحرير التي ارتقى دونها مئات الشهداء من كل الشعوب، والوفاء لهذه الدماء يستلزم صيانة هذا المنجز والحفاظ على السلم الأهليّ وصورةِ المدينةِ الوادعةِ، ولذلك لا بديل عن الأمن، وهو مسؤوليّة مجتمعيّة، بقدر ما هو مسؤوليّة مؤسساتيّة، فيما الفتنة تتغذى بالخطاب الفئويّ والطائفيّ والمناطقيّ، وكلّ الشعارات التي رُفعت كانت نفسها التي يُرددها الإعلام التركيّ… والتي تتمحور حول رفض وجود الكرد على كامل الشريط الحدوديّ، وما تقصده أنقرة بالمنطقة الآمنة بعمق 30 كم، يعني عدم وجود الكرد فيها.
صورة التحرير
يوم اندحر مرتزقة داعش عن مدينة منبج ذاق الناس لأولِ مرة طعم الحياة بعيدًا عن الخوفِ والترهيبِ والتهديد، ونقلت وسائل الإعلام العالميّة صورَ الأهالي محتفلين على سجيتهم بالتحريرِ، وكانتِ المشاهدُ مؤلمةً مُحزِنةً ومفرِحةً مُضحِكة بالوقت نفسه، فقد بادر رجالٌ إلى حلقِ ذقونهم، وتوثيق تلك اللحظة بصورٍ للذكرى أثناء حلاقة اللحى التي أطلقوها رغماً عنهم، فيما قامتِ النساء بحرقِ النقاب (البرقع)، ورغم أنّ المرأةَ في منبج معروفةٌ بالاحتشامِ، إلا أنَّ “داعش” أرغمهن على اللونِ الأسودِ ووضعِ النقابِ، وألزمهن بيوتهن سجيناتٍ بين أطباقها، وكثيراً ما شهدتِ المدينة مواقفَ القصاصِ من المرأة، وأقلها السياط، وجولات “الحسبة النسائية”، وبذلك فقد أراد أهالي منبج تغيير الصورة دفعةً واحدةً ، وإزالة اللون الأسود من حياتهم، وفي المشهد أيضاً امرأة لم تتمالك نفسها وقد استبد بها الحماس وطغت الفرحة فسقطت مغشياً عليها.
من صورة ذاكرة منبج، أن شهدت ساحاتُ المدينةِ والقرى عشراتِ عمليات القصاص، والقتل بطرق متنوعة، فقد ابتدع “داعش” طرقاً عديدة للقتل، عدا الرصاص، فكان السيف والطعن في موقع القلب والغرق والحريق والتفخيخ والقصف، وإلقاء الضحايا من المباني العالية، إضافة إلى عملياتِ قطعِ الأيدي والرجم… إلخ.
هتفتِ النساء وزغردن فرحاً، فقد كان يوم التحرير يعني إحياءَ المدينةِ برجالها ونسائها وأطفالها، وفي صورةِ التحرير أيضاً نجدُ امرأةً عجوزاً تشعلُ سيكارةً، وتنفثُ الدخانَ، وبقيت أمام عدسات الكاميرات عمداً، وكذلك فعلت نساء أخريات، وكان ذلك من قبيلِ السخريةِ، لأنّ داعش منع التدخين، وكان يعاقبُ بقسوة بقطع الأصابع…
كان تحرير المدينة إعجازاً كبيراً، وكان مشهد عودة الأهالي لا يُوصف، احتضن الأهالي المقاتلين وعبروا عن أسمى معاني الشكر، ودخلت المدينة مرحلة مختلفة تماماً، يسودها الأمان والاستقرار، ولكنها بقيت محور السجال السياسيّ بين تركيا وروسيا والولايات المتحدة… وعقدت اتفاقات حولها، منها تسيير الدوريات المشتركة، وكذلك انتشار الجيش السوريّ في محيط المدينة.
كتبت صحيفة صنداي تايمز البريطانية، في 14/8/2016 إنّ البلدة الواقعة شمال شرق حلب، ظهر بها مشاهد “أكدت الهزيمة الكبيرة لتنظيم داعش”، حيث أحرقت بعض النساء النقاب الذي كان داعش يفرضه عليهن، وحلق الرجال لحاهم. وأظهرت صور النساء وهن يشعلن السجائر، “ثأراً من قامعيهم السابقين”، في نشاطٍ قد يسببُ عقوبةَ قطعَ الأصابعِ أثناءَ حكم “داعش”. ومزّقت نساء أخريات النُّقُب وأشعلنها في المدينة، ما قد كان يسبب قتلهن سابقاً، في حين بدأ الرجال بحلق لحاهم، فيما كان يعد جريمة في حكم داعش.
الأزمة السوريّة كانت حافلة بصناعة الصور
كانت البداية من مشهدِ المظاهرات الأسبوعيّة التي كانت تُصوّرُ لمدة دقيقة، ثم زادتِ المدةُ مع تحوّلِ التظاهرِ إلى طقسٍ أسبوعيّ، ثم قالوا إنّ مندسين تسللوا إلى المظاهرات، وبحجتها كانتِ العسكرة، لحماية المتظاهرين، وبعبارة أوضح لحماية الصورة وضمان استمرارها، وكان الحرص كبيراً على تعميم الصورة لتشمل كل البلدات والمدن والأحياء، ليقال إنّ البلادَ كلها انضمّت إلى الحراك… ثم غرقت البلاد بالصراع المسلح ولم يعد أحد يسأل عن البداية، وأصبح عدد الصراع المسلح أضعاف التظاهر، وحكاية التظاهر السلميّ لسنة أو ما يزيد مجرد دعاية إعلاميّة، واعتباراً من حزيران 2011 بدأ إعلان تشكيل الفصائل المسلحة، وبدا واضحاً أنّ المطلوبَ التغييرُ بالقوة، فيما كان الطرف المقابل يردُّ بالقوةِ أيضاً، وتغيّرت خريطة الصراع مراراً، استناداً لمعطيات الميدان.
الصورة في عفرين
لم يسبق احتلال عفرين بصورِ المظاهراتِ، فكانتِ الحرب وكان الاحتلال، بحجة أخرى هي الأمن القوميّ التركيّ، ولكن الصورة جاءت فيما بعد لتبرر الاحتلال وتشرعنه. وجاءت الصورُ مع الاحتلالُ والاستيطان. ومنذ اليوم الأول للاحتلال في 18/3/2018 اكتسحت المواقع الإعلاميّة مشاهد استباحة المدينة بالكامل وأعمال السرقة والنهب للأموال العامة والخاصة والمحال التجاريّة والبيوت والآليات، وكان ذلك مطلوباً لتشكيل صورة للعالم وبخاصة أوروبا، الذي يُحتمل أن تعارض الاحتلالَ، وكان يُراد عبرها رسالة مفادها “هؤلاء اللصوص جمعناهم وأدخلناهم إلى عفرين، والبديل أن نضخّهم إليكم، لقد أسدينا إليكم خدمة”.
بعد الاحتلال بدأ الإعلام التركيّ ومعه الإعلام الموالي بفبركة المزيد من الصور وإعداد التقارير والبرامج المصورة، والقول زوراً أن عفرين تنعم بالأمان والاستقرار، وجيء بأكثر من 400 ألف من المستوطنين وفق اتفاقات التسوية، وتمَّ إسكانهم بدل أهالي عفرين المهجرين قسراً، الذين خرجوا عبر الحقول سيراً على الأقدام في أقسى مشاهد على مدى الأزمة السوريّة، وأقاموا المخيمات في مناطق الشهباء وعلى مشارف قراهم، ولكن صورتهم مغيّبة عن الإعلام.
جعل الاحتلال التركيّ عفرين مغلقة أمام الإعلام، ليتحكم وحده بصناعة الصورة عنها، وأما أحاديث الانتهاكات وحوادث الاختطاف والاغتصاب والقتل في أقبية السجون والاستيلاء على الممتلكات ونبش الأرض وسرقة الآثار فلا تصل إلى العالم إلا مسربة، والمشهد العام في المدينة والريف أنّ الأعلام التركيّة تملأ كل مكان، فوق المؤسسات والمدارس وفي الساحات العامة والمحال التجاريّة والمقرات العسكريّة حتى على البدلات العسكريّة للمرتزقة. وكذلك في المناهج المدرسيّة، وطغى اللون الأحمر، وغابت ألوان الربيع الأخضر والأحمر والأصفر. بل إنّ الاحتلال يشوّه صورة كلّ ما يتعلق بالرموز الكرديّة.
بتغيير الصورة انضم داعش إلى مرتزقة أنقرة
خضعت منبج لسيطرة الجيش الحر اعتباراً من 2012، حتى سيطر عليها “داعش”، وأذاق أهلها أسوأ العذابات، وشهدت ساحاتها مواقف الجلد وقطع الرؤوس مراراً، وأضحت المدينة حلقة وصلٍ هامة لعناصر داعش في حلب والرقة وعنتاب، وقاعدة استقبال “الجهاديين الأجانب” القادمين عبر الأراضي التركيّة، إضافة لكونها نقطة الوصل الجغرافيّ مع مدينة الموصل، وكان ابن شقيق أبو بكر البغداديّ يدير المدينة.
في 2/4/2016 أعلنت سبعة فصائل عسكريّة تشكيل المجلس العسكريّ لمنبج وريفها، وبدأت معارك تحرير منبج في 31/5/2016 بمشاركة ائتلاف قوى عسكريّة من سوريين في مقدمهم أهل منبج أنفسهم، ومعهم الكرد، فيما ضمّ جيش داعش مرتزقة جهاديين من جنسيات متعددة حول العالم وكذلك من دول عربيّة، واستمرت المعارك 73 يوماً، انهزم داعش وقد قُتل نحو 1400 من مرتزقته، واتخذ في انسحابه من ألفي مواطن دروعاً بشريّة ليخرجَ من المدينة، ويعلن تحرير منبج في 12/8/2016، واتجه عناصر داعش إلى مدينة جرابلس، التي احتلها جيش الاحتلال التركيّ في 24/8/2016، خلال يومٍ واحد، وكان ذلك أحد أهم الأقنية لانضمام مرتزقة داعش إلى صفوف مرتزقة أنقرة، فقط بنقل البندقية من كتف لأخرى وحلق اللحى وتغيير اللباس، أي بمجرد الصورة، فيما بقي الهدف هو نفسه.
أعلنت الولايات المتحدة وتركيا في بيان مشترك في 4/6/2018 توقيع خريطة طريق بشأن الوضع في مدينة منبج شمال سوريا، وقد تضمن الاتفاق تنظيم دوريات مشتركة أمريكية ــ تركية في محيط منبج.
وقال أردوغان في 18/6/2018 إنّ مقاتلين من وحدات حماية الشعب الكردية يغادرون منطقة منبج بشمال سوريا. ولكنه عاد ليهدد مجدداً في 14/12/2018 بدخول المدينة، وفي 24/12/2018 قال المتحدث باسم الجيش الحر المدعو “يوسف الحمود” أنّهم عززوا قواتهم قرب منبج استعداداً للمعركة التي ستبدأ قريباً، حسب تعبيره، إلا أن قرار العمليات العسكريّة يخضع لحسابات دوليّة تتجاوز كل فصائل المرتزقة.
وبذلك لم تتوقف أنقرة عن التهديد بدخول المدينة وقصف القرى رغم انتشار وحدات عسكريّة تابعة للنظام في نقاط بمحيط المدينة وفق توافق مع موسكو لسحب الذرائع التركية، ولم تتوقف أنقرة عن الحديث بلغة طائفيّة مستخدمة أدواتها، ولعل ما حدث كان غاية ما يمكن أن تفعله، إلا أنّ المطلوب مزيدٌ من الوعي لمواجهة مخططات أنقرة، وبدء العد العكسيّ لوجودها في الأراضي السوريّة وتحرير المناطق التي تحتلها، والحفاظ على أمن منبج ضرورة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.