سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011
Banner Before Header

بداية الهايكو العربي ـ5ـ

فيروز مخول (كاتبة وشاعرة سورية مغتربة)-

ننطلق في هذا الجزء من قول الركابي: الهايكو العربي “ليس صدى لآهات شعراء الهايكو الياباني أمثال (باشو، بوسون، إيسا)، لكنه بسرعة وعمق عباراتهم البرقية (التلغرافية) الموحية، هم تعاملوا مـتأثرين بديانة “الزن” مع اللغة بشكلٍ كهنوتي، وهم يحاورون الفصول ومكونات الطبيعة، وأنا اختلفت عنهم في أنسنة هذه المكونات وأنا أضفي عليها التجسيم والتشخيص، وديواني الأخير “رسائل المطر” يؤكد هذا. و”الهايكو” بمفهومي: إرسال تلغرافي، وبوح شعري روحي مكثف، ليس بهرجاً لغوياً، وإنما هو ثمرة شيء يغلي في الأعماق، فضاؤه لغة كونية آسرة.. لغة اللغة، وخيال الخيال.. وجمل يضيء دون حدود!
وهو الأمر الذي أكد الشاعر الجزائري عاشور فني جانباً منه، وهو من أكثر المطلعين في الجزائر على هذه التجربة ترجمة وإنتاجاً حين قال “أعترف باندهاشي في البداية لبداهة هذه التجربة الثرية، رغم أنني كنت في الحقيقة أتحرى شيئاً من قواعد الهايكو في كتابة قصائدي، دون أن أكون على علم بذلك، اقتصاد اللغة وبناء الصورة”.
عذاب الركابي الذي أمّن له طريقاً نحو التقاليد الشعرية العربية، فخالف منطق الهايكو الياباني نافياً عن الهايكو العربي أن تكون له ذاكرة أخرى ترتبط برؤية كهنوتية للغة، ورأى بأن السرعة والإيحاء والتكثيف والعمق هو ما يجسد رؤيته للهايكو، فهو لا يريد أن يشعر القارئ باستعارة التجربة، لأنها قائمة على الإحساس باللحظة، ورؤية خاصة لا يمكن أن تستعار أو تكون صدى؛ ولذلك لا نراه يرهق نفسه في افتعال أسطر ثلاثة، بل يرقى باللحظة إلى فضائها اللغوي الذي تطلبه حتى وإن جلبت في طريقها لحظات أخرى، كقوله:
“تبرّر الأزهار خجلها
في شذاها
تبرّر السحابة بردها
في عناقيد مائها
ويبرّر العاشق فوضاه في هيامه!”
فهناك لحظات ثلاثة، منفردة كل واحدة بفضائها اللغوي وبمعناها، ولا يجمع بينها إلا فعل التبرير المرتبط بالأزهار والسحب والعاشق، وهو الذي أسهم في جلب لحظة بعد أخرى، وكان بإمكانه أن يجلب لحظات أخرى وفضاءات أخرى تأخذ الكلمة فيها كما يقول الشاعر في مقدمة هذا الديوان “ما يكفي من الحرية، فالكلمات هي صاحبة المبادرة، ولهذا جاءت مشاغبة، والبلاغة مستفزة، والخيال أكثر شروداً”، وهو ما يجعل هذه التجربة عند الركابي خاصة به، قد لا تتوافق مع الرؤية التي يقوم عليها الهايكو نفسه.
وربما ذلك ما جعل الشاعر محمد الأسعد، يرفض التفكير في كتابة هايكو بعيداً عن استحضار الرؤية اليابانية، فكتابة هذه التجربة، لا يمكن أن تتم إلا بتفاعل خلاق يقوم على فهم جوهر اللحظة الحدسية التي ينطق بها الهايكو، وعلى الشاعر العربي أن يمتلكها فيغير من أدائه اللغوي المعهود وبلاغته المعتادة، فالذي يكتب نص الهايكو عليه أن يشتغل على تقنياته، ويوظف منطق الرؤية التي تحكمت فيه، فيقول في بعض تجربته:
“*خريف
ذات خريف
بين الأشجار
أسمع ضحكات الأطفال
 
* قيثار
أكان ذاك
رنين قيثار
وراء الليل والأشجار؟
 
*حارسة الليل
صاغية في ضباب الفجر
حين يستيقظ لغط الناس
وسكون الأمكنة
يبدو أن محمد الأسعد، وسعياً منه نحو تحقيق شخصية الهايكو الياباني، نراه يكتب ببلاغة مفصولة عن التقاليد العربية، ويجسّد مفارقة تتجسّد في قلب نظام الجملة العربية من تقديم وتأخير قبل أن تعكس المفارقة في الرؤيا التي يقوم عليها الهايكو الياباني، ولا غرابة في ذلك وهو الذي يعتقد بجدة التجربة، ونشدان الإضافة لقول البساطة والوضوح الذي تبدو لفرط وضوحها غامضة لسببين: الأول، أنها لا تعلّق لها بأنماط الشعر العربي، التقليدي منها والمحدث، الموزون والمنثور. والثاني، أنها تحمل رؤيا مختلفة إلى العالم غير ملموسة في الثقافة العربية.
وما يعلق بالذهن في هذه النماذج وغيرها مما سمّي تجربة هايكو سواء عند الأسعد أو غيره على اختلاف الطريقة، وبغض النظر عن استثمار شروط الهايكو الياباني كلها، فإنها تنقلنا من التمركز حول الشاعر إلى ما جرى من وقائع ومن الأشياء وإليها.
وبغض النظر عن نسبة الهايكو اليابانية، فإنه يعكس منحى فلسفياً يمكن أن يستجيب لرؤية فلسفية تهتم بفعل القصد الذي يحدّد توجّه العقل نحو موضوعات العالم الخارجي باعتبارها موضوعات قابلة لأن تدرك، وهذا الاهتمام بعلاقة العالم الخارجي بالإدراك سبق وأن وجدناه عند الشعراء الرمزيين، وذلك عن طريق الحدس الذي يعتبر بمثابة البصيرة التي يدرك بها الإنسان الخصائص الفردية للشيء الذي يميّزه عن غيره، وبدون هذا الحدس لا يستطيع الناقد أن يدرك الدلالات الجوهرية للعمل الأدبي. يقول الركابي:
“لا تحضرُ
الزنبقة
مجلسَ الشمس الّتي
تغتابُ العصافير!!
**
يمتحنُ
العصفورُ حُنجرتهُ
بأغنيةٍ قديمةٍ
على شبّاك عاشقْ!”
فالشاعر، هنا، لا يكتب مجرد وصف لشيء حدث فعلاً أو لم يحدث بقدر ما يحاول أن يظهره وكأنه حاضر عبر إثارة الانطباع لدينا بأنه حدث، وهذه النظرة للشعر إن أمكن تعميمها في الشعر العربي ستدير ظهرها لتاريخ القصيدة العربية؛ لأنها قصائد بلا تاريخ إلا الأشياء واللحظة واللغة. إنها تطرح قضية علاقة الإدراك الحسي بالمعرفة القبلية، ومن ثمة، بالجانب الذاتي، وهنا، يكون التفاعل بين النص والتجربة التي تحاكيها وليس بين نص وآخر.
شعر الهايكو يجسّد هذه الثلاثية من اللحظات، وهي: الموضوع والآن ومتى.
هل يمكن أن يجسّد الشاعر العربي هذه القاعدة الثلاثية وهو لا يعير اهتماماً بالوقت ولا إلى العمل، ربما هذا ما جعل الهايكو بمجرد استيراده يخضع لنوع من التحويل وعدم الالتزام بقواعده، فتم الانتقال من المقطع إلى الوزن، حيث تنوعت الأوزان كالرجز والمتدارك والمتقارب عند عاشور فنيّ، وتحرر عذاب الرّكابي من الإيقاع وعدد الأسطر، وابتدع محمد الأسعد إيقاعاً مركباً من عدد من التفعيلات على الرغم من أنه من أكثر الداعين لاحترام منطق الهايكو. ولقد حاولت قصائد الركابي أن تكون شبيهة بالحكم، ذات لغة واصفة تقوم على خصائص لا نجدها في الهايكو كالتشخيص والمفاضلة والإخبار والوصف كقوله:
“يستقبلُ
اللّيْلك الحزينُ
الخريفَ
بلون شاحبٍ!!
*****
تسخرُ
السنونوة الناحلة
وشجرة الزيتون
من عِراك الدِيّكة!
***
تتكاثرُ الثمارُ
فرحاً
بأمّها الشجرة
كريمةِ الظلال والنسائمْ!!
***
تتنازلُ الأشجارُ
عن أوراقِها
قبلَ أنْ يتمّ خطبتَهُ
الخريفْ!!
**
لا تُخفي
السّنابلُ ضحكتَها الإلهية
حتّى لوْ لمَعَ
منجلُ الحصادْ!!
***
لا ترى
الورقة النائمة
في سريرها المخمليّ
ضرورة
لحُكم الخريفْ!”
يتبع..

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.