سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

ماذا لو فاز أردوغان في الانتخابات التركيّة؟

تأتي الانتخابات التركيّة في مرحلة دقيقة وحسّاسة بسبب الحالة التي تمرّ بها تركيا على الصعيد الداخلي، وكذلك بسبب الوضع في المنطقة والعالم بشكلٍ عام؛ فعلى الصعيد الداخلي تعيش تركيا أزمة حقيقية، حيث التراجع الاقتصادي الواضح والذي لا يمكن إخفاؤه وكذلك انهيار الليرة التركيّة مقابل الدولار، إضافةً إلى ما يعانيه المواطن التركي بسبب تلك الأزمة.
كما أنّ أزمة اللاجئين باتت تُثقِل كاهل تركيا وتشكِّل هاجسًا للمواطن التركي، بسبب ارتفاع نسبة البطالة في تركيا، أضف إلى ذلك المشاكل الاجتماعية التي تظهر هنا وهناك بين اللاجئين والمواطنين الأتراك، كما أنّ تأثير الزلزال المدمّر الذي اجتاح تركيا وتسبّب في تراجع واضح في الاقتصاد التركي لا يمكن تجاهله بأي شكل من الأشكال.
السياسات الخارجية التي اتّبعها أردوغان وحزبه خلال فترة حكمه تسبّبت بالكثير من المشاكل مع دول الجوار وكذلك مع الدول الكبرى على الخارطة السياسية على مستوى العالم وفي أحايين كثيرة مع الدول الحليفة معه.
فرضيّة فوز أردوغان
رغم فرصته الضئيلة في الفوز إلّا أنّ فوز أردوغان يبقى أحد الفرضيات المطروحة على المشهد الانتخابي بعد فرز الأصوات، سواء كان ذلك من الجولة الأولى الحالية أو الجولة الثانية والتي من المقرّر إجراؤها في الثامن والعشرين من شهر أيار الحالي، فما تداعيات ذلك الفوز على المشهد السياسي الداخلي والإقليمي والعالمي؟
داخليًّا: من المتوقّع أنّ فوز أردوغان في الانتخابات التركية 2023 سيُسهم في تفاقم الوضع الداخلي التركي، سواء من الناحية الاقتصادية أو السياسية أو حتى العسكرية؛ فالبنية التحتية للاقتصاد التركي باتت هشّة وغير متماسكة ويكاد اقتصاده يكون آيلًا للسقوط، حيث التضخّم والبطالة وانهيار الليرة التركيّة مقابل الدولار، بالإضافة إلى حالة الغلاء المعيشي التي تُثقِل كاهل المواطن التركي، أما الحالة السياسية الداخلية فليست بأفضل من الاقتصاد، حيث قام أردوغان بتحويل نظام الدولة من النظام البرلماني إلى الرئاسي، فوسّع من صلاحيات الرئيس على حساب البرلمان، ووفقًا للنظام الجديد يتولّى رئيس الجمهورية مهام وصلاحيات رئيس الحكومة ورئيس الجمهورية معًا، وتُسنَد إليه كافّة المهام والصلاحيات التي كان يتمتّع بها رئيس الحكومة في النظام السابق، كما يتمّ استحداث منصب نائب رئيس الجمهورية ويقوم الرئيس بتعيينه وتعيين الوزراء، ويحظر على أعضاء البرلمان أن يتولّوا مناصب وزارية أو عضوية مجلس الوزراء، كما يقوم رئيس الجمهورية بإعداد موازنة الدولة وتُعرض على البرلمان لاعتمادها، وإذا رفض البرلمان اعتمادها تبقى موازنة العام السابق معتمدة وسارية المفعول، بالإضافة إلى العديد من المهام والصلاحيات التي تمّ نقلها إلى الرئيس على حساب رئيس الوزراء.
 من الناحية العسكريّة: بغية منع تدخّل الجيش في السياسية والحد من النفوذ الكبير الذي تمتّع به العسكر منذ تأسيس الجمهورية، ستكون المؤسسة العسكرية تحت رقابة جهة مدنيّة هي مجلس الدولة أسوةً ببقية مؤسسات الدولة التنفيذية، وسيُحاكَم العسكريون فقط أمام محاكم عسكريّة في قضايا الانضباط العسكري، كما قام بإلغاء المقعدين المخصّصين للجيش في المحكمة الدستورية التي كانت تضم سبعة عشر مقعداً، وتضم هذه المحكمة الآن خمسة عشر قاضياً وجميعهم مدنيون، كما سيُلغى القانون العسكري الذي طالما لجأت إليه النخبة العسكرية التركيّة في فرض الحكم العسكري على البلاد.
فاستمرار الوضع العسكري على ما هو عليه اليوم وفي حال فوز أردوغان ربّما سيتسبّب بأزمة حقيقية في البلاد، وليس مستبعدًا أن يؤدّي إلى انقلاب عسكري على أردوغان الذي ضيّق الخِناق على العسكر كثيرًا وربّما يكون ذلك التضييق سببًا في انفجار الوضع، على مبدأ “زيادة الضغط يولّد الانفجار”.
إقليميًا: فإنّ السياسات الخارجية للدولة التركية للتعامل مع الأزمات والقضايا الإقليمية كثيرًا ما كانت تتسبّب في خلق المشاكل للدولة التركية وتضعها في زوايا ضيّقة، ورغم أنّ أردوغان حاول في الفترة الأخيرة أن يصلح علاقاته مع بعض الدول والتي كان قد أفسدها، وأبرز تلك العلاقات مع مصر وبعض دول الخليج.
ومن أبرز تلك السياسات تعامل أردوغان مع الأزمة السوريّة وتورّطه فيها، حيث ساهم في دعم المجموعات المرتزقة، كما غدت تركيا ممرّاً آمناً لتسلّل الإرهابيين من مختلف أصقاع العالم إلى سوريا.
 في حال فوزه في ولاية رئاسية جديدة وفي ظلّ معطيات سياسته مع الملف السوري عمومًا وملفّ تعامله مع مناطق شمال وشرق سوريا على وجه الخصوص يمكن القول أنّ أردوغان إذا ما فاز في ولاية رئاسية جديدة سوف يتابع سياساته العدوانية تجاه سوريا، كما أنّه سيستمرّ في تنفيذ مخطّطاته وسيقوم باحتلال المزيد من الأراضي السوريّة تحت غطاء “الميثاق الملّي” الذي يسعى أردوغان إلى تنفيذه وترجمته على أرض الواقع، ومن المتوقّع أن يسعى إلى تقديم ما تسمى بالمعارضة السوريّة ومرتزقتها “كبشَ فداء” لإصلاح علاقاته مع النظام السوري.
أمّا بخصوص مناطق شمال وشرق سوريا فمن المتوقّع أو المؤكّد أن يستمرّ أردوغان في معاداته لهذه المناطق، وسيستمرّ في تهديدها بشنّ هجمات هنا وهناك تحت ذرائع وحجج واهية، ومن أبرز تلك الحجج حرصه على الأمن القومي التركي، ذلك الأمن القومي الذي صدّع به الرؤوس، إلّا أنّه ومنذ ساعة إعلان الإدارة الذاتية وإلى يومنا هذا لم نلاحظ أيّ تهديد من مناطق الإدارة الذاتية نحو الأراضي التركيّة، بل ما كان يحدث دومًا هو العكس؛ حيث التهديد التركي المستمرّ لهذه المناطق، بالإضافة إلى احتلالها لمناطق من شمال وشرق سوريا مثل” عفرين وكري سبي وسري كانيه” ووضع تلك المناطق المحتلّة على طبق من ذهب في خدمة وأجندات المجموعات المرتزقة الذين عاثوا فسادًا هناك، ومارسوا سياسات التغيير الديمغرافي ونهبوا خيرات تلك المناطق.
وفي السياق نفسه؛ ليس من المستبعد أن نشهد تقاربًا حقيقيًا ولقاءات على مستويات عُليا بين نظام أردوغان ونظام الأسد، حيث أنّ ذلك التقارب قد تمّ بالفعل وكان أردوغان قد استمات في تحقيق اللقاء المباشر ليستخدمه كورقة في حملته الانتخابية، إلّا أنّ حكومة دمشق كانت دومًا تماطل وتشترط وتحاول تأجيل اللقاء إلى ما بعد نتائج الانتخابات، حيث سيتّضح المشهد السياسي التركي أكثر حينها، طبعًا هذا التقارب يستهدف في الدرجة الأولى مشروع الإدارة الذاتية وهو ما يجمع كِلا الطرفين ويوحّدهما، فكلاهما يخشى من تحوّل هذا المشروع إلى نموذج للحلّ في كلا البلدين (سوريا وتركيا) وهذا ما لا يرغب فيه الاثنان بل يحاربانه بكلّ قوّة.
في السياسة الدوليّة فإنّ ميل أردوغان إلى روسيا وخصوصًا في أوكرانيا جعل تركيا تبدو وكأنّها تقف في وجه حلف الناتو رغم أنّها أحد أعضاء الحلف، وهو ما وضع تركيا أمام مفترق طرق، وهوما جعل العديد من المراقبين يصفونه بسياسة “الخروج عن المحور” أي خروج تركيا عن محورها الطبيعي مع حلف الناتو، إلّا أنّ هذا الرأي بعيد قليلًا عن الواقعية لكنّه ليس مستحيلًا؛ والسبب أنّ هذه المحاور لا يتمّ الخروج عنها بين ليلة وضحاها وبهذه البساطة، بل هناك الكثير من الالتزامات والحقوق يجب أخذها بعين الاعتبار قُبيل التفكير بمثل هكذا قرار، أمّا في الحالة التركية وفي ضوء سياسات أردوغان فيمكن أن يفعلها خدمةً لمصالحه الحزبية والشخصية.
كما أنّ السياسات العدائية لأردوغان تجاه مناطق شمال وشرق سوريا كثيرًا ما جعلها تصطدم بالجدار الأمريكي الذي كثيرًا ما كان يقف بوجه الأطماع التركيّة، حيث تجد أمريكا في نفسها الحليف الاستراتيجي لقوات سوريا الديمقراطية في المنطقة، وبالتالي لا تسمح أمريكا لتركيا بتنفيذ أجنداتها، لأنّ أمريكا ترى أنّ أي ضربة تركية على قوات سوريا الديمقراطية إنّما هو تقويض لجهود أمريكا في محاربة الإرهاب في المنطقة، وهذا ما كان يزعج تركيا في علاقاتها مع أمريكا والناتو.
إنّ استمرار أردوغان في سياسته الداخلية والإقليمية والدولية بعد فوزه في ولاية جديدة ربّما سيكون سببًا في فقدانه للعديد من الحلفاء التقليديين في المنطقة والعالم، وهو ما سيجعل الدولة التركية في مأزق حقيقي لا تتمكّن من الخروج منه بسهولة، فحتى لو نجح أردوغان في التغطية على فشله داخليًا من النواحي كافة، إلّا أنّه لن يتمكّن من تغطية فشله إقليميًا ودوليًا، نظرًا لما سيترتّب على الفشل الإقليمي والدولي من نتائج كارثيّة ربّما سوف تُلقي بتركيا إلى الهاوية، وبالتالي لن تستطيع الخروج من تلك الأزمة إلّا بتغيير سياساتها وتوجيه بوصلتها نحو الاتّجاه الصحيح.
مركز روج آفا للدراسات الاستراتيجية