سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

خمس سنوات وعفرين بؤرة التغيير الديمغرافي ومركز الاستيطان

بيريفان خليل_

إن المعلومات والإحصائيات الموثقة من قبل مؤسسات حقوقية وإنسانية ومحلية ما هي إلا غيض من فيض من جرائم الاحتلال التركي في مقاطعة عفرين بعد احتلالها، وعلى مدار خمس سنوات تتضح ملامح التغيير الديمغرافي وترسيخ الاحتلال والاستيطان أكثر في ظل صمت دولي ومنظمات حقوقية وإنسانية.
كانت موطن الزيتون؛ عفرين الواقعة في شمال سوريا مسرحاً لسياسة دولة الاحتلال التركي في إطار تقسيم سوريا واقتطاع أجزاء من أراضيها وضمها إلى الأراضي السورية بقوة السلاح، وذلك لتكرار سيناريو لواء إسكندرون وتطبيق ما يسمى بـ الميثاق الملي، أو العثمانية الجديدة التي تطمح إليها الدولة التركية.
فبعد مقاومة استمرت 58 يوما في عفرين بمواجهة آلة الحرب التركية تمكنت دولة الاحتلال التركي من احتلال المنطقة بتاريخ 18 آذار 2018 ورفع الراية التركية تحت أنظار المجتمع الدولي من جهة وأنظار حكومة دمشق غير الآبهة بسلخ جزء من أراضيها من جهة ثانية.
وعلى مدار خمس سنوات من الاحتلال مارس المحتل التركي ومرتزقته أساليب القمع، والسرقة، والخطف، والاعتقال، والاستيلاء على الممتلكات وقطع أشجار الزيتون هادفاً بذلك إبادة الشعب الكردي وتفريغ المنطقة، وإحداث التغيير الديمغرافي في المنطقة، التي تزداد ملامحها سنة بعد أخرى.

بالأرقام الجرائم الممارسة بحق العفرينيين
سُميت المقاومة التي أبداها أهالي عفرين تجاه جيش الاحتلال التركي بـ مقاومة العصر، حيث استمرت 58 يوماً دافع فيها الصغير في السن قبل كبيره، والمرأة قبل الرجل عن موطنهم وأرضهم إلا أن الأسلحة الثقيلة والهمجية والوحشية التي اتبعها المحتل التركي كانت كفيلة لتهجير أكثر من 310 آلاف “بنسبة 56%” من الأهالي قسراً نازحين إلى مناطق أكثر آمناً.
وكان الكرد يشكلون نسبة من 80 ـ 90% من سكان عفرين، وبعد احتلالها وتغير التركيبة السكانية من قبل المحتل باتت نسبة الكرد هناك 25% اعتباراً من عام 2022، في حين ازداد الضغط على المسيحيين والإيزيديين كما فرضوا عليهم دين الإسلام، من بين ما يقرب من ١٠٠٠ مسيحي عاشوا في المدينة قبل الاحتلال، لم يبق في المدينة الآن سوى عدد قليل جداً، من ناحية أخرى انخفض معدل الإيزيديين الذين يعيشون في المدينة من ٢٥ ألفاً إلى ٢٠٠٠.
أما فيما يتعلق بمن رفض التهجير وقرر البقاء في عفرين متشبثين بأراضيهم فكان مصيره إما الخطف، أو الاعتقال، ومن ثم الإفراج عنه بفدية ناهيك عن سرقة ممتلكاتهم والاستيلاء على ممتلكاتهم وبخاصة أشجار الزيتون، وعلى مدار خمس سنوات من الاحتلال (2018ـ 2023) وكما أكدته منظمة حقوق الإنسان عفرين ـ سوريا، فإن المحتل ومرتزقته اختطفا ما يقارب 8334 مواطناً بينهم أكثر من 430 امرأة و153 طفلاً، وقتل 690 مواطناً بينهم 95 امرأة، وعشرات الأطفال.
 كما ووثق المرصد السوري لحقوق الإنساني انتهاكات المحتل التركي بحق أهالي عفرين منذ احتلاله؛ أكثر من 3336 انتهاكا، وقد مورست بأشكال مختلفة توزعت على الشكل التالي:
ـ 1189 عملية استيلاء على منازل ومحال تجارية وأراضٍ زراعية في عفرين، والنواحي التابعة لها، من قبل مرتزقة جيش الاحتلال التركي، حيث تعود ملكية هذه العقارات لمهجرين من المنطقة بالإضافة لمواطنين رفضوا التهجير.
ـ 312 حالة بيع لمنازل مهجرين كانت المرتزقة قد استولت عليها بقوة السلاح، حيث تتم عملية البيع بأسعار زهيدة وبالدولار الأمريكي تحديداً.
ـ 523 عملية “فرض إتاوة” من قبل المرتزقة، وما يسمى بالمجالس المحلية التابعة لمرتزقة المحتل التركي، مقابل السماح لهم بزراعة أراضيهم وجني محصولهم، وتتمثل تلك الإتاوات بدفع الأهالي مبالغ مادية بالدولار الأمريكي والليرة التركية، أو نسبة من أرباح المحصول أو كمية منه.
ـ 915 عملية قطع للأشجار المثمرة من قبل مرتزقة الجيش الوطني شملت قطع آلاف الأشجار المثمرة إن لم يكن عشرات الآلاف منها، لبيعها واستخدامها وسيلة للتدفئة.
ـ 397 عملية اعتداء من قبل مرتزقة الجيش الوطني بمختلف مسمياتها على مدنيين لأسباب مختلفة.
تغيير التركيبة السكانية
بعد تهجير العفرينيين لجأت دولة الاحتلال التركي إلى استيطان المتطرفين، وبقايا عناصر مرتزقتها في عفرين، مرتزقة التسويات وبشكل خاص الخليجية، التركمانية والفلسطينية بالإضافة إلى منظمة إدارة الطوارئ والكوارث في تركيا AFAD وهيئة الإغاثة الإنسانية IHH ومؤسسة ياسيفي الخيرية، وغيرها من المؤسسات التابعة لدولة الاحتلال التركي، ويتم تمويلها من قبل جمعيات تابعة لحزب العدالة والتنمية AKP والاستخبارات التركية MIT، لقد تم تسمية إحدى هذه المخيمات المكونة من منازل استعمارية ومبنية على هذا الأساس في عفرين، على اسم الزعيم القومي لحزب الوحدة الكبرى BBP محسن يازجي أوغلو، الذي توفي في عام ٢٠٠٩، وحسب الإحصائيات يشكل التركمان الذين استقدمهم الاحتلال 30% أما الفلسطينيون خمسة بالمائة.
وبهدف ترسيخ الاحتلال أكثر فقد بنى المحتل التركي 22 مستوطنة في عفرين المحتلة حتى يومنا هذا، وذلك بدعم من منظمات كويتية وقطرية وتحت مسمى منظمات خيرية ترسخ الاستيطان أكثر.
وكما كشفته منظمة حقوق الإنسان فإن المحتل التركي قد أنشأ سبع مستوطنات في ناحية بلبلة، وذلك لاستيطان الأسر التي تؤيد فكره الاحتلالي الذين تم جلبها من مناطق سورية أخرى.
وفي ناحية جندريسه، أنهت ما تُعرف بـ (جمعية الأيادي البيضاء) وبالتعاون مع الاحتلال التركي بناء قرية استيطانية باسم (جبل شيخ محمد)، شمال غربي قرية كفر صفرة، في أيلول 2022؛ لتوطين الأسر (الفلسطينية) القادمة من محيط دمشق.
كما وأنشأت جمعية “أجنادين” الفلسطينية مستوطنة بين قريتي حميلكة ورفعاتية في ناحية جندريسه، وسكنت ضمنها مائتان من أسر مرتزقة الاحتلال التركي، في الرابع من كانون الثاني 2023، ويتم العمل حسب مصادر من المقاطعة، على إنشاء مستوطنة جديدة في قرية ماراته غرب مركز مدينة عفرين ستة كيلو مترات، من قبل ما تسمى جمعية (العيش بكرامة) الإخوانية الفلسطينية، وبالمشاركة مع جمعية تركية ليصبح العدد مع الانتهاء من هذه المستوطنة 23 مستوطنة.
في حين تشير إحصائيات المرصد السوري لحقوق الإنسان، إلى توطين أكثر من 4310 عوائل من محافظات سورية أخرى في عفرين.

تغيير المعالم وتسميتها بأسماء تركية
لم يتوقف المحتل بأسلوب تهجير الأهالي واستيطان مرتزقته في المنطقة لترسيخ احتلاله، وتغيير ديمغرافيته بل تعدى ذلك بتغيير أسماء القرى والساحة في مقاطعة عفرين المحتلة لتجريدها من هويتها الأصلية ساعياً إلى محو الرموز الدالة على الحقائق، من مثل ساحة آزادي (الحرية) غُير اسمها إلى (ساحة أتاتورك)، ودوار نيروز إلى (صلاح الدين)، والدوار الوطني إلى دوار 18 آذار، ودوار كاوا الحداد إلى دوار (غصن الزيتون)، وقرية قسطل مقداد إلى سلجوق أوباسي وقرية كوتانا إلى ظاهفر أوباسي، وكورزيله إلى جعفر أوباسي، إلى جانب تغيير أسماء الأماكن الأثرية والكردية إلى أسماء عثمانية، ناهيك عن إجبار الأهالي على إصدار بطاقة تعريفية تركية والتعامل بالليرة التركية.
وفي عام ٢٠١٩ تم إنشاء “كلية التربية” في عفرين برئاسة جامعة غازي عنتاب، وافتتحت برامج التوجيه والإرشاد النفسي والتعليم الصفي والتعليم التركي، وفي آذار من عام ٢٠٢١ حظرت دولة الاحتلال التركي استخدام العملة السورية في عفرين، واضطر الأهالي إلى استخدام العملة التركية.
الأماكن الأثرية مركز الاستهداف
ولتغيير التاريخ وهوية المنطقة، فقد لجأ المحتل التركي إلى تدمير المواقع الأثرية الشاهدة على عراقة المنطقة وتاريخها العريق في محاولة مكملة لسيناريو المحتل بتحويل عفرين إلى ولاية تركية وبطابعها التركي دون اختلاف، وكما أوضحته مديرية الآثار لمقاطعة عفرين فإن المحتل التركي ومرتزقة وعلى مدار سنوات الاحتلال قد دمرتا أكثر من 68 موقعاً وتلاً أثرياً في المقاطعة.
ومن أبرز المواقع التي تعرضت للتدمير والنهب هي قلعة نبي هوري، الواقعة على بعد 45 كم شمالي مركز مقاطعة عفرين، حيث جرى تغيير معالم القلعة وصبغها بالطابع التركي العثماني.
أما موقع عين دار الأثري والذي دمر لدى الهجوم الاحتلالي على المنطقة فقد حوله المحتل إلى ساحة لتدريب عسكري وذلك لإخفاء جميع الآثار الشاهدة على الموقع الأثري.
وسجل المرصد السوري لحقوق الإنسان خلال العام الفائت 33 عملية تجريف وتخريب للتلال الأثرية من ضمن العمليات المشابهة التي جرت خلال خمس سنوات من الاحتلال فعفرين تتميز بمواقعها الأثرية التي تعود إلى عصور مختلفة، وأبرزها مدينة “النبي هوري” وتبعد عن مدينة عفرين نحو 23 كلم، كما تضم “قلعة سمعان” الواقعة جنوب المدينة على بعد 20 كيلومترًا في القسم الجنوبي الشرقي، وتضم كنيسة مار سمعان التي كانت من أكبر كنائس العالم، إضافة إلى مناطق “جبل شيخ بركات” وجبل “برصايا”، ومدينة عين دارا الأثرية التي تتكون من آثار ومعبد يحتوي على تماثيل مختلفة، وغيرها من المواقع الأثرية، التي تعمدت مرتزقة المحتل التركي على تجريفها وتخريبها وطمس هويتها والعبث بالتاريخ الحقيقي.
وخلال الهجمات، دمر المحتل 68 مدرسة بشكل كامل من أصل 318 مدرسة في عفرين، كما استهدفت المواقع الأثرية، ودمرت موقع تل عين دارا الأثري بتاريخ 28 كانون الثاني. بالإضافة لتدمير مدرّج نبي هوري التاريخي بشكل كامل. وبلغ عدد المواقع الأثرية التي دمرتها تركيا ثلاثة مواقع مدرجة على لائحة منظمة يونسكو إلى جانب مزارات للمجتمع الإيزيدي وآخر للطائفة العلوية بالإضافة إلى كنائس قديمة للمسيحيين ومزارات ومساجد قديمة للمسلمين في عفرين وريفها.
وبحسب مديرية آثار عفرين؛ فإنّه يوجد في منطقة عفرين ما يقرب من 75 تلّاً أثرياً، وخرب الاحتلال التركي ومرتزقته غالبية هذه المواقع نتيجة تنقيبهم عن الآثار وتهريبها إلى تركيا.
وتم تخريب وتدمير أكثر من 28 موقعاً أثرياً ومستودعاً، وأكثر من 15 مزاراً دينياً لمختلف المذاهب والأديان بالإضافة إلى تجريف العديد من المقابر وتحويل إحداها إلى سوق للماشية.
قطع أشجار الزيتون جريمة بحق الطبيعة
وكان للطبيعة نصيب من الجرائم التي مارسها المحتل التركي في عفرين، فكان استهدافهم لأشجار الزيتون سواء بقطعها وبيع أخشابها أو سرقة ثمارها وبيعها وتحويلها إلى تركيا جريمة أخرى تضاف إلى سجله الدموي والوحشي بحق الطبيعة، حيث قطع المحتل ومرتزقته آلاف الأشجار المثمرة والحراجية، 311800 شجرة ما بين أشجار الزيتون والحراجية والمثمرة كما أكدته منظمة حقوق الإنسان عفرين ـ سوريا.
كما ومارس المحتل التركي جرائم حرق لأكثر من 11 ألف هكتار، من أصل 33 ألف هكتار من المساحة المخصصة للزراعة في عفرين، وعشرة آلاف شجرة زيتون وشجرة حراجية، وجعل تلك الأراضي موقعاً مهماً لبناء مستوطناته.
توسع في التغيير الديمغرافي
واستغل المحتل التركي ومرتزقته الكارثة الإنسانية التي حصلت إثر الهزة الأرضية التي ضربت باكور كردستان ومناطق سورية وكانت عفرين قد نالت النصيب الأكبر من المعاناة سواء بعدم مساعدة أهلها وإنقاذهم أو بمنع دخول المساعدات لهم، ومن ثم أصبحت موقعاً آخراً ترسخ فيها الاحتلال وتتوسع بتغيير ديمغرافيتها، حيث تعرضت جندريسه لدمارٍ شامل إثر زلزال السادس من شباط، 70% من مبانيها أصبحت غير صالحة للسكن، لاسيّما قسمٌ منها كان قد تخلخل وضعف نتيجة القصف، حيث ارتفع عدد الوفيات إلى /1100/ شخص حسب إحصائية “مجلس جنديرسه المحلي – 17/2/2023″، منهم /260/ من سكّان جنديرسه الأصليين وفق إحصائية خاصة.
وتعمد المحتل ومرتزقته من أجل تعميق وترسيخ التغيير الديمغرافي إلى دفع سكان المنطقة إلى النزوح قسراً والإقامة في مخيمات جماعية واشترطت عليهم إذا طالبوا بالحصول على الخيم والمعونات لأن يتركوا عقاراتهم وممتلكاتهم لتكون فرصة لمرتزقتها بسرقة محتويات منازلهم ومحلاتهم، وبالتالي إفراغ المنطقة من سكانها الأصليين وتمهيد الطريق لبناء مدينة استيطانية جديدة للمستقدمين بدلاً عنها.
ومن جانبٍ آخر اُفتتحت القرية القطرية (الثانية) الاستيطانية النموذجية في 12/2/2023م بحضور “العقيد مبارك شريدة الكعبي قائد المجموعة القطرية الدولية لمجموعة البحث والإنقاذ التابعة لقوات الأمن الداخلي” -الذي زار جنديرسه أيضاً- ومحمد الجاسم” متزعم مرتزقة “فرقة السلطان سليمان شاه”، والتي شُيّدت من قبل “جمعية شام الخير الإنسانية” وبأموال حكومة قطر، في موقع “ليجه” قرب قرية “جقلا تحتاني” – ناحية شيخ الحديد، وذلك بإسكان /200/ أسرة من المستقدمين فيها، ضمن خطة مرسومة بين حكومتي تركيا وقطر.
ومن جهته أعلن الرئيس التنفيذي لمؤسسة “قطر الخيرية” يوسف بن أحمد الكواري، عبر مقطع فيديو منشور في 12/2/2023 بصفحة المؤسسة على توتير، إطلاق المرحلة الأولى من مشروع باسم “مدينة الكرامة” – بحجة إعادة الإعمار – كمدينة استيطانية جديدة تأوي /600/ عائلة من المستقدمين إلى عفرين.