سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011
Banner Before Header

القوقاز في سوريا… نِهاية حُلم

تحقيق/ رامان آزاد-

لا يمكنُ فهمُ طبيعةِ الأهدافِ الروسيّةِ في سوريا بفصلها عن السياقِ التاريخيّ، والذي يتضمنُ صراعاً روسيّاً مع القوى الإسلاميّة في روسيا نفسها. فقد شهدت روسيا على مدى أعوامٍ طويلةٍ حرباً في القوقاز مع مجموعاتٍ إسلاميّة محليّةٍ مختلفةٍ وعلى مراحل.
عِبرة من التجارب السابقة
حضرت روسيا إلى سوريا وفي جعبتها خبرات من حروبٍ سابقة خاضتها ضد الجماعات الإسلاميّة في أفغانستان والقوقاز، ففي أفغانستان خاضتِ الحرب لعشر سنوات ضد “الجهاديّة الإسلاميّة” لتنسحب في عام 1989، ويمرُّ الاتحاد السوفييتي بتجربة الانقسام المريرة ثم يواجه بالقوة محاولات الاستقلالِ في جمهوريات القوقاز فيخوضُ الحرب في الشيشان وجورجيا. وبانتقال آلاف من الإسلاميين الروس إلى سوريا فإنّ فصولاً من حروبِ روسيا انتقل إلى سوريا.
إنّ بعداً غير منظور تنطوي عليه عبارةُ أنّ روسيا تدخلت في سوريا دفاعاً عن أمنها القوميّ، ذلك لأنّ البعد الجغرافيّ يضمن لروسيا أن تكون مأمن عن تداعيات الزلزال السوريّ، ولكن المثير للغرابة أنّ روسيا تحارب الإرهاب في سوريا وتبدي في الوقت نفسه مواقف التعاون مع أنقرة وتقدم لها الحوافز الاقتصاديّة وتعقد صفقات السلاح، رغم أنّه لا يخفى على أحدٍ الدورَ التركيّ في رعايةِ الإرهاب ودعمه.
جملة من الثوابت تحكمُ السياسةَ الروسيّةَ على مرَّ عقودٍ، ومنها عدم التفاوض مع المعارضة بكلّ أشكالها العلمانيّة والدينيّة، وحلّ القضايا الأمنيّة والتصدي لمحاولات الاستقلالِ بالأسلوب العسكريّ واستخدامُ القوةِ المفرطةِ واتباعُ سياسة الترحيلِ والتهجير.
اعتباراً من عام 2003 انتهج الرئيس الروسيّ فلاديمير بوتين سياسة شعارها “التطبيع”، ونظّم استفتاءً دستوريّاً وانتخابات رئاسيّة، وأعلن نهاية “عملية مكافحة الإرهاب” في كانون الثاني 2006. والبدء بإعادة الإعمار، وفي نيسان 2007 عيّن المقاتل السابق رمضان قديروف رئيساً للشيشان، وهو الذي اغتيل والده الرئيس السابق أحمد قديروف في 9/5/2004 في انفجارٍ ضخمٍ بملعب دينامو بغروزني، خلال الاحتفالِ بيوم النصرِ.
بتعيينِ رمضان قديروف طرأت تغيّراتٌ على موجةِ العنفِ السياسيّ، وتمّ امتصاصُ موجاتِ العنفِ في الشيشان بشكلٍ كبيرٍ الذي استرضى بعضَ القادةِ والمقاتلين البارزين، لينتقلَ مركزُ التطرفِ إلى الداغستان، حيث تسيطرُ ولايةُ القوقازِ التي بايعت داعش ومدّت نفوذها في أقاليم مجاورة (كاباردا، كاراتشاي، سُهْب نوغاي، بالكاريا) وأما تشركسيا فكانت تابعةً للقاعدةِ باسم “إمارة القوقاز”.
موسكو تُصدّر أزمتها إلى سوريا
في 14/5/2016 نشرت رويترز تقريراً قالت فيه إنّ موسكو تسهّلُ سفرَ الجهاديين الروس إلى سوريا، وتعودُ القصة إلى عام 2013 عندما هدد الجهاديون بمهاجمةِ الألعابِ الأولمبيّةِ في سوتشي عام 2014 وبثّوا مقاطعَ فيديو لتهديداتهم على الإنترنت، وكان من شأنِ تنفيذِ هكذا هجومٍ إحراج روسيا وتصغيرِ صورتها، في حين كانت تسعى لتحسينها دوليّاً.
الأوساط الصحفيّة تداولت معلوماتٍ تقولُ إنّه مع بداية عام ٢٠١٣، بدأت قواتُ الأمن الروسيّة تدعم وتحرّض انتقال المقاتلين من شمال القوقاز، وبخاصةٍ من داغستان، إلى سوريا والعراق، والتقى عملاء المخابرات الروسيّة بوسطاء محليين في القرى النائية، لتشجيع فئاتٍ معينة من الشباب بالسفر ممن يُشتبه بمشاركته في التمرد سابقاً أو لديهم قابلية المشاركة، بالسفر، ونُظّمت لوائح بالأسماء، وتمّ تسهيلُ إجراءاتِ الحصولِ على جوازات سفر وإرسالهم إلى تركيا، وفيما اعتبرت موسكو العملية نجاحاً لها بإبعاد العناصر الخطرة، فإنّ السلطات الشيشانيّة تحفظت عليه واعتبرته تصديراً للعناصر الجهاديّة.
وأفادت المعلومات أيضاً بأنّ موسكو اتخذت إجراءاتٍ احتياطيّة لضمان عدم عودة المتطرفين إلى روسيا عبر تشديدِ المراقبة على المعابرِ البريّة والمطاراتِ، وقد عبّر فلاديمير بوتين عن تخوّفه من عودتهم فأشار إليهم بالقولِ “لن يتبخروا في الهواء”، ولكن موسكو لم تتخذ إجراءاتٍ لتنفيسِ الاحتقانِ المحرّضِ على التطرفِ وأعمالِ العنفِ وحلّ جذرِ المشكلة، بل واصلت تبنّي خيار استخدامِ القوةِ، وفي ظلّ المنع فإنّ الفكر المتطرف سيبقى مستمراً مولداً للعنفِ.
السلطاتُ الروسيّة نفتِ المعلومات تقرير وقال ديميتري بيسكوف، المتحدث باسم الرئيس الروسيّ، لرويترز: “السلطات الروسية لم تتعاون أو تتعامل على الإطلاق مع الإرهابيين. لم يكن التفاعل مع الإرهابيين ممكناً من الأساس. يتم القضاء على الإرهابيين داخل روسيا. لقد كان الأمر دائماً على هذا النحو وهو كذلك حالياً وسيبقى على هذا النحو في المستقبل”.
ورغم النفي الرسميّ إلا أنّ الواقع يؤكّد انضمام أفرادٍ إلى القتال في سوريا وهم متمردون سابقون ضد الحكومة الروسيّة ومعروفون لديها ولا يمكن أن يغادروا الأراضي الروسيّة بجوازات سفر رسميّة بدون علم السلطات الروسيّة ومن ثم المرور عبر تركيا.
 لعل موسكو وجدت في السماح للجهاديين بمغادرة روسيا خياراً مناسباً يكفيها شرّهم ويسهم في جهود الأمن، ذلك لأنّ جولات القتال بين الطرفين لم تسهم في تحقيق أياً من الطرفين ولا تمّ التوصل إلى صيغة توافق سياسيّة تضمن الاستقرار والأمن في منطقة شمال القوقاز ذات الأغلبية المسلمة.
في الواقع استنزفت طاقاتُ الجماعاتِ الإسلاميّة التي كانت تقاتلُ لإقامة دولةٍ إسلاميّة بالمنطقة بعد سنوات، ولم تنجح في تحقيقِ انتصارٍ واضحٍ على قوات الأمن، وبنفس الوقت فإنّ السلطات الروسيّة كانت محبطةُ لدرجة كبيرةٍ في خوض القتال في منعرجات الجبال وجولات الكر والفر، ولا يمكن تجاهل دور الحاضنة الشعبيّة التي تشكّل طوقاً حامياً لهم. ففي عام 1992 اندفع عشرات الآلاف من المواطنين واحتشدوا في مطار غروزني ومنعوا القواتِ الروسيّة من الهبوط، وإثر ذلك قام جوهر دوداييف بتشكيل وحداتِ الجيشِ الشيشانيّ وتشكيل الكتيبة الإسلاميّة من متطوعي الشيشان.
حلم الإمارة في سوريا
اللافت أنّ المقاتلين الشيشان حضروا إلى سوريا ومعهم كلّ الخبرات العسكريّة المكتسبة من الحرب في بلادهم، ليس هذا وحسب بل حتى حلمهم في تأسيس إمارة إسلاميّة، ففي عام ٢٠١٢ تدهورت أوضاع “الجهاديين” في القوقاز، وفي مقدمها “إمارة القوقاز” القريبة من القاعدة، والتي يترأسها “دوكو عمروف، فقد استنزفت إمكاناتها باستمرار الحرب منذ عام 2010، وفشلت محاولات تنشيط التمرد في الإقليم ضد روسيا ولقي عدداً كبيرٌ من العناصر حتفهم كما أنّ سلطات الأمن الجورجيّة أعاقت مرور المقاتلين إلى داغستان في موقعة “لوبوتا” وبالنتيجة أقرّ “الجهاديون” بأن الجهاد في شمال القوقاز «بات أصعب ألف مرة من الجهاد في سوريا”، والتي أصبحت بؤرة الاستقطاب للجهاديّة العالميّة الجديدة، والذي دخلت به روسيا في تكرار للفصول التي وقعت في أفغانستان حيث برزت ظاهرة “الأفغان العرب ولعبة “الجهاد الاستخباراتيّة”.
“مراد مارجوشفيلي” والذي يُكنّى “أبو الوليد” والمعروف باسم “مسلم الشيشاني” كان من أوائل العناصر الذين وصلوا إلى سوريا كان ، وهو شخص ذو خبرة عسكريّة استثنائيّة بدأ في جبال اللاذقية، وأسس مجموعة باسم “جنود الشام” عام ٢٠١٢، ووصل عدد عناصره ٢٠٠-٣٠٠ شخص، وشارك في معركة الأنفال التي بدأت في 21/3/2014، مع أقل من مئة شخص، تعرضت المجموعة الشيشانيّة للانشقاقِ وانتقل بعضهم إلى مجموعةٍ يقودها “عمر الشيشانيّ” والذي بايع داعش، وآخرون انضووا في “جبهة النصرة” و”إمارة القوقاز”، هذا الانقسام جعل المشهد القوقازيّ ملخصاً عاماً لما يسمّى “الحالة الجهاديّة”
عمر الشيشاني هو “طرخان باتيرشفيلي مسيحيّ أرثوذكسيّ، سُجن لثلاث سنواتٍ التقى خلالها بداعية سعوديّ على صلة جيدة بشبكات “الجهاد العالميّ”، وكان من تأثيره عليه أنّ غيّر معتقداته تماماً، ليخرج بلقب “الشيخ” طرخان، وبعد إخلاء سبيله سافر إلى تركيا ومنها لسوريا عام ٢٠١٢، ويتخذ اسم “عمر الشيشانيّ” ويصبح أبرز القادة القوقاز في سوريا، وينضمّ إلى حملة خبرات القتال في وادي بانكسي، وإرث الحرب الشيشانية والعداوة الأزليّة للروس، ويطبق تكتيكات السعوديّ خطاب “سامر بن عبد الله السويلم” قائد المجاهدين العرب في الشيشان.
النزولُ بعد الصعودِ
شكّل المقاتلون الأوائل من الشيشان لا يعرف على وجه التحديد إن كان “عمر” و “صلاح الدين الشيشاني و”رسلان ماشاليكاشفيلي”، المدعو “سيف الله الشيشاني”، كتيبة صغيرة من المقاتلين القوقاز باسم “كتيبة المهاجرين”، دعوا “بقية المسلمين” للانضمام لهم، وقالوا إنهم إنما قدموا إلى سوريا نصرة للشعب السوريّ بعدما رأوا مشاهد الحرب، وفعلأً كبرت الكتيبة، بانضمام الوافدين من القوقاز والقرم وتركستان وبقية دول الاتحاد السوفييتيّ السابق، وأصبح اسمها كتيبة “المهاجرين والأنصار” أولى الكتائب القوقازيّة التي ظهرت عام ٢٠١٢.
أظهر “عمر” نجاحاً عسكرياً بارزاً في العمليات العسكرية التي شارك بها، بدءاً من معركة السيطرة على اللواء ٦٠٦ صواريخ، ثم قاعدة الشيخ سليمان، واقتحام الكتيبة ٨٠ قرب مطار حلب، وأكبر إنجازاته كانت في معركة السيطرة على مطار منغ العسكريّ في آب ٢٠١٣، والتي بدأ بعد الشرخ الداخليّ يكبر، فقد بايع “عمر” داعش” ومعه حوالي 700 عنصر ليصبح قائداً عسكريّاً في سوريا، هذا الانشقاق كان له أثرٌ كبيرٌ على تشكيلات القوقاز في سوريا وقاد إلى صراعات بينيّة.
بقي “صلاح الدين الشيشاني” أميراً لـ “جيش المهاجرين والأنصار” حتى منتصف ٢٠١٥، حيث عُزل مع قائده العسكريّ “عبد الكريم الأوكرانيّ” بسبب خلافٍ داخل مجلس الشورى، وأصبح ممثل “إمارة القوقاز” في سوريا حتى نهاية العام، حيث عُزل مجدداً، فعمل الشيشانيّ على تشكيلِ “جيش العسرة” وبقي قائداً مستقلاً حتى قُتل نهاية عام ٢٠١٧ في قصف روسيّ على “ريف حماة”، وحاول صلاح الدين أن ينأى عن الصراع بين “المجاميع الجهاديّة” والتقريب بينها.
كان “جيش العسرة” أصغر تشكيلٍ قوقازيّ مستقل، فيما برز اسم “جنود الشام” بقيادة “مسلم الشيشاني” ذو الخبرة الكبيرة، كما ظهر تشكيلان صغيران وقادتهما صغار السن، ويُعرفان بكونهما “مقاولين أحرار” للجهاد؛ الأول هو “أجناد القوقاز” من مئة عنصر ويُقوده الأمير الثلاثيني”رستم أهازيف”، المعروف باسم “عبد الحكيم الشيشاني ” وهو من مقاتلي حرب الشيشان وتم إبعاده إلى إسطنبول عام ٢٠٠٩، والتي يدير من شقته في أحد أحيائها “باشاك شهير” ويُذكر أنَّ أجناد القوقاز شارك في معركة السيطرة على إدلب إلى جانب النصرة عام 2015
 التشكيل المقاول الحر الثاني فهو “الملحمة تاكتيكال”، ويأخذ اسم “بلاك ووتر الجهاد” لقباً له، ويُعرّف إن جازتِ العبارةُ، كأول شركة أمنيّة جهادية في العالم، ويضمّ نحو 25 عنصراً فقط من نخبة مقاتلي القوقاز المجهولين، بقيادة الأوزبكيّ “أبو رفيق”، يظهرون بحسب الطلب بالمعارك الحاسمة، ويتميز أفراده بالخبرة والشراسة والمهارة القتاليّة، والانضباطِ العالي لدرجة أن يمكنهم قلب موازين أيّ معركة يشاركون فيها، كما يُعرفون بالإعداد والتجهيز الشامل بالخطط والعتاد، وقد شاركوا بالقتال في محافظات (إدلب، اللاذقية، حلب)، ومن أهم أدوارهم تدريب المقاتلين القادمين من الخارج والتواصل بالمقاتلين الأجانب القادمين من أوروبا. كما يقدمون ما يمكن تسميته “دروساً تدريبيّة” عمليّة للقتال عبر برنامج “التلغرام” الإلكترونيّ الروسيّ. ومنذ إطلاقها في أيار 2016، قدمت الشركة خدماتٍ قتاليّة وتدريبيّة واستشاراتٍ عسكريّة لعدة تشكيلات المرتزقة مثل (جبهة فتح الشام، الحزب الإسلامي التركستانيّ، العصائب الحمراء، حركة أحرار الشام، أجناد القوقاز). وقد وفي بيان على تلغرام في 17/8/2019 أعلنت مقتل قائدها أبو سلمان البيلاروسي بريف إدلب الجنوبيّ وانتخاب علي الشيشانيّ خلفاً له وأكّدت مواصلة العمل بالمنطقة.
اللافت في سلوكِ القوقازيين هو التركيزُ على استهدافِ القواتِ الروسيّةِ والسوريّةِ والنأي عن المشاركة فيما عداها، في آب ٢٠١٧ ظهر (مسلم وعبد الحكيم وصلاح الدين)، قادة كبرى التشكيلات القوقازيّة المستقلة في سوريا في مقطعٍ مصوّرٍ وأعلنوا ما سمّوه اعتزالَ الفتنة.
في 6/11/2019 استهدفت مدفعية قوات النظام أرتالاً لأجناد القوقاز في ريف إدلب الجنوبي، وفي 19/12/2019 تقدمت قوات النظام وانتزعت السيطرة على قرية “تل دم” من أجناد القوقاز، وتقدمت باتجاه مقراته بالمنطقة، وخلال العملية العسكريّة الحالية التي تشنها القوات الروسية وقوات النظام تم استيعاب هجوم قام أجناد القوقاز في 8/1/2020، وفي 15/1/202 استهدف الطيران الروسيّ أرتالاً من إرهابيي أجناد القوقاز في ريف إدلب الجنوبي. ليتبين أنّ موسكو جادة في القضاء على الإرهابيين القوقاز ومنع عودتهم إلى روسيا.
مقاتلو القوقاز الذين باتوا في حيرةٍ من أمرهم، وهم يشهدون اضطراباً بين وقف العمليات العسكريّة تارة، والصراعاتِ الداخليّةِ والإصرار الروسيّ لإنهائهم في الأراضي السوريّة والرغبة بالعودة إلى إسطنبول، وقد بدا ليهم أنّ مرحلة الجهاد القوقازي قد أذنت بالأفول دون تحقيق رغائبهم، ولكن لا يمكنهم التنبؤ بمصيرهم في تركيا أيضاً.