سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011
Banner Before Header

إدلب من خفضِ التّصعيدِ إلى التّصعيدِ -1ـ

تحقيق/ رامان آزاد-

تشهدُ جغرافيا إدلب تصعيداً غير مسبوقٍ في الميدانِ وكذلك على مستوى التصريحاتِ السياسيّة، وتواصلُ أنقرة تعزيزَ نقاطِ المراقبةِ، فيما ارتفعت نبرة المسؤولين الأتراك مُهددين بتوسيعِ نطاق العمل العسكريّ، انتقاماً للجنود الأتراك القتلى، وتحذيراً من وقوع حوادث مُماثلة.
إدلب في قبضة الإرهاب
في 10/3/2012، بدأت قواتُ النظامِ معركةَ السيطرةِ على مدينة إدلب وبعد أربعة أيام من الاشتباكاتِ العنيفة دخلتِ المدينةَ، التي انسحب منها عناصر ما يسمّى “الجيش الحر”، وبمرور الوقتِ كانتِ المدنُ والبلداتُ تخرجُ من قبضةِ النظام، وبقي مركز المحافظة تحت سيطرته (النظام )حتى 2015.
في 28/3/2015 سقطتِ المدينةُ بعد هجومٍ شنّه تحالفٌ سُمّي “جيش الفتح” تشكّل في 24/3/2015وضمَّ (حركة أحرار الشام، جبهة النُّصرة، جُند الأقصى، فيلق الشام)، لتكون إدلب ثاني مركز محافظة تسيطر عليها المرتزقة بعد الرقة. وتمّت السيطرة على مدينة جسر الشغور في 25/4/2015، في معركة سمّوها معركة “النَّصر”.
وفي 9/9/2015 أحكم “جيش الفتح” قبضته على كاملِ إدلب، بالسيطرةِ على مطار أبو الظهور العسكريّ بريف إدلب الشرقي، وكان آخر معقل لقواتِ النظام بالمحافظة. ويُذكر أنّ مجلس الأمن الدوليّ أدرج “النصرة” على لوائح الإرهاب في 1/6/2013 المصنّفة على قائمة الإرهاب في مجلس الأمن. وفي 12/2/2015 أصدر مجلس الأمن الدوليّ القرار 2199 ويقضي بمنع تمويل الجماعات الإرهابيّة في سوريا والعراق وكانت “النصرة” من بينها ويعدُّ القرار مكمِّلاً للقرار 2170 الصادر في 15/8/2014 بمنع دعم الإرهاب ووجوب محاربته.
في 28/7/2016 ظهر أبو محمد الجولانيّ في خطاب مُسجَّل أعلن فيه فكَّ الارتباط مع “القاعدة” وقال: “نعلن وقف العملِ باسم جبهة النصرة، وتشكيل جماعةٍ جديدة باسم جبهة فتح الشام”. بقي تحالفُ “جيش الفتحِ” مُسيطراً على المدينةِ حتى شنّت “جبهة فتح الشام” هجوماً على “حركة أحرار الشام” لتنفردَ بالسيطرةِ على المدينة في 23/7/2017.
إدلب وجهة التّرحيل
إدلب كانتِ الوجهةُ الأساسيّة لترحيلِ المرتزقة من كلِّ المناطقِ الساخنةِ، فالمصالحاتُ والاتفاقاتُ التي أجراها النظام مع قادةِ المُرتزقةِ انتهت إلى ترحيلِ المرتزقة مع أسرهم إلى إدلب وجرابلس التي تحتلها تركيا، لتصبحَ محافظة التجميع المكثّف لكلِّ تفاصيل الأزمة السوريّة، وجرى كلُّ ذلك عن طريق تركيا.
أولى عملياتُ الإجلاء جرت في البلدةِ القديمةِ بحمص، فبعد حصارٍ استمرَّ لعامين وافق المسلحون على المغادرة، بعدما أدّى القصفُ والمعاركُ إلى دمارٍ كبيرٍ بالمنطقة التاريخية، وكان ذلك في 9/5/2014. وأما الاتفاق مع مسلحي الوعر فجرى في كانون الأول 2015 ولكن التنفيذ تعطَّل، وتم التوصلُ لاتفاقٍ في 13/3/2017 على إخراجِ كلّ المسلحين من الحي، وبموجبه خرج نحو 18 ألف وأعلنت حمص خالية من السلاح في 22/5/2017. وكانت الوجهة إلى جرابلس وإدلب.
وفي 28/8/2016، خرج على مدى يومين 1400 مسلحاً من مدينة داريّا بريف دمشق، يرافقهم آلاف من عائلاتهم، بعدما خضعت للحصار لأربع سنوات، وفي 13/10/2016 خرج نحو ألف من المعضميّة، وألفان من قدسيّا والهامة، ومن التل 1500 مُسلح، وكانت الوجهة إلى إدلب.
في 22/12/2016، تمّ الإعلان عن مدينة حلب خالية من الإرهابِ، وتوجهتِ الحافلاتُ إلى إدلب. وتمّت عملية الإجلاءِ، بعد عمليةٍ عسكريّةٍ واسعةٍ لقوات النظام، وبموجب اتفاق برعاية تركيا وإيران وروسيا.
وفي 29/1/2017، خرج حوالي 700 مسلح مع 1400 مدنيّ من وادي بردى باتجاه محافظة إدلب، بعد تضييق الخناق عليهم عسكريّاً. وفي 30/1/2017 بدأ إخراج المرتزقة من وادي بردى.
أمّا عملية الإجلاء الكبرى مُنذ بداية الحرب، فتمّت في 15/4/2017 واُستكملت في 20/7/2018 بإجلاء 900 متحجز، وأجلي عشرات الآلاف من أربع بلدات مُحاصرة هي الفوعة وكفريا ومضايا والزبداني، ونصَّ الاتفاق على أن يتم على مرحلتين إجلاء جميع سكان الفوعة وكفريا وعددهم نحو 16 ألف شخص، مقابل خروج من يرغب من سكان مضايا والزبداني وبلدات أخرى تحاصرها قواتُ النظامِ في ريف دمشق.
وفي 7/5/2017 خرج مسلحون ومدنيون من حي برزة الواقع في شمال دمشق، في أول عملية إجلاء من العاصمة، منذ اندلاع النزاع، وخرج آلاف المدنيين والمقاتلين من حيي القابون وتشرين نحو محافظة إدلب. فيما خرج 568 مُسلحاً من حي برزة بدمشق باتجاه مدينة إدلب في إطار المُصالحات، وقد رافقتهم عائلاتهم ليبلغ العدد الإجمالي 1022 شخصاً. وفي 23/3/2018 خرجت دفعات من المُسلحين من حي جوبر وبلدات عين ترما وزملكا وعربين وعددهم الإجمالي نحو سبعة آلاف شخص.
في 13/3/2018 تم إجلاء نحو ألف شخص من حي القدم بينهم 300 مسلحاً مما يسمّى “أجناد الشام”، والباقي أفراد أسرهم باتجاه إدلب. وفي 22/3/2018 خرج حوالي 7500 شخص من مدينة حرستا.
كانت مدينة دوما آخر بؤر التوتر، وبعد اشتباكات عنيفة على مدى خمسة أسابيع تمّ التوصلُ لاتفاقٍ للترحيل برعايةٍ روسيّةٍ في 30/3/2018 وقُدّر إجمالي المسلحين بحوالي 8000 شخصٍ، ونحو 40 ألفاً من أفراد عائلاتهم، وفي 14/4/2018 أُعلنت دوما خالية من الإرهاب. وكانت جرابلس وإدلب هي الوجهة الافتراضيّة للإرهابيين إلا أنّ كثيراً منهم اتجه إلى عفرين المحتلة.
أعدادٌ كبيرةٌ من الذين وصلوا إلى إدلب غادروا إلى تركيا ومنها انتقل بعضهم نحو أوروبا بطرق مختلفة. وأشارت معطيات أخرى إلى أن نسبة كبيرة من مسلحي داريا قُتِلوا في معارك داخل إدلب ضد جبهة النصرة والبعض الآخر من الذين خرجوا من حمص انضموا إلى مرتزقة الجيش التركيّ في عمليته (غصن الزيتون) في عفرين. كما تم ترحيل حوالي 7800 مُسلح من مرتزقة النصرة “أبو مالك التليّ” من جرود عرسال اللبنانيّة إلى إدلب.
جولاتٌ من الهدنةِ والتصعيدِ
شهِد الميدانُ الإدلبيّ موجاتٍ من التصعيدِ والهدنة، فكلّ تصعيدٍ كان مقدمةً لمبادرةٍ لوقفِ إطلاقِ النار، وواصلت موسكو سياسةَ القضم التدريجيّ للجغرافيا التي يسيطر عليها الإرهابُ. فمع تغيّر مساراتِ الميدانِ وموجة المصالحات بدأتِ الضغوطُ التركيّة على “جبهة تحرير الشام” لتغيّر مظهرها الخارجيّ، وتتسللَ من لوائح الإرهابِ الدوليّة، وللتحضير لضمِّ إدلب إلى مناطق خفض التوتر، فتم الإعلانُ عن “هيئة تحرير الشام” في 28/1/2017، من اندماجِ ضمّ (جبهة فتح الشام “النصرة”، حركة نور الدين الزنكيّ، لواء الحق، جبهة أنصار الدين، جيش السنة، أحرار الشام).
وفي 15/9/2017 اُختتمتِ الجولةُ السادسة من مسار أستانه بتوصلِ الدول الضامنة (روسيا وتركيا وإيران) إلى اتفاقٍ على إنشاءِ منطقةِ خفض التوتر الرابعة في إدلب، وفقاً لمذكرة تفاهمٍ تمّ توقيعها في 4/5/ 2017. واتفقتِ الدولُ الثلاث على نشر مراقبين في إدلب لضمانِ احترام وقف إطلاق النار. ونصَّ البيان الختاميّ على تحديدِ مناطق خفضِ التصعيدِ في سوريا كإجراءٍ مؤقتٍ لمدة ستة أشهر يمكنُ تمديدُه. وقال رئيس الوفد، ألكسندر لافرينتيف: إنَّ عدد المراقبين من روسيا وتركيا وإيران في منطقة “خفض التوتر” بإدلب قد يبلغ 1500 شخص، أي 500 مراقبٍ من كلِّ دولة”.
في 17/9/2017 وبعد اتفاق أستانه مباشرةً، بدأت دولة الاحتلال التركي تعزيزَ وجودها العسكري قرب الحدود مع سوريا، ووصل رتلٌ عسكريٌّ من نحو ثمانين ناقلة جندٍ مدرّعةٍ تابعة للجيش التركيّ، وتمركزت في منطقة “المخيم القديم” قرب مدينة الريحانيّة مقابل معبر باب الهوى بريف إدلب الشمالي. وفي 19/9/2019 وعلى مدى يومين شنّ الطيران الروسيّ عشراتِ الغاراتِ على خان شيخون وبلدتي الهبيط والتمانعة وقرية النيرب وكفر نبل، وفي 24/9/2017 شنّ الطيران الروسيّ والسوريّ غاراتٍ على مدن وبلدات ريف إدلب وحماه، رغم إقرارِ المحافظة منطقة خفض التصعيد بحسب اتفاق أستانه واستهدف القصف بلدات الحمو والمعزولة والبشيريّة في ريف إدلب الغربي، وقبلها على بعض النقاط. كما شنَّ الطيران الروسيّ أكثر من مئة غارة على مدينة جسر الشغور وريفها وبلدات أخرى.
وفي 7/10/ 2017 أعلن أردوغان أنَّ محافظة إدلب تشهدُ عملياتٍ عسكريّةً جديدةً تقومُ بها المجاميع المرتزقة الموالية له بدعم من الجيش التركيّ دون عبور الحدودِ إلى سوريا. وفي 31/10/2017 شنّ الطيرانُ الروسيّ والسوريّ غاراتٍ جويّة على إدلب ومحيطها؛ رداً على عمليةٍ كبيرةٍ قامت بها “هيئة تحرير الشام”، وفي 20/12/2017 طال القصف الجويّ الروسيّ نقاطاً في جسر الشغور.
واستدعت الخارجية التركيّة في 9/1/2018 سفيري روسيا وإيران للاحتجاج على التصعيد الذي تقوم به قوات النظام السوري في إدلب وخرقها لاتفاق خفضِ التصعيد الذي جرى التوصل إليه في مباحثات أستانه، وفي 11/1/2018 شنّت فصائل المرتزقة هجوماً معاكساً على قوات النظام في ريفي إدلب باسم “ردّ الطغيان” واستعادت العديد من البلدات والقرى التي كانت قواتُ النظام قد سيطرت عليها في هجومها المستمر منذ 25/1/2017.
في 13/1/2018 قال أردوغان: “إنّ التوغل العسكريّ التركيّ في إدلب سيسحق قوات كردية في منطقة عفرين المجاورة”، وفعلاً أطلقت قذائف على عفرين.
في 28/1/2018 شنّ الطيران الروسيّ غارات مكثفة على سراقب وتل مرديخ وأبو الظهور، بالتزامنِ مع عمليات عسكريّة لقوات النظام الذي استعاد السيطرةَ على مطار أبو الظهور العسكريّ في 10/1/2018.
في هذه المرحلة كان الجيش التركيّ قد بدأ العدوان على عفرين، فساد الهدوء النسبيّ جبهاتِ إدلب، وبدأ التصعيد ومن بعده المصالحات في ريف دمشق والغوطة، وفي 28/8/2018 شنّتِ المقاتلاتُ الروسيّة والسوريّة غاراتٍ مكثّفةٍ على إدلب، وكان ذلك مؤشراتٍ فعليّةً لاستكمالِ الاستعداداتِ لبدءِ عمليةٍ عسكريّةٍ روسيّةٍ – سوريّةٍ في إدلب، وفي 9/9/2018 شنّ الطيران الروسيّ نحو أربعين غارة على شمال حماه وجنوب إدلب، ووصلت دفعة تعزيزات عسكريّة تركيّة إلى الحدود، ثم سعت أنقرة للتوصل لصيغة اتفاقٍ لإرجاءِ العملية، فتمَّ التوصل إلى اتفاق سوتشي في 17/9/2018 والذي يقضي بإنشاءِ منطقةٍ منزوعةِ السلاح بعمق 15-20 كم عن مناطق سيطرةِ قوات النظام، على أن تتولى أنقرة مهمةَ تنفيذ الاتفاق خلال شهر واحد، بالتواصلِ مع المجاميع الإرهابيّة، التي يفض يعضها الاتفاق. ومن حين لآخر كانت إدلب حالات تصعيد متبادلة.
في 19/5/2019 طلبت موسكو هدنةً في إدلب ومحيطها، بعد أيام من الاشتباكاتِ العنيفة، وتضمنت وقفاً فوريّاً للقصف الجويّ والمدفعيّ، في أرياف إدلب وحماه وحلب واللاذقية.
في 31/8/2019 أعلنت موسكو وقفاً لإطلاق النار من جانبٍ واحدٍ في إدلب، وتزامن ذلك مع تصريح لوزير الخارجية الأمريكيّ مايك بومبيو بأنّ الهجمات على “المدنيين” يجب أن تتوقف فوراً. وفي 11/9/2019 سقطتِ الهدنة فقصف الطيران الروسيّ كفرتخاريم ومنطقة قريبة من دركوش.
في 6/11/2019 استهدفت مقاتلات روسيّة نقاطاً في معرَّة النعمان وكفر سجنه وبنين ومعرشورين وشيخ مصطفى. وفي 4/12/2019 شنّت قوات النظام قصفاً جوياً ومدفعيّاً على ريفي حلب وإدلب واندلعت الاشتباكات العنيفة مع فصائل المرتزقة التي انتظمت في إطار غرفة عمليات باسم “ولا تهنوا”
القواتُ التركيّةُ في إدلب
لا تكتسب القوات التركيّة شرعيّة الوجود في إدلب بالاستناد إلى قرار أستانه، إلا أن تؤدّي دوراً في محاربة الإرهاب. ولكن؛ الجيش التركيّ دخل ليحمي الوجود الإرهابيّ ويطيل عمره، بل إنّ أنقرة تمارسُ الإرهابَ وتدعم أدواته وتستثمرها. واستغلت أنقرة توافق أستانه وبدأت إرسال قواتها إلى داخل المنطقة لاستكشافِ مواقع نقاط المراقبة.
وتنتشر نقاط المراقبة التركيّة في ريفي حلب الغربي وإدلب، إضافةً إلى ريف حماة الشمالي، وهي (قلعة سمعان، الشيخ عقيل، جبل عندان، العيس، الراشدين بريف حلب الغربي، والصرمان، تل الطوقان بريف إدلب الجنوبي الشرقيّ، وجبل اشتبرق التابع لجسر الشغور بريف إدلب الغربيّ، وصلوة في ريفها الشمالي، ومورك والعريمة بريف حماة الشماليّ، والزيتونة في جبل التركمان بريف اللاذقية الشرقيّ). ويذكر أنّ مدينة مورك تبعد عن الحدود التركيّة 88كم.
جملة من العوامل تتحكم بمعركة إدلب أولها إصرار موسكو لمنع عودة الآلاف ممن يسمون “الجهاديين” من الجنسية الروسيّة إلى بلادهم، والأمر نفسه ينطبق على حوالي 25 ألف إيغوريّ، وضرورة وضع حدِّ لجموحِ أردوغان، وكذلك فتح الطرق الرئيسيّة. والقضية الجوهريّة تتعلقُ بعدمِ جوازِ استمرارِ الواقع الراهن، وتطرحُ سؤالاً أبعد في دلالته؛ لماذا تركت المسائل أن تتدحرج إلى المستوى من التأزم والتدهور، ليس في إدلب وحسب بل في المناطق التي تحتلها تركيا؟