مجزرة تل عران والأيادي الخفية في تهجير الكرد من الشمال السوري

156
 تحقيق/ باهوز أحمد –

مجزرة تل عران وتل حاصل التي راح ضحيتها قرابة 50 مدنياً من بينهم شيوخ ونساء وأطفال، استهدفت المجزرة الكُرد دون سواهم، في أواخر شهر حزيران حيث تجمعت قطعان من الفصائل الإسلامية المتشددة برفقة عدد من الفصائل الكردية والسورية، من هنا بدأ تاريخ فصل آخر من فصول التدخل الخارجي ضد الكرد ومسيرتهم السياسية والعسكرية في سوريا بعد سنتين من انطلاق الحراك الشعبي في سوريا والتي اتخذ الكرد فيها الخط الثالث برؤية سياسية واجتماعية جديدة واتكالاً على الذات في حماية مناطقهم.
ورغم أن هجمات مشابهة حدثت في عام 2012 بمدينة حلب بحي الشيخ مقصود، إلا أنها فشلت آنذاك ولم تكن الأضرار البشرية بهذا الحجم، ومن الضروري تسليط الضوء على دور فئة من الكرد ساعدت وماتزال في ارتكاب المجازر والقتل بحق الكُرد في سوريا، فخيوط خطة التغير الديمغرافي وأساليب الاستهداف بدأت في تل عرن وتل حاصل وتبعتها مراحل متلاحقة في سري كانية وكوباني وصولاً إلى عفرين، هذه الخيوط تم الكشف عنها من مصادر خاصة ومطلعة على تورط جهات كردية في إقليم كردستان بالمجزرة وما لحقها من مخططات استهدفت المناطق الكردية في سوريا.
 ومن خلال مقابلاتنا مع عدد من المعنين بالمجزرة والظروف التي دفعت الفصائل الإسلامية لارتكابها، تبين أن التخطيط للمجزرة قد أعد قبل أشهر في غرف عمليات خاصة في غازي عنتاب وتحت إشراف مباشر من الاستخبارات التركية، ومشاركة أشخاص من المنطقة من الكرد والعرب، ولكن الكرد هنا لهم ارتباطات مباشرة مع قيادات كردية سياسية في الحزب الديمقراطي الكردستاني بسوريا وإقليم كردستان.
ووفقاً لشهادات أهالي تل عران وتل حاصل، أن العلاقة التي كانت تربط الأهالي بقادة الفصائل الإسلامية “الأمراء” المتواجدين في تلك البلدات قبيل المجزرة بأشهر كانت جيدة والخلافات تحل على الفور، لكن قبيل المجزرة بيوم واحد تم تغيير كل القيادات المتواجدة في المنطقة وبدأ الهجوم، هنا يُشير جمعة كالو أحد الناجين من المجزرة، وهو من أبناء تل حاصل، إلى أن تغير قيادات جبهة النصرة أو ما كان يسمى آنذاك بدولة الإسلام في العراق والشام، جاء بأوامر من غرف الاستخبارات التركية التي كانت تدير الفصائل المسلحة في ريف حلب، ويقول “الهجوم بدأ في شهر رمضان عند أذان العصر، وتم استهداف المدنيين من فوق مآذنه الجامع، ولم نكن نعلم أن الهجوم سيكون بهذه الكثافة، أعداد المهاجمين فاقت الألف عنصر وحاصروا بلدة تل حاصل وفي تل عران واستهداف المدنيين الفارين دون رحمة، واعتقال عشوائي لقربة 500 مدني أخر”.
الحصيلة العددية لشهداء المجزرة تعدت الخمسين، ولكن بحسب شهادات أخرى، وفيديوهات منشورة في وقت سابق، فإن العدد الحقيقي يفوق ذلك بكثير، وساعد عدد من أبناء القرية في ارتكاب المجزرة، ويقول أحد الشهود العيان، “قبل وقوع المجزرة بأيام توجهت بنفسي إلى عدد من أصدقائي لحثهم على عدم المشاركة في إراقة دماء الكرد، البعض منهم تفهم الوضع، ولكن البعض الآخر شارك على جانب المتشددين الإسلاميين في المجزرة”، ومن الكتائب الكردية التي شاركت في المجزرة “لواء يوسف العظمة- لواء صلاح الدين- لواء أحفاد صلاح الدين- كتيبة آزادي- لواء الكُوْمَلَةْ- الجبهة الإسلامية الكردية- الجناح الكردي المتشدد في حركة أحرار الشام” وغالبية افراد هذه الكتائب كانوا من العرب مع القليل من الكرد ليطغوا عليها الطابع الكردي، وهذه الكتائب ذاتها شاركت مع القوات التركية عام 2016 في عملية درع الفرات لاحتلال جرابلس والباب وارتكبت جرائم بحق الكرد هناك أيضاً، واخيراً شاركت هذه الكتائب في غزو عفرين أيضا، ولكن منْ كان يقود هؤلاء وكيف تم تجنيدهم لخدمة الأجندات التركية، المستفيدة الوحيدة من إفراغ شمال سوريا وبالتحديد شرق الفرات من الوجود الكردي؟!!.
منْ ساهم في أرتكاب المجزرة؟
آزاد بن مرعي الشعبو من تل عران، من أبٍ كردي “ضابط طيار متقاعد” وأمٍ عربية، ترعرع في مدينة حلب، ولهم أراضي زراعية ومساكن في قرية كبارة الكردية التي تقع شمالي تل عران حوالي 6 كم، ترأس آزاد هذا كتيبة “آزادي” وكان له مواقف معادية لجزب الاتحاد الديمقراطي، وحظي بدعم سياسي من المجلس الوطني الكردي والائتلاف السوري المعارض بعد ذلك، وظهرت مقاطع فيديو كثيرة لآزاد وهو يمارس التعذيب بحق أعضاء من وحدات حماية الشعب في حلب، وشارك إلى جانب القوات التركية في احتلال عفرين ومتواجد حالياً في عفرين.
الدكتور علاء مصطفى هو من كوباني، كان يقيم في تل عران ويمارس مهنة الطب هناك، قبيل وقوع المجزرة كان له تعامل مع جبهة النصرة وباقي الفصائل العسكرية ويعمل للتنسيق بين كتيبة آزادي وباقي الفصائل المتشددة، وكان له الدور الأكبر في تقديم المعلومات الاستخباراتية للفصائل المتشددة، وبعد سيطرة قوات النظام على تل عران فر إلى إعزاز ومن ثم إلى منبج ومارس عمله الاستخباراتي هناك، وبعد كشف أمره، فر إلى تركيا وهو متواجد حالياً في عفرين، ويعمل كمخبر لدى الميت التركي وله تنقلات كثيرة بين عفرين وتركيا.
التعايش المشترك كانت السمة الأبرز في تلك المنطقة
رحلتي الأولى لمدينة تل عران الواقعة في الريف الشرقي من حلب، كانت في بدايات عام 2013 أثناء تعرض البلدة والبلدات الكردية المجاورة لها لقصف عنيف من قبل النظام السوري آنذاك، المشاهد الأولى من هذه البلدات الكردية التي حافظت على لغتها وتميزها على مر عقود من الزمن، كان التعايش المشترك بين العرب والكرد هناك حالة فريدة، بل ووصل الحال لأن يتطور التآلف الاجتماعي إلى تفاهم عسكري ووضع رؤى مشتركة بين جبهة الأكراد المُشكلة حديثاً في تلك المنطقة آنذاك وبين الفصائل السورية وحتى جبهة النصرة التي تمركزت في الجهة الشرقية من تل عران.
الشهيد عبدو مصروع الذي استشهد في تلك المنطقة بعد ثماني أشهر من لقائي به على أيد عناصر متشددة من ما تسمى بالمعارضة السورية، كان مرافقاً لي في تلك الزيارة لجبهات القتال في الجهة الشرقية من تل عران، حيث تمركزت جماعات من جبهة النصرة بقيادة أمير تونسي، وعناصر من العرب والكرد، الشهيد عبدو قائد كتيبة في جبهة الأكراد، وصف آنذاك الحالة العسكرية والاجتماعية المتواجدة في تلك البقعة من الجغرافية السورية على أنها حالة فريدة، إذ ساد المنطقة جوٌ من التفاهم والود بين المكونات الاجتماعية والفصائل العسكرية والهدف الأوحد كان مقاتلة النظام السوري الذي استهدف تلك البلدات الكردية مرات عدة بقصف صاروخي ومدفعي، لكن بعد ثماني أشهر فقط تغير الحال وبات الكُرد هم الهدف المشترك للفصائل الإسلامية “دولة الإسلام في العراق والشام وجبهة النصرة”، وبعض الفصائل التي كانت تتدعي الثورية، وللأسف بمشاركة بعض الفصائل الكردية المتعاملة مع جهات خارجية وتركية، إذاً ما الذي تغير في تلك المنطقة ليرتكب فيها مجزرة ضد الكرد ويتم طردهم؟ ومنْ دفع بالفصائل المتعددة لاستهداف الكرد؟ وكيف حدث؟!.
 قوات الزيرافان هي منْ تجند الكرد السوريين لصالح تركيا
نعم وفق مصدر خاص ومطلع أفادنا بمعلومات كانت سرية قبل أعوام ولكن اليوم وبعد تنفيذ جزء كبير من المخطط التركي وبمساهمة فاعلة من الحزب الديمقراطي الكردستاني في إقليم كردستان وفرعه السوري، كشف المصدر عن لقاءات جرت بين أشخاص من روج آفا وقياديين من قوات الزيرافان التابعة مباشرة للحزب الديمقراطي الكردستاني لتجنيدهم في سوريا ومهمتهم الأساسية هي محاربة الوجود الكردي في الشمال السوري وبالتحديد وحدات حماية الشعب وليس النظام السوري.
هذا المصدر الذي فضل عدم كشف هويته الرسمية قال: “تلقينا عروض عام 2013من قوات الزيرافان للعمل وفق مخطط خاص، بافتعال التفجيرات وتشكيل مجموعات عسكرية ذات طابع كردي، في المناطق الكردية والهدف محاربة وحدات حماية الشعب وليس النظام، ولكن الشرط أن يكون تنسيق العمليات في غازي عنتاب وليس بإقليم كردستان”، وأوضح المصدر أن مجزرة تل عران وتل حاصل كان ضمن ذاك المخطط وأنه وفق الترتيبات التي أوضحها المجتمعون في ذاك اللقاء الخاص، يجب إخلاء المنطقة الواقعة من تل أبيض “كري سبي” وسري كانية، وصولاً إلى عفرين خالية من وحدات حماية الشعب وتشهد تغيراً ديمغرافياً، إضافة لاستهداف حي الشيخ مقصود بحلب.
 مراكز التخطيط والتنسيق في غازي عنتاب
وأشار المصدر الذي كان أحد الفاعلين في تنظيم سياسي سوري، إلى ان الحزب الديمقراطي الكردستاني له اليد الطولي فيما حدث من مجريات في المنطقة الكردية بدأ من مجزرة تل عران وصلاً إلى سري كاني وكوباني وعفرين، وأكد إن مسؤولي الزيرافان أكدوا لهم مراراً أن حالة الفوضى ستعم كامل المنطقة الكردية في سوريا باستثناء المناطق النفطية، في إشارة إلى عدم قبول بعض الدول لحدوث اضطرابات أمنية في تلك المنطقة.
وتأكيداً للمعلومات التي أوضحها المصدر، فيما يخص التسيق بين الجانب التركي والحزب الديمقراطي الكردستاني، هو الاجتماع الذي جرى في 24 / 6 / 2013 في غازي عينتاب / ديلوك بإدارة وإشراف الميت التركي وحضره عدد من قادة الفصائل المتشددة والمسؤول العسكري عن الريف الشمالي للجيش الحر آنذاك عبد الجبار العكيدي، والذي خطط فيه ألية تهجير الكرد من تل عران والمنطقة ووضع مخطط إبادة الكرد في الشمال السوري والذي تم تنفيذ جزء كبير منه وأخر فصوله كانت عفرين، واليوم يدور الطاقم نفسه في فلك الهجوم على شمال وشرق سوريا وفق رؤى تركية احتلالية.
 إقليم كردستان والتستر على الجرائم ضد الكرد
ويقول المحامي علاء الدين الخالد، احد أبناء بلدة تل حاصل، إن إقليم كردستان لم يكن منصفاً في مجزرة تل عران وتل حاصل، إذ بعد المجزرة أرسل الإقليم لجنة لتقصي الحقائق ضمت أعضاء من السليمانية وهولير وكذلك السيد مسرور البرزاني رئيس وزراء الإقليم الحالي، إلا أن تلك اللجنة انكرت حدوث المجزرة وعزتها إلى خلاف عشائري، رغم ان الشهداء المدنيين كانوا من عوائل مختلفة وعشائر مختلفة، وقال جمعة كالو وهو عضو في المجلس العام في شمال وشرق سوريا ومن أهالي تل حاصل والذي كان من ضمن الوجهاء الذين ألتقوا بلجنة تقصي الحقائق بصفة شاهد عيان: “تقرير اللجنة كان مخالفاً تماماً لأرض الواقع، بل ويعاكس التقرير الذي أصدره لجنة الأحزاب المشكلة في روج آفا، وهذا يدل على تورط الحزب الديمقراطي الكردستاني في المجزرة ومحاولته التستر على أفعال الفصائل المتشددة الإسلامية وتوابعه من الكرد وكل ذلك كان بتوجيهات تركية، إذ كانت هذه المجزرة هي بداية لمجازر متعددة وتهجير الكرد من أرضهم التاريخية”.
 مجزرة تل عران كانت بداية تهجير الكرد من شمال سوريا
ووفقاً لترتيبات الأحداث في روجآفا وشمال سوريا، يتضح أن مخطط تفريغ المنطقة من الكرد والذي بدأ من حي الشيخ مقصود عام 2012 كأول محاولة لإحداث شرخ بين الكرد والعرب، لم ينجح آنذاك، وبهذا بدأ تنفيذ المخطط بإشراك مجموعات تحمل الصفة الكردية وتعمل وفق أجندات تركيا بحتة، وكانت البداية من تل عران في 27/8/2013، وثم الشيخ مقصود بعد شهرين فقط على مجازر تل عران، لتوكل المهمة فيما بعد على مرتزقة داعش في تل أبيض وكوباني وشنكال، والمحطة الأخيرة ولكن ليست النهاية في عفرين بغزو تركي مباشر بعد فشل أذرعها في المنطقة من اقتحام عفرين على مدار أربع سنوات.
 المجلس الوطني الكردي ودوره اللا كردي
لكن اليوم يتجدد الدور ذاته لاتباع المجلس الوطني الكردي، فيما يخص المنطقة الآمنة بشمال وشرق سوريا وفق رؤى تركية بحتة، بعد الخزلان الذي عانه المجلس في عفرين، إذ كانت أدوات المجلس السياسية والعسكرية تسوق معركة عفرين على أنه تحرير وأن الإدارة ستسلم لهم، لكن ما حدث أن تركيا اعتقلت العشرات منهم وقتلت ثلاث قياديين من أتباعه بعد انتهاء دورهم، واليوم لم يتعظ المجلس المتهاوي مما حدث في عفرين وما قبلها، لتتحول إلى أداة في يد تركيا والحزب الديمقراطي الكردستاني الذي يشارك في عمليات مماثلة اليوم في قنديل ضد حركة حرية كردستان، لكن كيف السبيل لمنع إبادة الجغرافية الكردستانية والشخصية الكردية الوطنية غير المرتهنة للأجندات التركية؟!