لقمان أحمي: “شعلة 19 تموز ستبقى مضيئة حتى تحقيق الهدف والمبتغى”

91
حوار/ غاندي إسكندر –

في هذه الأيام تحتفل شعوب شمال وشرق سوريا بالذكرى السابعة لثورة التاسع عشر من تموز التي انطلقت عام 2012، هذه الثورة التي كانت الرد المناسب لما كان يتعرض له شعوب المنطقة خلال العقود الماضية من الزمن، حيث عاشت في ظل سياسة التهميش والتفرقة والظلم من قبل السلطات المستبدة الحاكمة. الثورة التي خرجت من رحم المعاناة التي عاناها الشعب السوري عامةً، والكردي بشكل خاص، لقد كانت ثورة التاسع عشر من تموز الامتداد الطبيعي للمقاومة البطولية التي أبداها أعضاء حركة التحرر الكردستانية بسجن آمد في الرابع عشر من تموز والتي كُتبت بأحرف من ذهب، وهنا لا بد أن نعرّج على انتفاضة قامشلو في عام 2004، والتي أثبتت بأن إرادة الشعوب لا يمكن أن تقهر، ولا بد أن تنتصر مهما طال الزمن. فكانت كوباني مركز انطلاق الثورة التي أنارت جميع مناطق روج آفا وشمال سوريا، ومن ثم امتدت إلى باقي المناطق في شمال وشرق سوريا بعد تحريرها من مرتزقة داعش وإرهابهم. لقد حققت الثورة خلال السنوات الماضية منجزات عظيمة لا يمكن حصرها، ومن أهمها قيام الإدارة الذاتية ووحدات حماية الشعب ووحدات حماية المرأة، وبقية المؤسسات الأخرى المكملة لها والتي أدارت شؤون الأهالي من مختلف الجوانب وقدمت لهم الأمن والأمان والحماية.
ولإضاءة هذه الجوانب في ثورة التاسع عشر من تموز؛ أجرت صحيفتنا حواراً مع رئيس حزب الخضر الكردستاني لقمان أحمي وكان الحوار التالي:
ـ تمارس المجموعات المرتزقة في سوريا كغصن الزيتون، ودرع الفرات، وجبهة النصرة، وداعش، وغيرهم القتل بحق السوريين؛ برأيكم ما الذي ميّز ثورة 19 تموز عن هذه الحركات التي تدّعي الثورة في سوريا؟
إن كلمة الثائر هي كلمة كبيرة ذات دلالة، فالثائر لديه مشروع، والثائر لا ينقل البندقية من كتف إلى كتف بناءً على أوامر من الخارج، الثائر لا يستسلم في منطقة ما ليغادر إلى منطقة أخرى تنفيذاً لأجندة الآخرين، الثائر ليس مرتزقاً ليبيع بندقيته عندما يجوع. فنحن لم نرَ في الثورة السورية إلى الآن ثوار وإنما مرتزقة مرتهنين للخارج باعوا بندقيتهم للآخرين، وتحولوا إلى أدوات لتنفيذ أجندات معينة، فهؤلاء الذين يدّعون الثورية ليس لديهم ما يقدموه مستقبلاً للشعب السوري، وهم مفلسون من الناحية الديمقراطية والشعبية، لا يملكون أي مشاريع، أو برنامج للحل في سوريا سوى مشروع واحد، وهو مشروع الاستيلاء على السلطة، فكيف لنا أن نسمي من ينهب، ويقتل ويشرّد الآمنين بالثوار، والتسمية الصحيحة التي تنطبق على تلك الجماعات هي المرتزقة (الارتزاق)، بينما إن أردنا أن نتعرف على الثورة الحقيقية، فالبوصلة ستتجه إلى مناطق روج آفا، وشمال شرق سوريا، فالثوار الحقيقيون هم ثوار التاسع عشر من تموز، فهم وحدهم من قاموا بالثورة بمفهومها الثوري، وهم وحدهم منذ أكثر من سبع سنوات من لديهم مشروع وطني ديمقراطي يستند إلى الاعتراف بالآخر وقبوله، واحترام الاختلاف القومي، والديني، والمذهبي الذي يميّز السوريين، وهم وحدهم من رهنوا أنفسهم لإرادة الشعوب التي تسعى إلى الحياة الديمقراطية الحرة.
ـ حققت الثورة التي بدأت شرارتها الأولى من كوباني منذ سبع سنوات العديد من المنجزات، والمكتسبات الهامة؛ ماذا تقولون في ذلك؟
إن الثورة التي انطلقت من كوباني، وتلتها جميع مناطق روج آفا كانت تستند إلى فكر، وثقافة، ومشروع، فمن كوباني بدأت مسيرة التحرير من الاستبداد، ومنها بدأت الشعوب المشاركة في الثورة بتنظيم نفسها بنفسها، وتدير شؤونها ذاتياً وفق رؤية تستند إلى الأفكار التي حملتها ثورة التاسع عشر من تموز وأن أهم منجز للثورة أنها كرّست لفلسفة حياتية حضارية جديدة وأسلوب حياة توّج بالإعلان عن الإدارة الذاتية لمناطق روج آفا في 2014 والتي تحولت فيما بعد مع إنهاء الإرهاب الداعشي في كل من الرقة، ودير الزور، ومناطق أخرى إلى إدارة ذاتية لشمال وشرق سوريا في 2018. وعند الحديث عن المنجزات، فإن الثورة استطاعت لم شمل الفسيفساء السوري، وتوحد إرادتهم في التصدي للإرهاب، ففي عام 2015 بدأت من كوباني مهد الثورة سقوط دولة مرتزقة داعش، وتوالت انكساراته حتى تحررت جميع مناطق شرق سوريا من إرهابهم، وتحرر العالم من شرورهم، وقد أفرزت الثورة حالة من الالتفاف الجماهيري ساهمت في انفتاح دبلوماسي منقطع النظير على التجربة الحياتية التي تعيشها الشعوب، وها هي مناطق الإدارة الذاتية توقّع اتفاقيات مع الأمم المتحدة، وتنظّم منتديات دولية حول الإرهاب على أراضيها، فالانتصارات العسكرية والانتصارات السياسية والدبلوماسية، وتطور مفهوم التآخي بين الشعوب التي نشهدها اليوم؛ هو نتاج إرادة الشعوب التي ثارت في التاسع عشر من تموز.
-هل استطاعت الشعوب التي قادت الثورة في روج آفا وشمال وشرق سوريا بلورة مشروع سياسي مناسب للحالة السورية؟
بالطبع، فعندما توجهت أنظار العالم إلى مؤتمر جنيف بنسخته الثانية توجهنا إلى عامودا، وأعلنّا الإدارة الذاتية في إقليم الجزيرة، وكذلك في العام التالي عندما توجهت الأنظار نحو مؤتمر المعارضة السورية في إحدى العواصم صغنا مشروع الحل في سوريا، وتوجهنا في 8/9/2015 إلى مدينة ديرك، وتم تأسيس مجلس سوريا الديمقراطية كمظلة جامعة لجميع شعوب روج آفا وشمال شرق سوريا، فأين هم الآن من اجتمعوا في عواصم العالم واقتاتوا على حساب الأزمة السورية؟!، وأين وصل مجلس سوريا الديمقراطية وقوات سوريا الديمقراطية المنضوية تحت مظلته؟!، هذا المشروع الذي يتكفل بحل جميع مشاكل سوريا من النواحي الاقتصادية، والاجتماعية والسياسية. ومن الناحية السياسية هناك مقومات متعددة مثل ترسيخ الديمقراطية، والاعتراف بالحقوق المتساوية لشعوب سوريا، فنحن نرى بأن حلول جميع المشاكل التي يعاني منها المجتمع السوري موجودة ضمن المشروع الديمقراطي لمجلس سوريا الديمقراطية، المشروع الذي يعتمد على نظرية الأمة الديمقراطية، وهذا المشروع الديمقراطي يؤكد بأن جميع الشعوب والإثنيات ومهما كان عددا صغيراً، يجب أن تتساوى في الحقوق والواجبات، وليس هناك أفضلية لقومية، أو إثنية، أو دين معين على أي دين آخر أو قومية أخرى، من هذا المنطلق نعتقد أن هذا المشروع هو طوق النجاة للسوريين؛ لأن سوريا على مدى قرن من الزمن منذ اندحار الاحتلال العثماني على أراضيها، وسوريا بشكلها الحالي منذ ثمانين سنة، ومع تعاقب الأنظمة على حكمها لم تحل المشاكل التي تعاني منها البلاد، فسوريا المتعددة والمتنوعة بقومياتها ومذاهبها وأديانها حصروها في قومية ذات لون واحد ودين واحد وألغوا الآخر، ولكي تحل مجمل المشاكل؛ لا بد من تبني مشروع مجلس سوريا الديمقراطية المعتمد على اللامركزية، وأن أي مشروع لا يقدم المساواة الحقيقية للشعوب المشكلة للجغرافية السورية، فهو مشروع مصيره الزوال. لذلك؛ نقول إن أردنا أن نبني سوريا، ونخرج من الأزمات المتراكمة، علينا بناء سوريا الملونة بألوان جميع شعوبها.
ـ بعد الإنجازات التي تحدثتم عنها؛ هل ترون أن التحول السياسي والفكري والاجتماعي لشعوب شمال وشرق سوريا قد عبر إلى بر الأمان؟                      
لا زالت هناك مخاطر؛ لأن التدخلات في مناطق الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا تدخلات من جهات متعددة، وعلى رأسها الدولة التركية المحتلة، وروسيا، وإيران، والنظام السوري، ومن مختلف الجهات التي لا تريد أن ينجح مشروع الإدارة الذاتية. وإذا علمنا أننا في منطقة تتبنى أنظمتها الديكتاتورية كأسلوب حكم، فعلينا أن نعلم عدد الجبهات المفتوحة على الإدارة لإفشالها من هنا يأتي الخطر. ومن أجل إفشال تطلعات المتربصين بالنهج الذي التزمته الشعوب في شمال وشرق سوريا، علينا العمل على زرع الثقة والوعي بين شعوبنا، وشعوب المنطقة باتت تدرك من هو العدو ومن هو الصديق، وهي قادرة على تجاوز مختلف المخاطر، وأن الالتفاف الجماهيري حول المكتسبات التي تحققت بدماء أبنائه كفيلة بصد، وإفشال مخططات المتربصين بنا. نعم هناك تحول سياسي واجتماعي وفكري تمخض من ثورة 19 تموز هذا التحول يظهر في حالة التآخي، والانسجام ما بين جميع الشعوب، واشتراك الكل دون تمييز في صناعة القرارات التي تخدم الجميع وهذه تحسب للمشروع الديمقراطي الذي يجمع الجميع.
ـ كيف بإمكاننا الحفاظ على منجزات ثورة 19 تموز وتحقيق ما تبقى منها؟
الصيغة المثلى التي من خلاها نحافظ على ما حققه شعبنا في ثورته هي وحدة الصف والتكاتف حول المشروع المشيّد بدماء الشهداء، والعمل على حمايته، وترسيخ الثوابت، فللمحافظة على سفينة النجاة ضمن بحر الألغام الذي يحيط بنا لا بد من الحفاظ على حالة التلاحم التي تجمع بين الشعوب، فالتفاف الكردي والعربي والآشوري والسرياني والتركماني والشركسي والمسلم والمسيحي والإيزيدي حول المشروع الذي تبلور بعد الثورة، هو الرهان على نجاحنا في المجالات كافة، وبدأنا بقوانا الذاتية وبإرادتنا الحرة، وسنحافظ على مكتسباتنا من خلال الوعي الذي أصبح سمة من سمات جميع شعوب شمال وشرق سوريا.
ـ هل  من كلمة أخيرة توجهونها بهذه المناسبة العظيمة؟
بالروح الثورية التي ظهرت في يوم التاسع عشر من تموز قبل سبع سنوات، نعاهد جميع شعوبنا بأننا سنسعى بكل طاقاتنا وإمكاناتنا في الحفاظ على المشروع الذي يعد الملاذ الآمن لكل من يؤمن بالحياة الحرة الكريمة، كما نعاهد جميع شعوبنا أننا نعتبر عفرين المحتلة قضيتنا الأساسية، وكلنا تصميم على عودة عفرين الأبيّة إلى أهلها، وإنهاء حالة الاحتلال البغيض الجاثم على صدر أبنائها، وشعلة ثورة 19 تموز لن تنطفئ وستبقى مضيئة حتى تحقيق الهدف والمبتغى.