آثار عفرين بين السرقة والتغييب والصمت الدولي الرهيب-1

109
تحقيق/ صلاح إيبو –

نشاطات عدة تقيمها مديرية الأثار في عفرين، بهدف فضح سرقة الاحتلال التركي للتراث الحضاري الإنساني في عفرين وتخريب ما لا يمكن سرقته، إذ تعرضت عشرات المواقع الأثرية والمزارات الدينية للتدمير والسرقة بشكلٍ مدروس من قبل الاحتلال التركي ومرتزقته، وأخرها “تلة عين دارة ودرامى، وتلة قرية كمروك ودير بلوط” التي باتت شبه مستوية بسطح الأرض بواسطة جرافات وآليات ثقيلة وتم سرقة عدد من الآثار والتماثيل البازلتية من تلك المواقع.
وكانت المواقع الأثرية في عفرين محمية في ظل الإدارة الذاتية الديمقراطية وعملت مديرية الآثار بعفرين منذ عام 2014 على تنظيم العمل في هذا المجال وحماية المواقع الأثرية التي يزيد عددها عن 130 موقع من بينها 92 تلة موزعة في كامل جغرافية عفرين التي باتت اليوم مستباحة للاحتلال ومرتزقته، إضافة لعشرات المزارات الدينية التي تعرضت للنهب والتدمير لأسباب دينية وتاريخية لطمس التاريخ والثقافة الكردية في عفرين.
 صور التماثيل الأثرية حرَّكت الشارع
وأظهرت صور عدة تم تسريبها من داخل عفرين، آليات وجرافات تحفر في التلال الأثرية وتنهب محتوياتها، وفي صور أخرى ومقاطع فيديو تم رصد استخراج تماثيل بازلتية وأخرى كلسية منحوتة بطريقة فنية مميزة، ووثقت مديرية الآثار في عفرين عبر فحص الصور والمنحوتات مكان الاستخراج، هنا نحاول البحث عن مصير هذه الآثار التي تم استخراجها من تل عين دارة وكيفية حمايتها من السرقة، كما حدث لآثار مماثلة تم إخراجها من تلة جندريسة وسرقتها إلى تركيا ليلاً، وباتت تلة جندريسة اليوم مقراً عسكرياً للجيش التركي الذي أوضحت صور مسربة حديثاً للموقع الأثري وجود حفريات عدة فيها ولكن لا معلومات أكيدة عن كمية ونوعية القطع الأثرية التي تم نهبها من ذاك الموقع إلا شهادات من أبناء المنازل المجاورة للتل والتي أكدت خروج عدة شاحنات من التل باتجاه الحدود التركية وكان عدده 6 شاحنات متوسطة الحجم، وأكد عدد من الشهود في تلك المنطقة عن وجود تُمثل مغطى بالقماش في إحدى الشاحنات والشاحنات الأخرى كانت مغطاة بالقماش دون وجود ملامح واضحة عن المواد المحمولة فيها، ولكن لم يصدر أي شيء رسمي من قبل تركيا عن ما تم استخراجه من ذاك التل قبل عدة أشهر.
هنا اليوم تعود قضية استخراج الآثار الغير المشروعة ونهبها إلى الصدارة، إذ سربت صور عدة لمنحوتات بازلتية وأخرى كلسية استخرجت حديثاً في عفرين، وقالت مديرة الآثار في مقاطعة عفرين أنه بعد الفحص الدقيق لماهية المنحوتات المستخرجة والتدقيق فيها وجغرافية المكان المستخرج، تم التأكيد على أن الموقع المعرض للحفر هو تل عين دارة الأثري الذي يبعد مسافة 8 كيلومتر عن مركز مدينة عفرين.
وخرجت المديرية بتقرير مفصل عن ماهية الآثار المستخرجة، وتلاه بيان تمت قراءته للرأي العام في مخيم سردام في الخامس عشر من الشهر الجاري دعت فيه المنظمات والجمعيات الدولية ومجلس الأمن للحفاظ على التراث الحضاري في عفرين ومنعه من السرقة والنهب والتخريب، وأشار الرئيس المشترك لمديرية الآثار في عفرين حميد ناصر في لقاء خاص، أن المديرية تعمل منذ اليوم الأول لبدء الهجوم التركي على عفرين بتوثيق الأضرار التي تتعرض له المواقع الأثرية، وكان الهجوم المباشر الأول استهدف تل عين دارة الأثرية الذي يعود تاريخ إلى 1200 قبل الميلاد، ووفق تقييمات المديرية أن المعبد الحثي الذي تم اكتشافه عام 1956م تعرض إلى تدمير أكثر من 60 % من مساحة الكتلة، وتل عين دارة من أهم التلال الأثرية على مستوى سوريا.
 حرب خاصة تهدف لتدمير التراث الثقافي
وأرجع حميد ناصر هذه الانتهاكات بحق التراث الثقافي في المقاطعة إلى أساليب الحرب الخاصة التركية بهدف تدمير المواقع الأثرية ضمن استراتيجية التطهير الثقافي والتغيير الديموغرافي، مؤكداً أن ما يشجع الاحتلال التركي للمضي في انتهاكاتها هذه هو صمت المجتمع الدولي رغم وجود العشرات من القوانين والمواثيق والقرارات الأممية التي ترمي إلى حماية التراث الثقافي الإنساني إلا أن تجميد هذه الضوابط وعدم تفعيلها أدى إلى ازدياد الانتهاكات التي استهدفت المواقع الأثرية بشكلٍ خاص المعروفة عالمياً واستخدام الآليات الثقيلة التي تدمر الطبقات الأثرية وتقوم بتمزيق صفحات التاريخ التي هي بالأصل ضعيفة وبحاجة إلى عناية شديدة ومنهجية متقدمة أثناء التنقيب ليتمكن المنقبين من قراءة الأحداث وتحليل ما حدث بدقة وموضوعية، وتوثيق ذلك بشكل علمي ومدروس.
وتعرّض موقع تل عين دارة خلال الأشهر القليلة الماضية للتنقيب بواسطة جرافات وآليات ثقيلة، ووثّق خبير الآثار في مديرية الآثار بعفرين صلاح سينو عبر دراسة الصور ومقارنتها بالآثار التي تم اكتشافها مسبقاً في التل ذاته، وأشار سينو إلى أن إجراء حفريات بالآليات الثقيلة والجرافات أدى إلى ظهور مجموعة من التماثيل الأثرية من الحجر البازلتي وأخرى من الحجر الكلسي الأبيض وعند دراسة التماثيل الظاهرة حديثاً ومقارنتها مع التماثيل المكتشفة خلال القرن الماضي عبر تنقيبات منهجية تبين ما يلي:
 أحد هذه التماثيل ملقى على جانبه ومازال ثلثا جسده البازلتي الأسود تحت التراب والبازلت هي المادة الرئيسية المستخدمة في منحوتات وأرضيات معبد عين دارة والأهم من كل ذلك قيام أحد الأشخاص بقياس طول التمثال المكتشف حديثاً حيث يشير المقياس إلى ( 320 ) سم دون انتهاء الطول الكامل إضافةً إلى ظهور النقوش المشغولة على جسم الأسد بشكل جزئي في منطقة الرأس ولبدة الأسد (منطقة الصدر) (الصورة ـ 2)، وتابع سينو  “قمنا بإجراء مقارنة بين الأسد البازلتي المكتشف عام 1956 والذي يعتبر من أشهر منحوتات عين دارة وتبين المنحوتة المكتشفة من خلال الحفريات التي قامت بها سلطات الاحتلال والفصائل الموالية له اعتماداً على الملاحظات التي ذكرناها سابقاً وتبين من خلال الرجوع إلى المصادر التي قامت بتوثيق تنقيبات عين دارة (مجلة الحوليات الأثرية السورية- المجلد العاشر 1960) وتوصلنا إلى ما يلي:
1- طول منحوتة الأسد المكتشفة عام 1956 هو ( 3.30 ) م
2- المادة المستخدمة مطابقة تماماً بين المنحوتة المكتشفة قديماً والمنحوتة التي ظهرت أثناء فترة الاحتلال.
3- النقوش في الأجزاء الظاهرة من الأسد المكتشف في فترة الاحتلال وأسلوب النحت مطابق تماماً مع منحوتة الأسد المكتشفة عام 1956.
4ـ الجزء العلوي أعلى الظهر يوحي بإمكانية دمج المنحوتة في مدخل إحدى المنشآت المعمارية إذ كانت وظيفة هذا النوع من المنحوتات حراسة الأبواب في المنشآت ذات الأهمية الخاصة وتأتي النقوش عادة على طرف واحد والطرف الآخر يكون خالي من النقوش
وأكد سينو الذي صاغ تقريراً مفصلاً عن المنحوتات المستخرجة من التل، إن هذه الملاحظات تقودنا إلى نظرية ظهور أسد آخر مطابق تماماً من حيث المقاييس والأبعاد والنقوش والوظيفة مع الأسد المكتشف قديماً والذي بقي مطموراً في قلب التل لأكثر من ستين سنة بعد اكتشاف زميله عام 1956 وكان الرأي السائد بين الأثريين حينها وجود أسدٍ آخر كانا حارسين للبوابة الرئيسية للمعبد كحراسٍ أبديين.
أما المنحوتة الأخرى الظاهرة في الصور الواردة شبيهة بالمنحوتات التي دمجت في جدران المعبد من حيث مادة النحت وأسلوبه والشكل العام للمنحوتة إضافةً إلى ظهور منحوتتين من الحجر الكلسي إحداها تمثل رأس بشري والأخرى لكائن برأس بشري وجسد حيواني على الأغلب غير ظاهر في الصورة (لتحديده وتظهر خلفه إحدى الجرافات التي تعمل في الموقع مع ظهور قريتي عين دارة وقرزيحل.
يتبع…