المنتدى الدولي حول داعش… خطوة لتجفيف منابع فكر داعش واستئصاله

79
استطلاع/ رفيق إبراهيم –

ارتكب مرتزقة داعش في مناطق عدة من شمال وشرق سوريا انتهاكات جمّة؛ من قتل، وسبي، وخطف، ونهب، وتدمير وبات خطراً على شعوب المنطقة برمتها، بل وعلى العالم قاطبة من خلال نشر فكره في العالم عبر مرتزقته وكذلك الاعتماد على خلاياه النائمة في ذلك في الكثير من الأحيان, واستطاعت شعوب المنطقة بريادة قواتهم؛ قوات سوريا الديمقراطية تحرير مناطقهم من خطر هؤلاء المرتزقة وهزيمتهم، وسلمت أعداد هائلة منهم بمن فيهم النساء والأطفال أنفسهم لقسد التي تولت رعايتهم. وعليه؛ طالبت شعوب المنطقة إقامة محكمة دولية لمحاكمتهم على أن تكون على الأرض التي تحررت منهم. وبهذا الصدد؛ عقد مركز روج آفا للدراسات الاستراتيجية في إقليم الجزيرة المنتدى الدولي حول داعش تحت عنوان “المنتدى الدولي حول داعش الأبعاد والتحديات والاستراتيجيات الموجهة”؛ وذلك في صالة بيلسان بعامودا في مقاطعة قامشلو بإقليم الجزيرة في شمال وشرق سوريا، واستمر لمدة ثلاثة أيام؛ شارك فيه المئات من السياسيين، الصحفيين، والباحثين من مختلف أنحاء العالم. وكان من بين النقاط المطروحة في المنتدى ومناقشته؛ الجانب العسكري والأمني من إرهاب داعش، علاوة على الجانبين الثقافي والديني ومدى تأثير الفكر الداعشي المتطرف وثقافته التي لا تقبل الآخر، وتحاول السيطرة على الناس وعقولهم بالحديد والنار، إضافة إلى الخراب والدمار الذي لحق بالمنطقة جراء وحشية وجرائم داعش وبخاصة في شمال وشرق سوريا، ناهيك عن موضوع المرأة وكيف أثّر هذا الجانب بشكل كبير عليها وبخاصة الانتهاكات التي ارتكبت بحقها من الضرب والإهانة وصولاً إلى بيعها في سوق النخاسة والاغتصاب.
تركيا.. الدولة الوحيدة التي قدمت ما أمكن لداعش
وحول المنتدى؛ أجرت صحيفتنا استطلاعاً لآراء عدد من المحاضرين، وفي البداية تحدث الدكتور في علوم الاقتصاد المدرس بجامعة نوروز في دهوك بباشور كردستان هاشم زيباري عن مصادر تمويل داعش قائلاً: “كانت مصادر تمويل داعش متعددة ومن أهمها في الحقيقة النفط ومشتقاتها ومن ثم تأتي الموارد الطبيعية الأخرى، وسرقة الآثار وبيعها والضرائب والاتاوات التي كانت تفرضها على الأهالي خلال سيطرتها على مناطق واسعة من سوريا والعراق، وسرقة البنوك وأموال الأهالي. وعندما وصل سيطرة المرتزقة إلى الذروة سيطر على مساحة كبيرة من العراق وسوريا، وكان عدد السكان في تلك المناطق ما يقارب التسعة ملايين، وهذا يعني أنها كانت تجني الكثير من المال كضرائب عليهم وكان المورد الثاني أهميةً بعد النفط، هذا غير الفدية التي كانت تفرض على الأهالي؛ نتيجة عمليات الخطف لأبنائهم، وأيضاً تجارة المخدرات وهذه جميعها مصادر تمويل أساسية لداعش”.
وتابع زيباري حديثه بالقول: “وهذه المصادر كانت تدخل ضمن اقتصاد الظل ونسميه بالاقتصاد غير الرسمي؛ لأنها مصادر غير شرعية حسب القوانين والمواثيق الدولية، ويمكننا أن نتهم الدولة التركية المحتلة بأنها الدولة الوحيدة التي دعمت داعش مالياً ومعنوياً ولوجستياً، وسهّلت لهم المرور عبر حدودها وهناك أعداد كبيرة من المرتزقة دخلت عبر البوابات التركية علناً، وكانت الدولة التركية المحتلة تستفيد من داعش وبخاصة من شراء النفط المهرب التي كانت تشتريها بأثمان بخسة منهم ولم تكن تشكل نسبة الربع من أسعار النفط العالمية، وكانت تجني من وراء ذلك أموال طائلة حتى إنها كانت تبيع جزءاً منها لبعض الدول عن طريق ميناء جيهان. بالطبع كل هذا الكلام موثّق بوثائق واعترافات عناصر داعش عبر الوسائل الإعلامية أو خلال التحقيقات التي أجريت معهم في شمال وشرق سوريا والعراق”.
وحول كيفية تجفيف منابع داعش والقضاء عليه فكرياً واقتصاديا قال زيباري: “الآن تم القضاء على داعش عسكرياً ولكن لا يمكننا القول بأن داعش انتهى أو قُضي عليه تماماً؛ لأن الفكر الداعشي لا زال موجوداً، هذا بالإضافة إلى الخلايا النائمة المتواجدة بكثرة؛ لأن الكثيرون من أهالي المناطق السنية في العراق بالموصل والأنبار وفي سوريا الرقة ودير الزور تأثروا كثيراً بالفكر الداعشي المتطرف، وفي العراق هناك الكثير من البعثيين من يدعمون المرتزقة. ولذلك؛ علينا إعادة تأهيل أهالي تلك المناطق وتريبهم عبر برامج خاصة، وإشراكهم في عملية إعادة البناء من جديد”.
واختتم الدكتور في علوم الاقتصاد المدرس بجامعة نوروز في دهوك بباشور كردستان هاشم زيباري حديثه بالقول: “للقضاء على الفكر الداعشي وخلاياه النائمة التي تشكل خطراً كبيراً على الأمن والاستقرار في المنطقة والعالم أيضاً لا بد من مشاركة المجتمع الدولي، وجهودها يحتاج أيضاً إلى وجود تنسيق وتعاون بين حكومات ودول المنطقة والمجتمع الدولي والإدارة الذاتية في شمال شرق سوريا، وعلى هؤلاء جميعاً التنسيق والعمل معاً، للقضاء الكلي على ما تبقى من فكر التطرف والإرهاب والوصول إلى حالة الامن والأمان التي يجب أن تتمتع بها المنطقة بأسرها”.
إقامة محكمة دوليّة في شمال وشرق سوريا ضرورة مُلحة
وحول حضور العديد من الشخصيات الأكاديمية المصرية والهدف من حضور هذا المنتدى؛ حدثنا الإعلامي ورئيس قسم الشؤون الخارجية في جريدة الوطن المصرية عبد العزيز الشرفي قائلاً: “نحن في مصر مؤمنون بأن الجرائم التي ارتكبها مرتزقة داعش يجب أن يحاسبوا عليها؛ لأننا في مصر عانينا الكثير من الإرهاب ولا زلنا نعاني، وكان عدد الضحايا كبيراً. ولذلك؛ كان لا بد من مشاركتنا كمصريين في مثل هذا المنتدى الهام الذي يسلط الكثير من الضوء على الجرائم والانتهاكات المرتكبة من قبل مرتزقة داعش ليس في سوريا والعراق فحسب، بل في المنطقة ككل؛ لأن المسألة متشابكة وكلنا معنيون بها وبإيجاد الحلول لها”.
وأردف الشرفي حديثه بالقول: “علينا جميعاً التعاون من أجل القضاء على هذا الفكر المتطرف الظلامي، ويأتي في الأولويات الرئيسية محاكمة هؤلاء محاكمة تعطي لكل ذي حقٍ حقه، ولهذا هناك حلان لا ثالث لهما للانتهاء من قضية المحاكمة وهي أولاً: إما أن تستعيدهم دولهم لتحاكمهم عندهم وثانياً: إقامة محكمة دولية في شمال وشرق سوريا لمحاكمة هؤلاء الذين ارتكبوا أفظع الجرائم والانتهاكات بحق شعوبها، ونحن كمصريين مع إقامة محكمة دوليّة على هذه الأرض؛ لأن من الأولوية إقامة المحاكمة على الساحة التي ارتكب فيها مرتزقة داعش الجرائم المختلفة”.
وبسؤالنا له عن مدى توفر الظروف المناسبة لهذه المحاكمة؛ أجاب الشرفي بقوله: “الآن الظروف غير متوفرة ولكن بإمكان المجتمع الدولي توفير مثل تلك الظروف، وإقامة المحكمة الدولية لمحاكمة المرتزقة إن أرادت عمل ذلك فعلاً، أنا مع إقامة المحكمة الدولية هنا، وأظن أن الأكثرية من الحضور يتوافقون معي حول ذلك، عندما قرر المجتمع الدولي بالتدخل عسكرياً في سوريا عبر المستشارين وسلاح الجو (الطائرات)، فهو ملزم بإيجاد طريقة ما للخروج من هذه المعضلة وحلها بالطرق المناسبة. والمجتمع الدولي قادر على إقامة محكمة دولية مختصة بمثل هذه الجرائم ومحاكمة هؤلاء المرتزقة أينما كان، إذا كانوا جادين بالفعل.
وتابع الشرفي حديثه بالقول: “ولا يمكن ترك هذه القضية معلقة إلى ما شاء الله، والإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا تتحمل أعباء كثيرة في المخيمات والسجون التي تحوي هؤلاء، ولا يمكن ترك الأمور كما هي عليه الآن. وباعتقادي أن حضور هذا الكم الكبير من المختصين بمثل هذه الأمور، وأيضاً تواجد عدد كبير من وسائل الإعلام وبخاصة الخارجية منها، سيكون له صدى إيجابياً وكبيراً في تدويل مثل هذه القضية الهامة والشائكة في الوقت نفسه، وسيساهم ذلك في تحريك المحاكمة على الصعيدين الدولي والإقليمي. والمنتدى في الحقيقة يعد الأساس في السير لعقد مثل هذه المنتديات في المراحل المقبلة”.
وأنهى الإعلامي ورئيس قسم الشؤون الخارجية في جريدة الوطن المصرية عبد العزيز الشرفي حديثه بالقول: “على المجتمع الدولي أن يقوم بمسؤولياته إما استعادة رعاياها لدى قوات سوريا الديمقراطية أو السعي الجاد لإقامة محكمة دولية يتم محاكمتهم من خلالها في شمال وشرق سوريا، وهذا أقل ما يمكن تقديمه لشعوب المنطقة الذين وقفوا ضد داعش وإرهابه في المنطقة وقدموا الكثير من الضحايا والشهداء”.
الأطفال والنساء أكثرهم تأثراً بفكر داعش
وحول محاربة الفكر المتطرف والقضاء على البيئة والحاضنة لمثل هؤلاء المرتزقة؛ حدثنا الدكتور والكاتب السياسي أحمد الدرزي؛ قائلاً: “يمكنني القول ما يجب توفيره للقضاء على الأفكار التي زرعتها داعش في شمال وشرق سوريا خاصة وسوريا والعراق والمنطقة عموماً، علينا الأخذ بعين الاعتبار فئات المجتمع التي تأثرت بالفكر الداعشي، ونلاحظ أن من تم تجنيدهم الأكثرية منهم من الطبقات الفقيرة، وهذا يعني أن من الأسباب الرئيسية التي جذبت هؤلاء المسائل المادية وإغراءاتها، ومن الأمور الأخرى الهامة هو بقاء داعش في المنطقة لأكثر من أربع سنوات، حيث أثّر على الواقع فيها ومن أشد المتأثرين بفكره هم الأطفال والنساء، ولا سيما بالطبع في المناطق العربية”.
وتابع الدرزي حديثه بالقول: “إن لهذه المشكلة جذور تاريخية قديمة تعود لأكثر من 1400 عام، وهي تنتج نفسها بأشكال مختلفة وأسماء متعددة. ولذلك؛ معالجتها تتطلب ضرورة دراستها من الجوانب كافة الفكرية والمجتمعية والسياسية والاقتصادية والنفسية والبعد الديني والثقافي والعقائدي، لتجفيف المنابع التي شكلت داعش وغيرها من المجاميع المتطرفة والارهابية. نعم تم القضاء على داعش عسكرياً وهذه من الأمور الهامة. ولكن؛ من الأهمية بمكان وللقضاء عليه تماماً وجوب توافق دولي للرؤى حول هذه القضية التي تشغل بال المجتمع الدولي بأسره”.
وحول النتائج المتوقعة للمنتدى على المستوى الدولي أكد الدرزي قائلاً: “المسألة تراكمية وتحتاج إلى تضافر الجهود من الجميع. بإمكاننا القول إن هذا المنتدى الخطوة الأولى في الطريق الصحيح؛ لأن مثل هذه القضايا معقدة وشائكة ومتشابكة، ولذلك أن أي محكمة بهذا الخصوص يجب أن تكون الخطوات فيها مدروسة، وأن تتوافق حولها الدول المعنية بذلك أولا والمجتمع ثانياً. وإقامة المحكمة الدولية في شمال وشرق سوريا تتطلب خطوات هامة ومنها قوننة إقامتها أي إيجاد صيغة قانونية لها، والإدارة الذاتية في شمال شرق سوريا غير معترف بها دولياً وهذه مشكلة حقيقية تقف في وجه إقامة المحكمة هنا، وإقامة المحكمة بغير اعتراف دولي بالإدارة الذاتية قد يخلق جواً من التوتر لدى بعض الأطراف بأنها اعتراف مُبطن بهذه الإدارة”.
واختتم الدكتور والكاتب السياسي أحمد الدرزي حديثه بالقول: “باعتقادي أن هذه القضية ستبقى معلقة إلى أن يتغير موازين القوى الدولية، وهي التي تحكم مسارات الحركة السياسية الدولية، وهذا يتطلب جهود مضاعفة وكبيرة والمجتمع الدولي غير مهيأ الآن لوضع الحلول النهائية للمسائل العالقة ومن أعقدها معضلة الإرهاب وداعش”.