بعد مجزرة كوباني.. الشعب أقوى

187
تقرير/ سلافا أحمد –

كان فجراً عصيباً مرَّ على أهالي مدينة كوباني وقرية برخ باتان، ذلك الفجر الذي حلَّ يوم الـ 25 من حزيران\يونيو عام 2015، فبالرغم من أن البدائل والثمن كان باهظاً وكبيراً إلا أن الدرس الذي تعمله الشعب زاد من قوتهم.
استيقظت مدينة كوباني وقرية برخ باتان التي تقع إلى الجنوب منها بمسافة تقدر بنحو 27 كيلو متراً على وقع فجر دموي، حيث تسلل عناصر من داعش يستقلون 12 سيارة عسكرية (8 منها إلى كوباني و4 إلى برخ باتان)، وبدأوا بقتل جميع الأحياء الذين صادفتهم العين، صغيراً وكبيراً.
ثاني أكبر مجزرة في سوريا
كانت مجزرة كوباني وبرخ باتان التي راح ضحيتها 233 مدنياً بينما أصيب مئات آخرون بجروح صادمة بالنسبة لأهالي المنطقة الذين لم يشهدوا مجزرة مماثلة، يقول البعض بأنها ثاني أكبر مجزرة ارتكبها داعش في سوريا، بعد شنكال.
ارتكبت مرتزقة داعش في 25 حزيران\يونيو عام 2015م، مجزرة بحق أهالي مدينة كوباني وقرية برخ باتان، التي راح ضحيتها حوالي 233 شهيداً، عبر تسللهم من منطقة صرين التي كانت محور الاشتباكات بين مرتزقة داعش ووحدات حماية الشعب والمرأة وغرفة بركان الفرات، لزعزعة الأمن والاستقرار التي كانت تعيشه المنطقة بعد كسر شوكة مرتزقة داعش في مدينة كوباني.
تمكن المرتزقة من التسلل إلى داخل مدينة كوباني وقرية برخ باتان، حيث تمكنت أربع سيارات من الدخول إلى قرية برخ باتان، وثمانية إلى مركز مدينة كوباني، متنكرين بزي جيش الحر ووحدات حماية الشعب، وتسللوا في فجر صباح 25 حزيران إلى المناطق الاستراتيجية في المدينة وأهمها: حي مكتل، كاني كردان، حي جمارك القريب من حدود الفاصلة بين باكور كردستان وروج آفا، حي بوطان غربي وشرقي وحي كانيا مرشداً، والعديد من المناطق الأخرى.
لماذا كوباني؟
لعل السؤال الذي هو مكتوب في الأعلى هو أكثر سؤال يشغل بال جميع من عاشوا لحظات المجزرة ومن راقبوها أو سمعوا فيها، بالطبع فالأسباب التي يمكننا بها ملء فراغ هذا السؤال كثيرة.
القصة بدأت يوم الـ15 من أيلول/سبتمبر 2014، في ذلك اليوم وجهت مرتزقة داعش دفة قواتها صوب كوباني التي كانت محاصرة من جهاتها الأربع، تركيا تتولى حصار الشمال وداعش تحاصر الشرق والغرب والجنوب.
قبل ذلك التاريخ وتحديداً يوم الـ3 من آب/أغسطس من العام ذاته، هاجم داعش مقاطعة شنكال التي يقطنها الكرد الإيزيديون وارتكبوا فيها مجزرة راح ضحيتها آلاف القتلى من النساء والأطفال والشيوخ إضافة إلى خطف آلاف آخرين.
 كل هذه الأحداث كانت الخطوات الأولى التي هيأت الأرضية لمجزرة كوباني؛ لكن كيف؟
بعدما بدأ داعش معركته ضد كوباني، سرعان ما وصل إلى المدينة فارضاً سيطرته على أكثر من 350 قرية مجاورة لها، لكن الأمور لم تسير كما خطط لها مرتزقة داعش الذين كانوا يمنون النفس بالسيطرة على المدينة في غضون أيام عدة كما حدث في القرى، إذ أن وحدات حماية الشعب والمرأة المدافعة عن المدينة واصلت حملة الدفاع عن المدينة بشراسة حتى تمكنت من تحريرها بعد 134 يوماً من المعارك المتواصلة داخل أسوارها.
صدى مقاومة الشعب ضد المرتزقة
جلبت معها تلك المعارك التي دارت في كوباني مكتسبات عدة للكرد وكامل شعوب منطقة الشمال والشرق السوري، فقد ارتد صدى هذه المقاومة في المحافل الدولية وباتت وحدات حماية الشعب والمرأة القوى الوحيدة الفاعلة على الأرض سواء عندما كانت تقاتل لوحدها أو ضمن صفوف قوات سوريا الديمقراطية والتي أمكنها من القضاء على مرتزقة داعش عسكرياً في آخر معاقله في الباغوز، لذا حظيت بدعم كبير لما حققته من الانتصارات ضد مرتزقة داعش طبعاً هذا الأمر لم يرق لأعداء الشعب الكردي وفي مقدمتهم  دولة الاحتلال التركي.
لذا بدأت تركيا التخطيط بجدية في محاولة منها لضرب الثورة والحراك الشعبي المكثف في روج آفا وشمال سوريا، فبعد أن فشل مرتزقة داعش في كسر هذه الثورة، دخلت تركيا على الخط ودعمت هذه الجماعات مرة أخرى لتهاجم كوباني وترتكب مجزرة فيها.
التغييرات التي جلبها انتصار كوباني كثيرة وقد أثّرت كثيراً في الوضع السوري والتركي والعراقي، وبالطبع، المجزرة في كوباني كانت انتقاماً من المكتسبات التي حظيت بها المنطقة بفضل النضال الذي جرى في تلك المدينة، وأيضاً كان الهدف هو السعي لإعادة سيناريو معركة كوباني وإفراغ المدينة وقراها من السكان.
وهناك المئات من الأهالي الذين كانوا شاهدين على المجزرة التي قام بها مرتزقة داعش بحقهم عند تسللهم إلى المدينة، وارتكاب أفظع الجرائم فيها، ومنهم الأم صالحة صالح عيسى من حي مكتل الواقعة شرقي المدينن، التي أصيبت بطلقة في رأسها، وفقدت زوجها  وسبعة أشخاص من عائلتها في المجزرة.
تفاصيل من المجزرة!!!
تسرد الأم صالحة البالغة من العمر 50 عاماً أحداث تلك المجزرة لتعيد بذاكرتها أدق التفاصيل: “فجر يوم 25 حزيران لعام 2015م، في شهر رمضان، حوالي الساعة الرابعة صباحاً، بعد تناول السحور، كنت أنا وزوجي قد انتهين من تناول وجبة السحور جالسين بانتظار المآذن ليأذن صلاة الصبح لنصلي بعدها، ولكن فجأة سمعنا  أصوات إطلاق رصاص قوي في المدينة، بالإضافة إلى ضجيج ملأ المدينة بأصواتها، فقمت مسرعة إلى منزل أخ زوجي لأعرف سبب إطلاق الرصاص، قالوا حينها  إن وحدات حماية المرأة والشعب قد حرروا بلدة صرين وأنهم يحتفلون، الجميع كان يعتقد إن ذلك الصوت كان صوت الاحتفال بتحرير بلدة صرين”.
وأكملت الأم صالحة ما جرى في ذلك اليوم: “وعند العودة إلى منزلي رأيت خمسة من عناصر مرتزقة داعش متنكرين بزي وحدات حماية الشعب ينتشرون في تلة مشتى نور، فعدت مرة أخرى سألت أخ زوجي مستغربة.. ماذا يحدث، لماذا مقاتلي وحدات حماية الشعب يتجولون  فوق التلة؟!!
حينها لم نعلم إن مرتزقة داعش قد تسللت إلى المدينة، وحين عودتي أيقظت العائلة ـ الابنة والزوج والزوجة الثانية ـ  من النوم وقلت لهم أدخلوا إلى الداخل فأصوات الرصاص تتعالى لا أحد يعلم ماذا يحدث، يمكن أن تصيبوا بأحد الرصاصات الطائشة، وفجأة تعالت أصوات صراخ النساء والأطفال في الحي، لم نعلم إن المرتزقة قد دخلوا منزل جيراننا من الجهة الغربية”.
وذكرت الأم صالحة أيضاً بأنه عند فراشها كان هناك سجادة الصلاة لتصلي صلاة الصبح، وسمعت صرخة الزوجة الثاني ( لتفي)  بصوت عالي، قالت حسين (زوج صالحة) “أنقذني شيئاً ما أصابني”، سارع الزوج إليها، وبعدها أتت ابنة أحد جيراننا اسمها كولة صادق كانت تبلغ من عمرها 18 عاماً إلى منزلها عندما تعالى صوت صراخ لتفي، عندها طلبت الأم صالحة من كولة قلت لكولة البقاء في منزلهم إلى جانب ابنتها ياسمين البالغة من العمر سبعة سنوات لتذهب وتتفقد الوضع وما حصل لزوجها والزوجة الثانية له.
صرخة ألم في قلب الأم صالحة
وتابعت: “عندها فجأة دخلت زوجة ابن أخ زوجي اسمها ياشر إلى بيتي وهي تبكي وتصرخ، سألت ماذا بك ياشر ردت قائلة: أصيب عمي حسين برصاصة، فخرجت مسرعة إلى الخارج، عندها رأيت زوجي مصاباً في كتفه اليمين والدماء تنزف منه، حتى في ذلك الوقت لم نعلم إن الفاعل هو من مرتزقة داعش.
لقد أتى إلينا جارنا صادق حج مسلم والد كولة وهو يسأل قائلاً: جيران هل بالفعل أصيب جاري حسين ولتفي!!
أجبته: نعم، وقلت لصادق أذهب إلى أقرب مكان وأتي لنا بسيارة لنسعف المصابين إلى المشفى، وقد سارع صادق إلى منزله ليجلب دراجته النارية ويذهب ليجلب لهم سيارة لإسعاف المصابين، وعند خروجه من الحي، صادف صادق ثلاثة مرتزقة متنكرين بزي وحدات حماية الشعب، موجهين أفوه أسلحتهم صوبه، لقد أصاب صادق بسبعة طلقات من الرصاص، بعدها لم يعود صادق، لم نكن نعلم ماذا حل بصادق أيضاً.
كنت حاملة زوجي بين أحضاني، لقد رأيت زوجة أخ زوجي اسمها صالحة إبراهيم  تأتي إلينا، وأنا أناديها صالحة لماذا لم تأتيت إلى الآن لإنقاذ حسين ولتفي، وفجأة استدرت إلى الخلف رأيت صالحة قد أصيبت في عينها اليسرى ومرمية على الأرض، بعدها تركت الثلاثة مرميين على الأرض، ذهبت لاتصل بعمي ليأتي إلينا ويجلب سيارة الإسعاف لمصابين وإنقاذ حياتهم، وعند الاتصال به، قال لي إن مرتزقة داعش قد تسلل إلى المدينة، وإن المدينة بإكمالها محاصرة، وعاودت العودة إلى زوجي والمصابين الآخرين من أفراد العائلة والجيران فصالحة ماتت فور أصابتها، وبعدها ماتت لتفي، ولكن زوجي كان على قيد الحياة.
فجأة سمعت صراخ امرأة وهي تقول: صالحة أنقذيني إنني أموت، استدرت إليها، كانت والدة كولة (عزيزة حجي نبك) تأتي إلي زاحفة وهي ملطخة بالدماء، كانت أصيبت في بطنها، لقد كنت جالسة بين جثتين ومصابين.
وبعدها أتى إلينا أخ زوجي الكبير اسمه علي هو وزوجته، قلت لهم: لا تأتوا إلينا أذهب وأنقذوا أنفسكم، اثنان من المرتزقة يتجولون حول منزلنا، سيقتلونكم أيضاَ، ذهب علي هو وزوجته إلى داخل منزلي ليختبئوا، عندها علم زوجي إن ما حدثه كل كان بفعل مرتزقة داعش، لذا قال خذي ابنتنا واذهبي لمكان لا يجدك فيه المرتزقة.
فقدان الأقارب والجيران
 وواصلت الأم صالحة سرد قصتها المؤلمة والدموع تنهمر من عينها قائلة:” قلت لزوجي لا تذهب وتتركنا في الدنيا وحيدين”.
 حاول حسين إقناعي لأن أتركه وأذهب لإنقاذ ابنتنا حينها كان المرتزقة يقتربون منا أكثر، ولكن بعد دقائق قليلة فارق زوجي أيضاً الحياة.
بعدها اتجهت إلى ابنتي ياسمين البالغة من العمر سبعة أعوام، لكي أبعدها عن المشهد المريع، ذهبت إلى داخل المنزل وأحضنت ابنتي وغطيتها بستار لكي لا ترى شيئا، وكنت أنا وأبنتي وأخ زوجي علي وزوجته وولدهم أحمد وفرهاد وكنتهم ياشر ووالدة زوجي وكولة وثلاث من أخواتها الصغار داخل المنزل وقد أغلقنا باب المنزل أيضاً، لقد كنت أعلم أن اثنان من المرتزقة يحاصرن منزلنا، وفجأة قرع الباب  بقوة وهم ينادوننا بأن نفتح لهم الباب وإلا أنهم سيفجرون المنزل.
لقد فتح علي البالغ من العمر 52 عاما باب المنزل وهو رافع يده للأعلى، وضرب المرتزقة علي بطلقة في وسط وجهه ومات علي أيضاً، وبعدها صوب المرتزقة أفوه أسلحتهم صوب الطفل أحمد ولد علي، أغمي على الطفل لذا ظن المرتزقة إن الطفل أيضاً قتل ولكن الطفل لم تصبه الطلقة، لقد صرخت زوجة علي فاطمة على موت زوجها، لقد قال لها المرتزقة وهم يتكلمون باللغة العربية علي كافر لذا من حقنا أن نقتله، قلت لمرتزقة أنتم من هم الكفار وليس نحن، في هذا الشهر المبارك مع طلوع الفجر تقومون بقتل الأبرياء لماذا؟؟
وقام المرتزق الثاني بقتل زوجة علي فاطمة بضرب طلقة في وجهها، لقد كانت ياشر وكوله مختبئتان في غرفة ثانية، اتجه المرتزقة إلى جميع غرف المنزل ضرب المرتزقة طلقة في وجه ياشر أيضاً وهي أيضا ماتت، وبعدها اتجهوا صوب كولة التي كانت مختبئة خلف ثلاجة (البراد) وضرب طلقة في صدرها لكنها لم تمت وضربوها طلقة أخرى في وجهها، بعدها أغميت كولة ووقعت على الأرض، بقيت أنا ووالدة زوجي البالغة من العمر 115 عاما وابنتي وأخوات كولة الصغار، اتجه أحد المرتزقة صوبي وابنتي كانت بحضني، قالوا لي اتركي البنت من حضنكِ، لكني لم أترك البنت، حاولوا أخذ ابنتي بالقوة ولكني لم أسمح لهم، ووضع فوه سلاحه في رأسي وأطلقوا الرصاص، وبعدها رأيتهم يأخذونا ابنتي من حضني وأغمي عليّ حينها، وبعد مدة طويلة أو قصيرة لا أعلم من فقداني الوعي صحيت، ظننت حينها إنهم قد أخذوا أبنتي، لكن لم يأخذوها.
لقد كان الطفل محمد صادق ( أخو كوله) البالغ حينها من العمر 7 أعوام، يتجول بين المصابين ويأتي إلينا بالأخبار، لقد قال محمد” خالتي ذاك المرتزق الذي ضربكم قتل حجي دحام أيضاً، وقتل أختي ماريا وابنة عمي فلك وأخي أحمد أيضاً، لم يبقَ في منزلنا سوى أنا وأخي عبدو البالغ من العمر ستة سنوات وأختي نورا عامين”.
وحدات شعبية أنقذتنا
لقد بقينا في هذه الحالة قرابة أربعة ساعات، وبعدها أتت وحدات حماية الشعب والمرأة وفرق الإسعاف وتمكنت من إخراجنا من الحي وإسعافنا لتلقي العلاج.
وتقول الأم صالحة في ختام حديثها قائلة: “كان فجراً عصيبا مر على أهالي مدينة كوباني وقرية برخ باتان، ذلك الفجر الذي حل يوم الـ 25 من حزيران\يونيو عام 2015، فبرغم من أن البدائل والثمن كان باهظاً وكبيراً الذي قدمناه  إلا أن الدرس الذي تعملنه كان الأمثل وهو بأن الشعب هم الأقوى.