اللغة الكردية تفشل سياسية التتريك بعفرين

125
تقرير/ صلاح إيبو –

56 مدرسة يرتادها أكثر من عشرة آلاف طالب وطالبة في المرحل الدراسية الثلاث، كفيلة بإفشال محاولات الاحتلال التركي الممنهجة لطمس الهوية الكردية لعفرين، هذه المدارس التي يدرسُ فيها طلبةُ عفرين المهجرين في الشهباء اليوم بلغتهم الأم “الكردية” التي يحاربها الاحتلال التركي في عفرين ويمنع تدريسها وبل يحاول تشويهها في بعض الأماكن الأخرى التي يروج إعلامينا لها فقط.
كانت عفرين هي السباقة في تعليم أطفالها اللغة الكردية بافتتاح مدرسة “الشهيد فوزي” في السادس من أيلول لعام 2011 من قبل مؤسسة اللغة الكردية، التي دئبت على تطوير كوادرها الذين كانوا غالبيتهم من الفئة الشابة التي تذوقت طعم الحرية بعد سنوات من القمع في ظل حكومات البعث بسوريا عامة والمناطق الكردية خاصة.
بعد سنوات من العمل الجاد في مجال اللغة الكردية باتت عفرين مضرب المثل في إعداد المناهج باللغة الكردية وافتتاح المعاهد الخاصة بالأدب الكردي وتلتها أولى الجامعات في الشمال السوري. هذا التطور الغير المسبوق والذي وصفه العديد من المثقفين بفترة حرق المراحل، رغم نواقصه شكل نقطة إيجابية في سبيل تحرير الفرد والمجتمع من ذهنية السلطة، بَيّد أن المناهج الدراسية في عفرين كانت تهيئ الفرد لأن يكون حراً ومتقبلاً للآخر، وخصصت مناهج خاصة للمكون العربي، في إطار مشروع الأمة الديمقراطية، وأخوة الشعوب.
الواقع العفريني هذا لم يروق لأعداء الشعب السوري وأخوة الشعوب، لذا بدأ الاحتلال التركي في أول أيام هجومه على عفرين في 20 كانون الثاني المنصرم باستهداف المدارس، في إشارة واضحة إلى نيته بتغير الهوية الثقافية والذهنية الديمقراطية في المقاطعة.
38 مدرسة مدمرة
38 مدرسة دمرت من أصل 318 مدرسة كانت تحت إشراف هيئة التربية والتعليم في المقاطعة ما قبل الغزو التركي. وكانت تضم نحو خمسين ألف طالب في المراحل الابتدائية والإعدادية والثانوية. وبحسب هيئة التربية في مقاطعة عفرين، اليوم وبعد التهجير القسري لشعب عفرين، يتابع ما يزيد عن عشرة آلاف طالب وطالبة التعلم بلغتهم الأم والتمسك بهويتهم في الشهباء، على خلاف الآلاف من أقرانهم الذين يفرض الاحتلال التركي سياسة التتريك والتعريب عليهم في عفرين المحتلة، ومن هنا تأتي أهمية مقاومة هؤلاء هنا، وفي يوم اللغة الكردي المصادف للخامس عشر من أيار، أظهر العفرينون تمسكهم بهويتهم ولغتهم الأم.
الجسد الكردي يقاوم الإبادة والفاشية
إذ شبهت عوفة رشيد اللغة الكردية بالجلد الذي يغطي جسم الإنسان الكردي، لذا لا يمكن سلخ لغته عن ذاته إلا بموت هذا الشعب أجمع، عوفة رشيد من قرية كوخرة تقطن اليوم في مخيم برخدان ببلدة فافين شرقي حلب، كانت مدرسة وما تزال تمارس دورها في بناء الأجيال وتعليمهم لغتهم الأم تقول “يوم 15 أيار هو عيد اللغة الكردية الذي يمثل هوية الشعب الكردي لأن اللغة هي أساس وجود الإنسانية، لذا نحن اليوم نعمل من أجل الحفاظ على وجودنا من خلال تطوير اللغة وزيادة انتشار تعلمها بين فئات المجتمع عامة”.
وعن الشعب العفريني تقول “أثناء تهجيرنا من عفرين، لم نتوقع أن نعود إلى تدريس اللغة الكردية من جديد، لكن هذا الشعب الذي تعلم كيفية تنظيم ذاته في عفرين وتعليم أطفالهم لغتهم الأم، بات اليوم هنا أكثر إصراراً على تعلم لغتهم بهدف مقاومة الاحتلال والسياسات التي يتبعها في عفرين من تتريك وتغيرٍ ديمغرافي”.
وتؤكد المدرسة عوفة أن الطلبة هنا يتمسكون بلغتهم، وهنا تُشير الطالبة فلك حسين من الصف الثامن في مدرسة مخيم برخدان أنها ترداد المدرسة بهدف التعلم، وهي تحب لغتها الكردية ولا تلاقي أي صعوبات في تعلمها، لأن التعليم في عفرين ساعدها على تعلم لغتها منذ أربع سنوات.
وباشر العديد من المدرسين الحالين في الشهباء، إلى تدريس اللغة الكردية والمناهج المدرسية في المدراس التي افتتحتها لجنة التدريب الديمقراطي بشكل طوعي وبدون مقابل مادي في بادئ الأمر، وتُشير عوفة في هذا الإطار، “نحن كنا على يقين أن هذا الشعب يستحق تقديم كل شيء له، ولكن المهم هو الحفاظ على الثقافة واللغة وبهما فقط يمكن الحفاظ على المجتمع وحمايته من الاضمحلال في شتى المجالات ومقاومة الاحتلال”.
مدرسة الأحداث نموذجاً للفرق بين ذهنية الشعب المقاوم والاحتلال
“اللغة هي أساس وجود الإنسان ومحرك تفكيره وهي التي تحدد قدرة تعامله مع محيطه وتعطي الفرصة الأكبر لصنع بصمته الخاصة في هذا العالم الكبير” بهذه الكلمات بدأ مدرس اللغة العربية الأستاذ حامد رستم الذي ما زال يمارس مهنته إلى اليوم، حديثه لصحيفتنا، لكن هذا المدرس الذي قضى حياته في تعليم اللغة العربية بالمدارس الحكومية في حلب، ساهم بشكلٍ فاعل بتوظيف إمكانياته لنشر اللغة الكردية “لغته الأم” بين الطلبة في مدينة حلب مع بدأ الثورة، ويقيم الأستاذ حامد رستم الذي يشغل اليوم مكان الرئيس المشترك لهيئة التعليم والتربية في إقليم عفرين، مدى انتشار اللغة الكردية في المجتمع الكردي خلال السنوات التسعة الماضية بالإيجاب وينقل: “خلال هذه السنوات حدثت قفزة نوعية في انتشار اللغة الكردية التي كانت ممنوعة قبل الثورة، وأنا كمدرس للغة العربية كنت أتمنى أن أتعلم لغتي، وتعلمتها في السر، لكن بعد الثورة فتحت أبواب مكتبي الخاص للطلبة لتعلم اللغة الكردية بشكلٍ شبه يومي بالتعاون مع بعض المهتمين باللغة الكردية، وكانت تلك البدايات، وتطور الأمر إلى افتتاح مراكز خاصة للغة الكردية ومن ثم تعميمها كحصص أسبوعية في المدارس لنكون اليوم أمام تعلم أطفالنا مناهجهم الدراسية بشكلٍ كامل بلغتهم الأم إلى جانب اللغة العربية واللغات الأجنبية”، في إشارة لتقبل مشروع الأمة الديمقراطية لكافة المكونات، حيث يخصص مناهج خاصة باللغة العربية بالكامل للمكون العربي مع تعليمهم حصص معينة للغة الكردية.
وفي 15 أيار الذي يصادف يوم اللغة الكردية، شارك الأستاذ حامد برفقة المئات من المدرسين والطلبة وممثلي المؤسسات المختلفة في حفلاً نظمته لجنة التدريب للمجتمع الديمقراطي وهيئة الثقافة والفن، بالمناسبة في مدرسة الأحداث، هذه المدرسة التي تقع على بعد 16 كيلومتر شرقي مدينة حلب، لها وقع خاص على الشعب العفريني ورسالتهم للعالم أجمع وبالأخص للاحتلال التركي، إذ رمم المدرسون هذا المبنى الذي تعرض خلال السنوات القليلة الماضية لقصف عنيف مما تسبب بانهيار أجزاء منها، لكن المفارقة هنا كما يقولها الأستاذ حامد رستم الرئيس المشترك لهيئة التربية والتعليم هي أن الشعب العفريني حوَل أماكن الاعتقال والقتل والمقرات العسكرية إلى أماكن لانتهال العلم والمعرفة وتعليم الديمقراطية وأخوة الشعوب في حين أن الاحتلال التركي حول المدارس في عفرين لمقرات عسكرية وسجون، هي مفارقة تؤكد مدى الفجوة الشاسعة بين فكر الأمة الديمقراطية والفكر الإسلامي الضيق الذي ينتهجه الاحتلال التركي ومرتزقته في عفرين وباقي المناطق التي يحتلها.
أطفالنا باتوا يدركون أهمية تعلم لغتهم
أوريفان حسين حسن من ناحية موباتا، مدرسة للمرحلة الإعدادية، تعود بذاكرتها إلى أيام دراستها باللغة العربية التي لم تكرهها قط لكن لم تحبها أيضاً، في إشارة لوجود سببٍ نفسي يمنعها الاستمتاع التعلم باللغة العربية، ولكن مع بدء ثورة روج آفا وافتتاح المدراس الكردية وتعليمها بادرت أوريفان التي كانت آنذاك في العقد الثاني من عمرها لتعلم لغتها الأم، وتمكنت من اجتياز المراحل الثلاث الأولى والتحقت بأكاديمية الشهيد فرزندا للغة الكردية لتصبح معلمة للغة الكردية، وتبدأ بتعليم الأطفال لغتهم وفق المناهج المعتمدة من قبل لجنة التدريب للمجتمع الديمقراطي.
ومن ذاك المنطلق تقول أوريفان “دائماً نؤكد للأطفال الذين يبدؤون تعلم لغتهم الأم، أهمية هذه اللغة، كيف أن جيلنا والأجيال التي سبقتنا لم تحظَ بفرصة التعلم بلغتهم، وأن هذه اللغة بدأت في الاضمحلال رويداً رويداً، لذا نركز على أهمية تمسك الأجيال القادمة بهذه اللغة التي واجهات سياسات عدة لصهرها ومحوها من التاريخ لكن أجدادنا الذين ساهموا في توثيق هذه اللغة وبناء قواعد لها كان لهم الفضل الأولى والثاني هو قدرة أباءنا وأمهاتنا نقل هذه اللغة بالتمسك بها والتحدث بها في منازلهم وقراهم مع أطفالهم”.
“تركيا استهدفت وجودنا وهويتنا… لكن المقاومة نجحت”
وترجع أوريفان العداء التركي للعشب الكردي إلى محاولتها لإبادة هذا الشعب ووضع العراقيل أمامه لعدم البحث في تاريخه وتطوير ثقافته ووجوده في العالم والمنطقة، وبهذا استهدف الاحتلال التركي المدراس والمراكز الثقافية بشكلٍ ممنهج في عفرين، وهدف إلى إيجاد شرخ بين الشعب وثقافته ووجوده التاريخي، لكن تعود أوريفان للوضع الحالي لمهجري عفرين في الشهباء، وتقول “الاحتلال التركي لم يستطع كسر إرادة هذا الشعب والقضاء على لغته، ودليل ذلك هو تمسك هؤلاء الأطفال هنا في هذا المخيم بتعلمهم لغتهم الأم رغم وجود فرص متعددة أمامهم للالتحاق بالمدارس الحكومية في حلب التي لا تعترف بوجود اللغة الكردية بشكلٍ رسمي.
العضوة في مجلس لجنة التدريب الديمقراطي؛ صباح جرناز تنوه إلى أن اللغة هو ركن أساسي من ثقافة الشعوب، وكافة الشعوب تعمل على حماية لغتهم وتوسيع رقعة انتشاره، “نعمل على حماية هذه اللغة، من مبدأ أن الشعوب التي لا تهتم بلغتها تزول من الوجود والشعب الكردي أثبت خلال التاريخ أنه شعب يتمتع بالإرادة والإصرار، ومن هذا المبدأ لن يستطيع الاحتلال التركي طمس هوية عفرين الكردية، وهذا إن دل على شيء يدل على قدرة هذا الشعب المقاومة بشتى الوسائل في سبيل إنهاء الاحتلال وإعادة تحرير مدينتهم”.
ظروف النزوح والتهجير بين الشعب العفرين غير العديد من العادات في المجتمع، وبات هذا الشعب على قناعة تامة أن اللغة هي أساس وجوده، لذا ساهم هذا الشعب هنا في الشهباء بتشجيع أطفالهم لتعلم لغتهم الأم وتعلمها كنوع من إفشال مخططات الاحتلال التركي والتحضير للعودة إلى عفرين وافتتاح مدراسهم بلغتهم الأم.