إدلب المعركة المؤجلة فهل تستكمل؟!

228
تحقيق/ رامان آزاد –

يخطئُ المراقبون السياسيون بطرحِ السؤال حول توقيتِ معركة إدلب ويقولون “لماذا اليوم؟ والصحيح لِمَ حتى الآن؟ فالمتتبعُ للأحداث يعلمُ أنّ معركة إدلب بُدئ بها بداية العام الماضي ووقتها تقدّم الجيش السوريّ جنوب إدلب واستعاد السيطرة على مطار أبي الضهور، ثم جُمّدتِ المعركة، وتمّ تثبيت المواقع، لتبدأ معركة ريف دمشق والغوطة وإتمام المصالحات بالمنطقة الجنوبيّة والوصول إلى معبر نصيب على الحدود الأردنيّة، فيما تلقت أنقرة الضوء الأخضر الروسيّ لتبدأ عدواناً همجيّاً على عفرين وهي تقود مجاميع إرهابيّة قامت بتجميعها من خلفياتٍ مختلفةٍ ونظّمتها في إطار ما يسمّى “غصن الزيتون”.
 حرص أنقرة على الاحتفاظ بإدلب
في منتصف تموز الماضي؛ اقترحت أنقرة على الجانب الروسيّ ما سُمّي “الورقة البيضاء لمحافظة إدلب”. وتضمنت خطة لتجنيب إدلب من هجومٍ محتملٍ للجيش السوريّ وحلفائه، وعرضت أنقرة فيها إعادة المرافق الحياتيّة والخدميّة وفتح طريق حلب – دمشق وإزالة السواتر والحواجز من منطقة دارة عزة نحو حلب الجديدة، وأن تدعوَ جميع الفصائل والهيئات والتجمعات وأهمها (هيئة تحرير الشام، حكومة الإنقاذ، الائتلاف، الحكومة المؤقتة وباقي الفصائل) إلى مؤتمرٍ عامٍ لمناقشةِ مستقبل إدلب، والطلب من كلّ الفصائل تسليمها السلاحَ الثقيل والمتوسط لتقوم بجمعه وتخزينه لديها، على أن يتم الإعلان عن تأسيس “الجيش الوطني” من جميع الفصائل، وتأسيس هيئة موحّدة للكيانات غير العسكريّة تنفّذ مهام مدنيّة وخدميّة بإشراف وإدارة دولة الاحتلال التركي. والواقع كانت المبادرة التركيّة تهدف إلى تجميدِ الواقع العسكريّ في إدلب والمحافظة على الكيانات المسلحة.
أنتجت أستانه اتفاقاً خاصاً بمناطق “خفض التصعيد” تضمّنت تعهدات تركيّة لروسيا وإيران بخصوص ملف ضبط سلاح فصائل المعارضة الثقيل وملف “هيئة تحرير الشام”، وأعقب ذلك توافق على إشراف تركيّ داخل المحافظة عبر 12 نقطة مراقبة نصبتها هناك، مقابل نشر 17 نقطة مراقبة مشتركة روسيّة – إيران بالمحيط. وحذّرت أنقرة من أنّ هجوم الجيش السوريّ على إدلب يقوّض جوهر اتفاق أستانه. كما استبعدت وقوع المعركة على أساس أنّها جزء من التفاهم الأمريكيّ – الروسيّ الذي سيتناول مصير شرق الفرات أيضاً، وأنّها ستحصل بموجبه على ما تريده في سوريا بإجهاض أيّ مشروعٍ ديمقراطيّ تقوده الإدارة الذاتيّة وستحلَّ مشكلة اللاجئين لديها.
 موسكو وتوازن النقيضين
بقي مصير إدلب مرتبطاً بالإجابة على سؤال كيف لموسكو أن تقيم توازناً بين مصالح دمشق والعلاقات المتطورة مع أنقرة؟
ارتأت موسكو إلى ترتيب مصالحة بين دمشق وبين الفصائل المسلحة الموالية لدولة الاحتلال التركي، عبر إعادة صياغتها وإدخالها في عملية المصالحة، وبذلك تبقى الفصائل المتشددة خارج إطار التوافق، فلا يبقى أمامها خيارات إلا أن تحلَّ نفسها أو تُباد ضمن حملة عسكريّة مدروسة تقبل بها أنقرة نفسها. كما تحرص موسكو على القيام بعملية في أقصى درجات التقنين وتتجنب التكلفة المرتفعة، فهي تعلم أنّ المنطقة تضم عشرات آلاف المقاتلين والحديث عن أكثر من 80 ألف. من جهة ثانية لا تفرط موسكو بعلاقاتها مع حكومة أنقرة الحالية، فقد شهدت العلاقات بين البلدين تطوراً نوعيّاً؛ ذلك لأنّها تواصل العربدة والتمرد على سياسة الغرب، كمان أنّ حزمة الاتفاقات الاقتصادية تشكّل عامل تقاربٍ كبيرٍ بينهما.
خلال تموز وآب من العام الماضي صعّدت موسكو الحديث عن معركةٍ وشيكةٍ بإدلب وعقد مجلس الأمن جلسة طارئة لبحث الموضوع في 7/9/2018، حيث رفض أيّة عملية عسكريّة بإدلب ودعا المندوب الفرنسيّ فرانسوا ديلاتير الدول الضامنة لأستانا للتحلي بمسؤولياتها واحترام وقف إطلاق النار، وحذّر من استخدام السلاح الكيميائيّ”. فيما قال المندوب الروسيّ فاسيلي نبينيزيا إنّ “اتفاقات خفض التصعيد مؤقّتة، كما أنّ الوضع الراهن في إدلب غير مقبول. وأشار إلى أنّ نحو 50 ألف إرهابيّ ينشطون في إدلب، وجبهة النصرة تتمركز في المحافظة، وتشكل خطراً على الأمن العالميّ”. أما المبعوث الأمميّ إلى سوريا، ستيفان دي مستورا، فقال: “إن معركة إدلب، ستكون “دمويّة”، وستشهد “مستويات جديدة من الرعب”. وأضاف : “إنّ المدنيين لن تكون لديهم “إدلب أخرى” ليفروا إليها”، وحذر من “كارثة إنسانيّة هي الأكبر منذ بداية الحرب”.
حصلت دولة الاحتلال التركي على دعم وتأييد أوروبيّ مشفوعٍ بالخشية من موجاتِ جديدة من اللاجئين، وشكَّلت فرنسا وبريطانيا رأس حربة في الموقف الأوروبي وأعربتا بجلسة خاصة بمجلس الأمن حول إدلب عن تأييدهما الكامل للرؤية التركيّة مع موقف أمريكيّ داعم أيضاً، مقابل بدايةِ تراجُعٍ بالموقف الروسيّ. حيث أكَّد المبعوث الخاص للرئيس الروسي إلى سوريا ألكسندر لافرينتييف استعداد بلاده لتأجيل معركة إدلب وتسليم ملف حل قضية “اﻹرهابيين” إلى تركيا. وقال لافرينتييف: “محافظة إدلب، حسب الاتفاق الذي تمَّ التوصل إليه قبل عام ونصف العام، تعتبر من مسؤولية تركيا، وبالتالي “على تركيا فصل المعارضة المعتدلة عن المتطرفين”.
سوتشي والتناقضات
 في قمة ثلاثي أستانه في طهران 7/9/2019 كان التناقض بين مواقف الدول الثلاث واضحاً، ولم يلقَ الطرح التركيّ موافقة روسيا وإيران، وشددتا على حقّ النظام السوريّ باستعادة السيطرة على كل إدلب.
ولذلك فإنّ بدء المعركة لا بد أن يكون في إطار اتفاق والتنسيق بين ثلاثي أستانه مع قبول أمريكيّ؛ لأنّ المعركة تمّ تأجيلها فيما سبق عندما اعترضت واشنطن، وتحدث الرئيس الأمريكيّ وقتها بأنّ الفضل يعود له بتأجيل المعركة وإنقاذ أرواح ملايين الناس.
عدم التفاهم في قمة طهران كان السبب المباشر لعقد اجتماع سوتشي بين بوتين وأردوغان 17/9/2018 حيث اُتفق على إقامة منطقة منزوعة السلاح بعمق 15-20 كم مع الجيش السوريّ، ونزع الأسلحة من المعارضة بضمانة تركيّة خلال شهر. إلا أنّ الاتفاق لم ينفذ وتمّت المماطلة بتنفيذه، أي أنّ المعركة مقررة وتمّ تأخير موعدها بسب تدخل الدول.
تتطلع موسكو عبر العملية العسكريّة عدو مسائل منها إزاحة نقاط المراقبة التركيّة من ريف إدلب وحماه إلى عمق محافظة إدلب وفتح الطريقين الدوليين حلب اللاذقية “إم4” وحلب دمشق “إم5” وتوسيع الإطار الآمن حول مدينة حلب من جهة الجهتين الشماليّة والغربيّة ومعلومٌ أنّ جبهات الريف الملاصق لمدينة قد شهدت تسخيناً خلال الفترة الماضية.
قادة فصائل المعارضة الموالين للاحتلال التركي لا يملكون الجرأة لمصارحة قواعدهم وحاضنتهم الشعبيّة لتبرير الانسحاب من القرى في ريف حماه مؤخراً، ولا يتحدثون أنّ شغلهم الشاغل اليوم هو الخطة التركية ووهم الأمن القوميّ التركيّ التي تتذرع به تركيا لاحتلال الأراضي السوريّة، واليوم جعلوا من أبناء إدلب قرباناً لأنقرة، دون أن يرف لهم جفن.
فصائل المسلحين ممن يسمون بالمعارضة جعلوا من أنفسهم ورشاً متنقلة تأتمر بتعليمات أنقرة، بعدما أحرقوا سفن العودة، واليوم يعلمون يقيناً سوء خيارهم، من الشهادات الحيّة لقادة الفصائل التي تحتل عفرين أنّهم لا يملكون خياراً لآخر إلا الولاء للتركيّ إذ لا ملاذات تأويهم إن خرجوا من الحضن التركيّ.
تزامن التصعيد في شمال سوريا مع فشل التوافق الروسيّ – التركيّ على تسيير الدوريات المشتركة سواء بتل رفعت أو إدلب، إضافة إلى التوافق الأمريكيّ – التركيّ حول “المنطقة اﻵمنة” شرق الفرات، وفشل اجتماع أستانه 12 بحلِّ موضوع اللجنة الدستوريّة وتأكيد واشنطن على ضرورة العودة إلى جنيف مع تحركات دوليّة جديدة لإحياء المسار الدوليّ وعدم السماح لثلاثي أستانه بالانفراد، وبهذا الخصوص عقدت المجموعة المصغرة اجتماعاً 6/5/2019 مع المبعوث اﻷمميّ الخاص إلى سوريا غير بيدرسن.
 إدلب صندوق بريد الأزمة
المصالح الدوليّة تتقاطع في إدلب وبنفس الوقت تتضارب، فإدلب باتت الاختزال النهائيّ للأزمة السوريّة، وبمثابة صندوق البريد إلى مختلف الأطراف، من روسيا إلى تركيا والاتحاد اﻷوروبي والولايات المتحدة وإيران وحتى دول الخليج العربيّ.
آخر المراسلات الروسيّة لأنقرة كان يوم عبر استهداف بريّ لنقطة المراقبة التركيّة بمنطقة “شير مغار” بريف حماة الغربيّ، وذلك بالتزامن مع بدء عمل عسكريّ تركيّ محدود بالقرب من تل رفعت، إذ فشل الاتفاق على تسيير دوريات مشتركة بين الجانبين بالمنطقة. ولوّحت أنقرة بشن عمل عسكريّ هناك معلنة أنّها تراجع اتفاقاتها مع روسيا بشأن المناطق التي تسيطر عليها وحدات الحماية بعد تكرار هجمات الأخيرة ضد الجنود الأتراك ومقتل عدد منهم، وقال فؤاد أوقطاي نائب الرئيس التركيّ الأحد إنّ مسؤولين أتراك يراجعون مع الروس انتشار قوات البلدين بمنطقة تل رفعت موضحاً أنّ الاتفاق هو أن تتوقف القوات التركيّة عند تل رفعت.
حضور صواريخ “التاو” اﻷمريكيّة في ميدان إدلب دليل أبعد بالمعركة، وكان الإطلاق المكثف لصواريخ “الغراد” الروسيّة القادرة على ضرب قاعدة “حميميم” عنصراً هاماً في المشهد الميدانيّ، الذي يمكن وصفه بغير المسبوق. لتكون القاعدة العسكريّة مجدداً في خطر بعد ظاهرة القصف بطائرات الدروان، والتي لم تستخدم بهذه المرحلة. كما استخدمت الصواريخ المضادة للدروع.
تضغط روسيا على أنقرة عبر التصعيد العسكريّ والتهديد بخلق موجات نزوح واسعة وإشعال خلاف بين الأهالي ونقاط المراقبة التركيّة، لإنجاز الأهداف التي وضعتها للعملية بتسيير يتعلقُ بالدوريات المشتركة، وفتح الطرق الدوليّة، وإنشاء المنطقة المنزوعة السلاح، وتشكيل الهيئة الدستورية، والدفع للقبول بصيغة حلّ سياسيّ وفق المواصفات الروسيّة.
كما تحاول موسكو تهديد الاتحاد اﻷوروبيّ بإمكانيّة ضخِّ دفعاتٍ جديدةٍ من اللاجئين، وبالتالي تفرض على أوروبا الصمت حيال انفرادها بالقضية السوريّة.
وبالتزامن مع رسائل موسكو ترسل أنقرة رسائلها عبر الحدود ولتهدد من جديد بالقيام بعمل عسكريّ شرق الفرات، مستفيدةُ من هامش انفتاح العلاقات مع واشنطن، وذكرت مصادر ألمانيّة أنّه من الممكن أن يلغي أردوغان صفقة الصواريخ الروسيّة إس 400. ولكن؛ ذلك سيعرّض العلاقة الروسيّة التركيّة لهزة عنيفة ولكن لن تنهيها.
مجلس الأمن وازدواجية المعايير
العالم الذي التزم الصمتَ طيلة شهرين من العدوان على عفرين وأكثر من عام على الانتهاكات والجرائم اليوميّة، رفع عقيرته مندداً بالمعركة على إدلب في أول أيامها، رغم معرفته أنّها أضحت مستودع كل الفصائل المسلحة  فشهدت أروقة الأمم المتحدة معركة دبلوماسيّة وعقد مجلسُ الأمن الدوليّ جلسةً طارئة حول سوريا بطلب من بلجيكا وألمانيا والكويت، ودعا السفير الفرنسيّ لدى الأمم المتحدة، فرنسوا ديلاتر، إلى ضرورة “تفادي حلب جديدة بأيّ ثمن في إدلب”، في إشارة إلى استعادة الحكومة السوريّة في أواخر عام 2016 لمدينة حلب بعد معارك دامية. ورأى أنّ تكرار ذلك يعني “كارثة إنسانيّة”، مضيفاً: “كما يعني أيضاً تدميراً لأفق عملية سياسيّة لتسوية النزاع”.
استطاعت روسيا عرقلة إصدار مجلس الأمن الدوليّ بياناً حول إدلب. وذكر نائب الممثل الروسيّ لدى الأمم المتحدة، فلاديمير سافرونكوف، “إنّ خطوةَ بلاده جاءت إثر ـ ما سمّاه- محاولات “تشويه” ما يجري بإدلب، بحسب وكالة “تاس” الروسيّة. وأضاف أنّ على دول الغرب الاعتراف بأنّ مجموعات مسلّحة تابعة لمرتزقة “جبهة النصرة” الإرهابي تنشط بإدلب تحت مسميات مختلفة، وهي الآمر الناهي بالمنطقة. وأكد سافرونكوف أنّ روسيا والولايات المتحدة تواصلان الحوار العملياتيّ عبر قنوات عسكريّة وسياسيّة مهنيّة بشأن الوضع على الأرض بإدلب، داعياً إلى عدم خلق واقع افتراضيّ موازٍ بمجلس الأمن عبر نفي وجود هكذا حوار.
ووصف السفير الألمانيّ كريستوف هوسغن الوضع بالمأساويّ”، مشيراً إلى أنّ ثلاثة ملايين شخص يعيشون بمحافظة ادلب بينهم مليون طفل.
وصرح سفير بلجيكا لدى الأمم المتحدة مارك بكستين للصحفيين قبل الجلسة “سنحصل على تقرير حول الوضع الإنساني (في سوريا) وسنطلب بعد ذلك ضمانات حول اتفاق وقف التصعيد (من روسيا وإيران وتركيا) أنها تقوم بعملها، مع التأكد من أن هناك وقفاً للتصعيد.
أنقرة لم تلزم الصمت حيال متغيرات الميدان في إدلب ونقلت وكالة الأناضول قول وزير الدفاع التركي خلوصي أكار إنّه يتعين على قوات الحكومة السوريّة أن توقف الهجمات في شمال وغرب سوريا، وأن تعود إلى المناطق المذكورة في اتفاق دوليّ تم التوصل إليه في كازاخستان للحد من القتال.
خلال العدوان التركيّ على عفرين لم نسمع بعبارات توصيف الوضع الإنسانيّ ولا الوضع الكارثيّ ولم نجد هذا الحرص الدوليّ على السلم، رغم الفارق الكبير بين إدلب وعفرين والسبب؛ لأنّ المواقف على أساس الحسابات وليس القيم الإنسانيّة.