رضا آلتون: جوهر سياسة أردوغان وحكومته عداءُ العرب والكرد

148
خلال حوار أجرته معه بوابة الأهرام المصريّة قال عضو الهيئة التنفيذيّة في حزب العمال الكردستانيّ ومسؤول لجنة العلاقات الخارجيّة رضا آلتون:» أردوغان حرض الشعوب العربيّة بهدف إحياء الدولة العثمانيّة، ولم تتغير جوهر سياساته الاستعماريّة ضد الشعب العربيّ والكرديّ، وسبب ذهاب أردوغان إلى الانتخابات المبكّرة هو الظفر بالوقت لأنّ كلّ سياساته الخارجيّة والداخليّة وصلت إلى طريق مسدود، وكشف تفاصيل جديدة حول ما يدور خلف الكواليس في تركيا وما يجري من مؤامرات في المنطقة.
-كيف ترون تهديدات أردوغان المستمرة باقتحام قواته شمال العراق بحجة القضاء على حزب العمال الكردستانيّ؟
يجب تقييم تهديدات وهجمات أردوغان وحكومة العدالة والتنمية على منطقة قنديل وشمال العراق في إطار سياساته في منطقة الشرق الأوسط بشكل عام، وليس بشكل مجرّد، وكأنّها حالة منعزلة عنها. في عام 2011 عندما خرجت الشعوب إلى الساحات وخاصة في البلدان العربيّة بمطالب مختلفة، لكنها كانت معقولة، كان أردوغان وحكومته يحرّضون الشعوب العربيّة بهدف إحياء الدولة العثمانيّة من جديد، وعلى هذا الأساس دعم المجموعات الإسلاميّة المتطرفة في مصر وليبيا، وساهم في انتشار التنظيمات كجبهة النصرة وداعش في فترة قصيرة من عام 2014 أيضاً حيث كان دعم أردوغان وحكومته لهم يصبُّ في إطار نفس السياسة التي كان يتبعها أردوغان. وكانت أولوية أردوغان وحكومته في هذه الفترة فرض هيمنتهما على الشرق الأوسط وشمال أفريقيا عن طريق هذه المنظمات وبالقوة، أما هدفه الثاني كان تصفية حركة التحرر الوطنيّة الكرديّة، لكن مع انهيار هذه السياسات في مصر وليبيا، واتخاذ العالم قرار الحرب على المنظمات الإرهابيّة مثل جبهة النصرة وداعش، أفلست كلّ هذه السياسات. وحصل عكس ما تمنّى أردوغان وحكومته لم يتم تصفية الكرد أيضاً، بل على العكس نالوا أدواراً مهمة في الحرب ضد مرتزقة داعش وحصلوا على مكاسب كبيرة، ما أدّى إلى تغيير أردوغان وحكومته لخططهم، فكان تصفية حركة التحرر الكرديّة هو الهدف الأول في مطلع 2015 بينما أصبح فرض الهيمنة على الشرق الأوسط هو الهدف الثاني. في الحقيقة لم تتغير جوهر سياساته الاستعماريّة ضد الشعب العربيّ والكرديّ، ما تغيّر فقط كان التسلسل في الأولوية فقط، كان يريد استهداف العرب أولاً ومن ثم الكرد من عام 2011 حتى عام 2015، ومنذ ذلك الحين أصبح الكرد هم الهدف الأول ومن ثم العرب، فالتهديدات على جبل قنديل بالعراق أو على عفرين بسوريا هي نتاج لهذه السياسات، والهدف هو تصفية الكرد، احتلال أراضٍ سوريّة وعراقية وبقاؤه فيها وفرض الهيمنة على الأراضي العثمانيّة القديمة خطوة بخطوة.
ما رأيكم في صمت الحكومة العراقيّة إزاء تصريحات أردوغان باقتحام الحدود المشتركة مع العراق؟
في الحقيقة، إنّ الحكومة العراقية ليست صامتة حيال الهجمات، حيث صرّح العديد من المسؤولين في الحكومة ومن بينهم رئيس الوزراء بأنّ الهجماتِ هي اعتداء على السيادة والأراضي العراقيّة وبأنّه أمرٌ غير مقبول، والشعب العراقيّ بما فيهم القوى السياسيّة على دراية كاملة بأنّ لأردوغان وحكومته دوراً كبيراً في الأزمة التي يمرّ بها العراق منذ عام 2014، لكن لديهم مشاكلهم الداخليّة وبعض من المعضلات، ولهذا السبب لا يمكنهم التدخل في الأمر بشكل فعليّ، وأن قوات الحكومة المركزيّة العراقيّة غير متواجدة في الأماكن التي توغلت فيها القوات التركيّة أساساً، وأيضاً القضية الكرديّة المعقّدة والاستفتاء الذي جرى في الآونة الأخيرة أقلقت الدولة العراقيّة. لهذا لا تريد مواجهة الدولة التركيّة مباشرة، وترى بأن تمسك العصا من الوسط بين التهديدين التركيّ والكرديّ، فتجدها ضد التهديد التركيّ مع الكرد وضد التهديد الكرديّ مع التركمان، لكن ثمّة خط رفيع جداً على الدولة العراقيّة رؤيته، فتركيا بالذات هي من هيأت الأرضيّة لحركة البارزانيّ في موضوع الانفصال عن العراق، وأُبرم اتفاق النفط معهم بعيداً عن إرادة الحكومة المركزيّة. وتركيا وضعت قواتها العسكريّة في شمالي العراق وعاملتهم كدولة مستقلة تقريباً، تركيا فعلت كلّ هذا لجرِّ الحزب الديمقراطيّ الكردستانيّ، ضد حزب العمال الكردستانيّ والعراق في نفس الوقت، والدولة التركيّة تريد استغلال بعض من الأحزاب الكرديّة من جهة، وتحتل أراضي كردستان العراق من جهة أخرى. وفي كلتا الحالتين تركيا تتبنى سياسة معادية للعراق، فالكرد هم ليسوا الخطر على العراق، بل حكومة العدالة والتنمية وأردوغان هم الخطر عليها بسياساتها العثمانيّة، لهذا يجب على العراق احتضان الكرد في إطار الدستور، كما أن حماية السيادة العراقيّة سيتم بالتوافق بين العرب والكرد معاً.
-ما الذي يحدث على الأرض في الشمال العراقيّ وخصوصاً في منطقة جبل قنديل؟
منذ ثلاثة أشهر والجيش التركيّ توغل في منطقة «برادوست» الواقعة في شمال شرقي العراق والتي تبعد عن قنديل حوالي 70 إلى 80 كم، وخلال هذه الفترة لم تسيطر قوات الجيش التركيّ إلا على بعض من التلال، وقواتنا «الكريلا» الجناح المسلّح لحزب العمال الكردستانيّ تنفّذ عمليات عسكريّة بشكل مستمر على هذه المحاور، وألحقت أضراراً كبيرة بالجيش التركيّ والميليشيات الموالية لها، وتمّ نشر بعض من الفيديوهات عن هذه العمليات، أما بالنسبة لقنديل والمناطق الأخرى فهناك قصف للطائرات عليها بشكل مستمر، ولكن لا توجد أيّ قوة عسكريّة تركيّة فيها.
ما عدد القواعد العسكرية التركيّة في الشمال العراقيّ، وما مدى تأثيرها في الحرب الدائرة بين حزب العمال وقوات أردوغان؟
لدى الدولة التركيّة حوالي 20 قاعدة ومعسكر للقوات العسكريّة والاستخباراتيةّ في شمالي العراق، وتتمركز أغلبها في مناطق مثل بامرنا، وكاني ماسي، وباتوفا، وزاخو، وشيلادزي، وبعشيقة، وبابشين، وهذه المعسكرات وفيها شتى أنواع الأسلحة والمعدات العسكريّة، ويتمّ استخدامها في شتّى العمليات العسكريّة والاستخباراتيّة حتى الآن، وبعض الأحيان يتم استهداف هذه القواعد من قبل قواتنا «الكريلا»، وحتى الآن سياستنا منعت لجر الحرب إلى الأراضي العراقية، لكن استهداف القوات التركيّة عمق الأراضي العراقية سوف يحول هذه القواعد إلى ميدان للاشتباكات بشكل مؤكد.
ما هو تعليقكم على سير العملية الانتخابيّة في تركيا وكيف تقيّمون حظوظ أردوغان؟
« انتخابات 24 يونيو الجاري لها أهمية كبيرة بالنسبة لتركيا والشرق الأوسط، وتشكّل مفترق طرق مهم بالنسبة لهما، لأنّ سياسات أردوغان وحكومته خارجيّاً وداخليّاً خلال السنوات الأخيرة، كانت سبباً في حروب كبيرة وتخندق الأطراف في الشرق الأوسط. ولدى أردوغان وحكومته دور في كلّ الحروب التي جرت في ليبيا، مصر، سوريا والعراق، وكان العائق أمام إيجاد الحلول في سوريا والعراق. وفي الداخل التركيّ يطبق سياسة الاستبداد ضد جميع معارضيه وعلى رأسهم الكرد، وإنَّ صح الكلام فتركيا باتت سجناً مفتوحاً. ولذلك فانتخابات 24 يونيو يُنظر إليها بمثابة فرصة للخلاص من هذا الوضع، وجزءٌ كبيرٌ من المجتمع بات يحسّ بالمشاكل التي تعترض حياتهم اليوميّة نتيجة سياسات حكومة أردوغان الخاطئة خارجيّاً وداخليّاً، لهذا يلاحظ أن الكثيرين من الشعب التركيّ يريدون التخلص من أردوغان وحزبه، أردوغان يخاطب مشاعر الناس ويرهبهم ويخيفهم إن لم ينجح بأن البلاد ستتجه نحو المجهول، في انتخابات 2015 خاطب أردوغان الشعب واستمرّ بهذا الخطاب حتى الآن، الشعب لا يريد أن يعيش مع المخاوف بعد الآن بل يريد السير نحو الأمل.
ما تقييمكم لفرص صلاح الدين ديمرتاش في الانتخابات وإذا ما فاز في الانتخابات سيبقى خلف القضبان؟
الوضع معقّد وشائك وغير واضح في الانتخابات التركيّة، هناك مطالبٌ كبيرة من الشعب للتخلص من أردوغان وحزب العدالة والتنمية، وصلاح الدين ديمرتاش يملك شعبيّة كبيرة من فئات عديدة من الشعب، ولديه دعم كبير وقوي يخوله للبقاء للجولة الثانية.
-ما سبب تعجيل أردوغان بالانتخابات الرئاسية في تركيا؟
سبب ذهاب أردوغان إلى الانتخابات المبكرة هو الخوف من الغد الآني والأوضاع الداخلية التي تسوء يوماً بعد يوم، لأن كل سياساته الخارجية والداخلية وصلت إلى طريق مسدود، حيث تشتت المجتمع بشكل كبير جداً في الداخل، وفي حال عدم إجراء أي تغييرات على هذه الحالة لا مفر من الصراعات والنزاعات الخطيرة في المجتمع، كما أن سياسة الحروب والتلاعب التجاريّ أدت بالاقتصاد التركيّ إلى نقطة الإفلاس، ولتفادي هذه الأزمة الاقتصادية سيضطر لتطبيق سياسة رفع الضرائب والضغط على الشعب. وفي السياسة الخارجية وخاصة في سوريا بات منحصراً بين روسيا والولايات الأمريكية المتحدة، وعليه أن يختار أين مكانه خاصة في إدلب، وعفرين والباب وجرابلس، كل هذه المسائل ستكون سبباً لتضييق الخناق على أردوغان بشكل جدي. لذا قرر خوض الانتخابات المبكرة لتوطيد وتأمين سلطته أولاً ومن ثم الاستمرار بسياساته القديمة من جديد، لأن التعامل مع المجتمع وحلفائه بالشكل الحالي لسياساته ستشوه علاقته بهم أكثر بكثير مما هو عليه الآن، ومن الصعب جداً على أردوغان العثور على حلفاء جدد يثقون به.
-ما مدى قوة الصوت الكردي في الانتخابات التركيّة المقبلة؟
نسبة أصوات الكرد في تركيا تزيد عن 20% تقريباً، وهناك ضغوطات كبيرة على الكرد من قبل الدولة، فنظام الحكم هو نظام فاشيّ إلى أبعد الحدود، حيث تمّ إقصاء 103 من الرؤساء المشتركين للبلديات المنتخبين من الكرد من مناصبهم وتمّ الزج بهم في السجون. كما إنّ النواب الكرد معتقلون في سجون الدولة، مع قرابة 10 آلاف سياسيّ كرديّ، ولا شكَّ بأنّ كلّ هذه الضغوطات تؤثّر سلباً على الكرد ونتائج الصناديق، لكن بالرغم من كل هذا ما يزال الكرد يقاومون ويدافعون عن إرادتهم بقوة.
هل سيكون بمقدور أردوغان انتشال الاقتصاد التركيّ من الغرق خصوصاً بعد فقدانه الأسواق العربية بسبب مواقفه العدائية؟
المشاكل الاقتصاديّة في تركيا عميقة وبنيوية، لأن اقتصاد تركيا متوقف على الإنتاج، وكان الإنتاج يتزايد عن طريق السيولة المالية التي كانت تدخل تركيا، هذا ما كان يجعل من المنتجين يشعرون بالأمن والاستقرار، لكن الاشتباكات التي دخلت فيها تركيا داخليّاً وخارجيّاً قضت على هذا الأمن والاستقرار المحدودين. وسياسات الحروب ومشاريع البناء الميتة أدّت إلى نكسة كبيرة في الاقتصاد التركيّ، ولك أن تعلم أن تركيا التي كانت بلد الزراعة والموارد الحيوانيّة أصبحت تستورد القمح والشعير وكلّ شيء من الخارج، باختصار تحسن الوضع الاقتصاديّ في تركيا من جديد يتطلب مرحلة طويلة الأمد.
هل ترون في الأفق ما ينهي معاناة الشعب الكرديّ؟
يجب توضيح هذه النقطة تحديدًا فليس مهماً إن فاز أردوغان في الانتخابات أو خسرها، لأن تحرر الكرد بات قريباً وليس ببعيد، وفي حال إصرار أردوغان في سياساته هذه، فإن تركيا ستشهد تصدعات وانكسارات كبيرة في مشاكلها الداخلية والخارجية. وحال الدولة التركيّة التي كانت للبعض بمثابة الدولة النموذجيّة في الشرق الأوسط، قبل 10 أعوام والرئيس النموذجيّ، باتت مكشوفة وواضحة ومفضوحة، والعداء مع الكرد والحرب عليهم أوصل أردوغان إلى هذه الحال، لهذا، فإن اختياره لنفس الأساليب الخاطئة سوف يؤدّي به إلى النتائج التي ستؤثر بشكلٍ كبير على مستقبل السياسة في تركيا.