استثمار الإرهاب بين التدافع والتنافع

76
تحقيق/ رامان آزاد –

مازال الميدانُ السوريّ مسرحاً يعتليه اللاعبون الكبارُ ويفرضون إيقاعُهم، فيما يرتفع ضجيج الممثلين الثانويين (الكومبارس) وهم مجردُ أدواتٍ مكملةٍ للدورِ الرئيسيّ، وقرابين المحرقة لجهة العددِ الكبير للمغرر بهم دينيّاً وفكريّاً فانسلخوا عن إنسانيتهم، كما يتم استثمار الحقد الدفين الذي تكتنزه صدور البعض لغايات سياسيّة.
عفرين قربانُ التخادم والتنافع
برز الدور الروسيّ خلال الأحداث في سوريا بفاعليّةٍ كبيرةٍ بعدما كان غائباً لأكثرِ من عقدين من الزمن؛ نتيجة انهيار الاتحاد السوفييتيّ، ما وضّح الصورة الحقيقيّة لروسيا، والتي لم تدركها كثير من شعوب العالم، وكانت الصورة المتداولة عنها أنّها داعية سلام وداعمة لحق الشعوب بتقرير مصيرها.
لا تتوافق الصورة النمطيّة عن روسيا، مع الاحتلال السوفييتيّ لأفغانستان، ولا حقيقة سياستها في جورجيا وأحداث شرق أوكرانيا، ولا حتى بأسلوب التعاطي مع المسائل الداخليّة، فموسكو ترجّح الحل العسكريّ وفرض القوة، ما يثبتها قوةً استعماريّة وطاغية وحتى احتلال، وقد انتقلت من ضفة محاربة الإرهاب إلى استثماره، وكانت تتخفى وراء شعارات مقاومة الهيمنة والاستعمار الغربيّ لكسب تأييد الشعوب الضعيفة. وهي لا تختلف عنه بشيء، وتاريخها الاستعماريّ لا يخفى على أحدٍ من شعوبها، فقد غزت جورجيا واقتطعت منها أجزاء وضمتها لأراضيها، كما شجّعت انفصال أبخازيا عن جورجيا ودعمت وسلحت الانفصال، منها كما دعمت الانفصال شرق أوكرانيا وضمّت شبه جزيرة القرم التابعة لأوكرانيا، ولازالت الذاكرة الكرديّة تحفظ دور موسكو بإنهاء جمهورية مهاباد وكردستان الحمراء.
سقط القناعُ الذي تتسترُ به روسيا اليوم، مع علاقتها المستغرقة في الانتهازيّة مع أنقرة الاستعماريّة، وثبُتَ أنّها تسعى لبسط نفوذها وصياغة علاقة التشبيك البريّ في سياق تبنيها للنظرية الأوراسيّة، وكان يُفترضُ أن يكون دورها لصالح الشعب السوري ككلّ بمختلف مكوّناته وانتماءاته لا الميل لطرف رغبة لمصالحها وفق الصورة النمطيّة وشعار وحدة الأراضي السوريّة الذي على أساسه تدخلت في سوريا.

كان الكرد أكثر المتضررين من النهجِ الروسيّ في سوريا، رغم أنّها في بدايةِ الأزمةِ كانت منفتحةً على الكردِ وقضيتهم. واستغلت موسكو العنوان الكرديّ لاستفزاز أنقرة، فهرول أردوغان إلى أعتاب الكرملين يقدّمُ الاعتذارَ إليها بعد جرأته عليه وإسقاط المقاتلة واغتيال السفير، ولكن النظرة الروسيّة تغيّرت تجاه الكرد ووجدت أنّ مصالحها تقع على الضفة الأخرى للبحر الأسود عبر التقارب مع أنقرة. وكان يُفترض أن تلعب موسكو دوراً إيجابيّاً يتناسب مع حجمها ومكانتها وأن تتفهّم واقع المسألة الكرديّة ومطالبهم، ليكتشفوا الحقيقة المغايرة. وإذا كانت الدول تتوافق فيما بينها على أساس تبادل المصالح والتنازل أو المنح، فإنّ موسكو اعتمدتِ مبدأ التنافع والتخادم لاستدراج أنقرة، ومنحت ما لا تملك لأنقرة. واتفقت معها على حسابٍ قضية شعب وسهّلت الغزو التركيّ لعفرين وكأنّها إحدى مناطق لخفضِ التصعيد وهي الخطوةُ الأولى للغزو. فكانت النتيجة تحوّلُ أكثر المناطق استقراراً وأمناً إلى بؤرة توتر، وتحوّل المواطنين الآمنين إلى مشردين، فعفرين كانت تختلف عن باقي المناطق السوريّة التي كانت ميادين صراعٍ دمويّ، وكان إنشاء مناطق خفض التوتر ابتداعاً روسيّاً حصريّاً للسيطرة.
أعطت موسكو الضوء الأخضر الروسيّ ببدء الغزو، بسحب قوة المراقبة الرمزيّة من عفرين؛ فكان الغزو بعد أقل من 48 ساعة. وتعمدت وسائل الإعلام الروسيّة التعتيم على الحدث، فيما وسائل الإعلام المحليّة مع المسألة وكأنّ الغزو هي لقطعة أرض بدولة أخرى. وسعت روسيا للضغط على الإدارة الذاتيّة وإظهار الأمر وكأنّه رفص لتسليم المنطقة عبر فرض شروط تعجيزيّة غير واقعيّة وطلب تسليم السلاح وعودة النظام في ذروة الحرب والغزو. وسعت للحؤول دون وصول قوات نظاميّة إلى المنطقة لتقوم بدورها المُناط بها دستوريّاً ووطنيّاً، بعد توافقِ الإدارةِ الذاتيّة مع دمشق، وكان ذلك من شأنه أن يؤدي لخلق فرصة للحوار الوطنيّ، فكانت النتيجة أن حدث ما أرادته روسيا وقبضت أنقرة الثمن.
تمّ تهجير الآلاف من السكان، وإفراغ القرى بأكملها وإحداث تغيير ديمغرافيّ باستجلاب الآلاف من مسلحي المعارضة المسلّحة وعوائلهم إلى المنطقة ومنع عودة المهجربن، وأُطلقت يد المجموعات المسلحة لتعيث فساداً وارتكبت انتهاكات فظيعة بحق السكان الأصليين وما تزال هذه الانتهاكات مستمرّةً بعد أكثر من عام من الاحتلال فيما تواصل موسكو تجاهلها لوقائع الأحداث والانتهاكات اليوميّة.
 التدخل الخارجيّ عمّق الأزمة
منذ بداية الأزمة السورية، والكل يريد الاستثمار بالدماء السوريّة من تركيا وإيران وروسيا وبعض دول النفط الخليجيّة وأمريكا، وليبقى السوريون هم الخاسرون الوحيدون. تركيا كان لها النصيب الأكبر والدور الأبرز في الأزمة فهي كانت مصدر الإرهاب بكل أشكاله واستثمرت فيه ولا تزال. فكان استقطاب الأقليات الهاربة والمضطهدة وتحويلهم لمقاتلين جزءاً من هذا الاستثمار، وقد سخرت أنقرة الإيغور الفارين من اضطهاد حكومة بكين فحوّلتهم لخدمة غاياتها وسياساتها، وتلك ليست جديدة، فقد حدث ذلك مع الشركس وباقي الأقليات القوقازيّة الهاربة من بطش واضطهاد القياصرة، فيما استغلت إيران الأفغان اللاجئين من أهوال الحرب الأهليّة في بلادهم فاستقطبتهم وقدمت لهم مغرياتٍ وشجّعتهم على الانضواء في لواء الفاطميين الذي يقاتل في سوريا، في إعادة لما قامت به بالعراق بإنشاء ميليشيات موالية لها باسم مقاومة الاحتلال، وبعضها موجودٌ في سوريا وانضم إليها أبناء العشائر، وأما الروسيّ وبعد إنشائه مناطق خفض التوتر وأجرى المصالحاتِ، فقد جمع المسلحين الذين سلموا أنفسهم ضمن نطاق الفيلق الخامس. وأما دول الخليج فكانتِ المموّل الرئيسيّ، عدا انضمام كثيرٍ من رعاياها للقتال في سوريا تحت عناوين مذهبيّة تكفيريّة، واليوم وبعد تحرير الباغوز؛ فإنّ من أهم المشكلات عدم قبول الدول بعودة رعاياها الإرهابيين.
الأمريكيّ براغماتيّ له ثوابته إلا أنّه يغيّر تكتيكه وفق متغيرات الموقف. فيما لم يتدخل الروسيّ في سوريا إلا لغاية واحدة وهي مصالحه والتي تطلبت تثبيت قدمي النظام، وهو بعد أن رسّخ نفوذه سعى لإضعاف الدور الأمريكيّ والإيراني ويطالب بإخراجهما من الساحة السوريّة بالتقارب مع تركيا وصولاً إلى اتفاق الشراكة مع تركيا، باعتبارها أهم بالنسبة من سوريا والدماء التي أريقت وهي بيضة القبّان في معادلة التوازن في المنطقة وبذلك أطلقت اليد التركيّة في سوريا وأعطت الضوء الأخضر بالعدوان على عفرين قرباناً لمصالحها وعقدت معها صفقة منظومة الصواريخ إس 400 الأحدث على مستوى العالم، متطلعة إلى إحداث خرقٍ بحلف الشمال الأطلسي.
شيطنةُ الغربِ وتحديداً أمريكا كانت جزءاً مهماً من ثقافة شعوبِ المنطقة، لجهة تدخلها في بلدان العالم من خلال أذرعها الأخطبوطيّة المتمثلة بالأسطول البحريّ وحاملات الطائرات والغواصات والسفن الحربيّة. إلا أنّ التوصيف يجب ألا يقتصر عليها، فهناك من ينافس الأمريكيّ ويسعى للتربع على عرشه بالمنطقة، إنّها روسيا التي يصدقُ فيها توصيف العفريت الأخرس. وإذا كان الأمريكيّ يتحركُ عبر أذرعه وهو وراء طرف آخر من الكرة الأرضيّة. فإنّ روسيا موجودة بجسمها، وباتت أخطر من الغرب؛ لأنّها دائمة الوجود بالمنطقة، أما الآخر فبمجرد أيّة انتكاسة أو فشل في المنطقة يرحل، والعراق نموذج ذلك.
ضمن هذا السجال العقيم وانسداد آفاق الحلّ والتنافس بين القوى الدوليّة والإقليميّة، نجد ثمّة مفارقة، فالجميع له مخاوفه من الإرهاب ووصوله إلى بلده. ولكنهم؛ توافقوا باتخاذ موقف الصمت إزاء عدوان الإرهاب على عفرين، ما طرح الأسئلة بالجملة، وبعد أكثر من عامٍ من العدوان جاء الردُّ على الأسئلة دفعة واحدة، عبر صناديق الاقتراع في الانتخابات البلديّة وخسارة أردوغان كبرى المدن، ووقتها فقط صدر بيان مشترك من وزراء خارجيّة الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا ومصر وألمانيا والأردن والسعودية قالوا فيه إنّ ما يحدث الآن في شمال سوريا وفي مدينة عفرين من انتهاكات تركيّة جرائم بحق الكرد. وذلك بالتوازي مع تخيير وزير الدفاع الأمريكي مايك بنس أنقرة بين إتمام صفقة الصواريخ الروسيّة أو عضويّة الناتو.
بدأت الأزمة السوريّة بالشحن المذهبيّ والقوميّ ودفع مجاميع المرتزقة للاقتتال، وليصبح الإرهاب مادة التوافق وتبادل المنفعة، ومازالت عملية الفرز وإعادة التموضع مستمرة بالنسبة للدول وفقاً لمتغيرات الميدان السوريّ والتنافس حولها، ولذلك تمّ تجميد ملف إدلب لإرجاء النقاش حول عفرين وباقي المناطق المحتلة، ولكن الحتميّة التاريخيّة تؤكّد أنّ كلَّ احتلالٍ إلى زوال مادام هناك شعبٌ يرفضُه ويقاومُه، فيما الحلّ النهائيّ يصنعه السوريون عبر الحوار الوطنيّ.