كيف نفهمُ الحدثَ السياسيّ؟!

73
تقرير/ رامان آزاد –

لم تعد معرفة قضايا السياسة ترفاً عبثيّاً، بعدما باتت تحكمُ كلَّ تفاصيلِ الحياةِ، فأصبحت ضرورة عامة، ولم تعد حكراً على رجل السياسة والمهتمين بالشأن السياسيّ، بل أضحت مسألة مهمةً في حياتنا، فمصيرُ الناس متعلقٌ بقراراتِ السياسةِ ومتغيراتها، ولا تخرجُ الحروبُ عن هذا السياق فهي قرارٌ سياسيّ، وبوابةُ فهمِ السياسة وشؤونها هي التحليل السياسيّ.
السياسة ميدانٌ دأبُه التغيّرُ لا يثبتُ على حالٍ، ولطالما قالوا إنّ عدوَ اليومَ كان صديقَ الأمس، ولعلَّ الصديقَ ينقلبُ عدواً، ولذلك يصعُبُ فهمُ الظاهرةِ السياسيّةِ. وفي عالمٍ اُختزلت فيه المسافاتُ وأصبحتِ العلاقةُ بين الأحداثِ أكثر ترابطاً، لا مجالَ للحديثِ عن بعد جغرافيّ، فقد يقعُ حدثٌ ببلدٍ وتتجاوزُ تداعياته ونتائجه حدود الدول، فتحطمُ برجي التجارة بنيويورك مثلاً تسببَ بمعاناة الشعب الأفغاني والعراقيّ. وليس لأحدٍ أن يتوقع أنّه بمنأى عن آثار السياسة، ورُبّ حدثٍ يتسببُ باعتقال أشخاص من الجنسيّة نفسها على سبيل الشبهة.
ما هو التحليلِ السياسيّ؟
الأمرُ في السياسةِ معقدٌ جداً، يستدعي العملُ فيها خوضَ سجالاتٍ أقربَ للمعاركِ، ويجبُ إعدادُ العدّةِ لها والدرايةِ بمتغيراتِها وانقلابِ أحوالها من تغيّرِ التحالفاتِ وتدهورِ العلاقاتِ، واندلاعِ الحروبِ، فيما تلعبُ وسائل الإعلامِ دوراً مهماً بالظاهرةِ السياسيّة ليس على مستوى نقل الخبر والحدث، بل في صناعته أيضاً، وبالتالي فهي متداخلةٌ في صميمِ العملِ السياسيّ، وكثيرٌ من حوادث السياسة لا أثرَ واضح له بالواقع، إلا أن يكونَ لمجرّدِ الدعاية والإعلان وتغيير توجّهات الرأي قبيل الانتخاب أو للتعبئة الجماهيريّة، ما يصعّبُ معرفةَ حقيقةِ الحدثِ.
التحليلُ السياسيّ فرعٌ مهمٌ من علم السياسة، يهتم له السياسيّون ومتابعو الشأن السياسيّ ويُعرّف بأنّه عمليّةٌ حسابيّةٌ لمعرفةِ الواقعِ بتفكيكِ مواضيعِ محاور قضية أو حدث ما، بعد تحديد المسائل المؤثّرة والأسباب، أيّ عمليّة نظريّة للتوصّل إلى يقينٍ عمليّ استناداً لمعرفةِ العلاقاتِ المتبادلةِ بين عناصرِ المشهدِ (الحدث) لفهمِه بصورةٍ صحيحةٍ. ويعتبر سبيلَ تطويرِ نهجٍ استراتيجي يربط بينُ علوم السياسة وعالمها المعقّد، ويتطلبُ تصنيفَ الجهاتِ الفاعلةِ الرئيسيةِ بالمجتمعِ وتحديدَ طريقة ومدى تأثيرها، وأسلوبها باتخاذِ القراراتِ ووضعِ الخطط والاستراتيجيات لتحقيقِ أهدافها، وكيفية استيعابِ الأحداثِ وردّاتِ الفعلِ المحتملةِ.
والتحليلَ السياسيّ تحقيقٌ معمقٌ وبحثٌ في أسبابِ الظاهرةِ السياسيّة وتفاعلِ أطراف السجالِ أو الصراع ونتائجه المحتملة بطريقة موضوعيّة صحيحة وقراءة استراتيجية، للإجابةِ عن الأسئلة الحقيقيّة المطروحة، وتميّزها عن الأسئلة الافتراضية التي تُطرحُ على سبيل المشاغلة أو الإلهاء، وبالتالي هي محاولة الوصولِ لدرجة من اليقينِ في عالمِ السياسةِ غير اليقينيّ، والأهمية للمنهج أكثر من النتيجة.
يتمّ عبر التحليلِ السياسيّ تقييمُ الظواهر والأحداث السياسيّة محليّاً وإقليميّاً وعالميّاً، وإدراكُ الموضوع والمؤثرات فيها (الدوليّة، الإقليميّة، والمحليّة الداخليّة) وكذلك الاقتصاديّة والاجتماعية ومعرفة المتغيرات فيها ونقاط القوة والضعف فيها، بتفكيكَ محاورِ الموضوعِ بعد طرح الأسئلة المتعلقة بها ومن ثم ربط النتائج تحت سقف الهدفِ من التحليل. أي عملية تجميع للمعطيات بعد ملاحظة المسائل المطلوبة وتجميع تفاصيلِ الصورةِ المبعثرة.
يتطلبُ التحليلُ السياسيّ فهمَ الواقعِ السياسيّ للبلد وعلاقته بمجملِ السياسة الدولّية. فالتحليلُ ليس مجرّدَ شرحٍ للأوضاعِ فقط، بل فهمٌ لما يحدثُ ومعرفة الأسبابِ والدوافع وراءه، ووفقاً لذلك يمكن تصوّر ما سيقع في المستقبلِ، والتوصل لرأي يساعدُ لاتخاذِ قرارٍ لحلّ مشكلةٍ أو فهم ظاهرة لها أهميّة سياسيّة بالمجتمع. ويتضمنُ البحثَ في الاحتمالاتِ الممكنة لمساراتِ الأحداث والتفاعلات بين القوى السياسيّة (دولاً وأحزاباً وجماعاتٍ) وإيجاد تفسيرٍ علميّ واضحٍ لنوعِ العلاقات والتأثير المتبادل بين تلك القوى السياسيّة.
تأتي أهميّة التحليلِ السياسيّ نظراً لتداخل الحوادث وصعوبة الفرز بين الأسباب، عندما يكتنف الضبابُ المشهدَ فلا تتضح معالمه. ولأنّ العمل السياسيّ لا يخضع للمعايير الأخلاقيّة لا يمكن قياسُ عدالته موضوعيّاً. ليبقى ميدان اختبار الكفاءةِ وفق معايير الصالح العام، ولا سقفَ محدّد لتنوع السلوك السياسيّ. وبالمجمل لا يوجد عملٌ سياسيٌّ مطلقُ الضمانة لاتخاذ قرار مناسب بشأنه.
نسبيّة الرؤية والعوامل المؤثرة
يعتقدُ كثيرون أنّ ثمّة نتائجَ ثابتة لتقييمِ الحادثة السياسيّة وتكونُ محلّ توافقِ عام، ولكن ذلك محضُّ افتراض، فالرؤية نسبيّة تختلفُ بين الأفراد والجماعات والدول، ويمكنُ طرحُ قرار الرئيس الأمريكيّ سحب قوات بلاده من سوريا مثالاً توضيحيّاً، فالمتحدثُ هو الرئيس الأمريكيّ وليس مسؤول متأخر بتراتبيّةِ المنصبِ، ويملكُ فعلاً إمكانيّةَ القرارِ، ولكن هذا الكلام نظريّ، يتجاهلُ موقفَ القوى الفاعلة بالقرار الأمريكيّ والتناقضات بينها (البنتاغون والكونغرس، البيت الأبيض)، وطبيعةِ السياسة البراغماتيّة التي تتبعها واشنطن ولا تتغيّر بتغيّر الرئيس، وكذلك أسلوب الأداء السياسيّ للرئيس الأمريكيّ ومقارنتها بوعوده الانتخابيّة وخطابِه الشعبويّ.
قرارُ الانسحابُ الأمريكيّ متغيّر سياسيّ مهمٌ، وليُطرح السؤالُ هل غيّرت واشنطن فعلاً سياستَها بالشرقِ الأوسط وسوريا؟ وما البدائلُ المطروحة؟ ما الموقف المتوقعُ من حلفائها الأوروبيين والإقليميين؟ وما موقف موسكو الضالعة بالقضية السوريّة بثقل عسكريّ نوعيّ وتقودُ المباحثات السياسيّة حولها؟ لدى الإجابة على هذه الأسئلة يجب وضعُ السياسةِ الأمريكيّة العامة بالاعتبارِ وحرصها على مصالحها، وكذلك موقفها تجاه إيران وهاجسِ منعِ تمدّدِ نفوذها، وهذه الاعتبارات تجعل المتابع يتوقعُ تراجعاً أمريكيّاً عن القرار، إذ لا تسمحُ واشنطن بأن يتجاوزَ الدورُ التركيّ بتدخله العسكريّ الدورَ الأمريكيّ نفسه. فما تريده واشنطن هو الحدُّ من النفوذِ الإيرانيّ وليس استبداله بنفوذٍ تركيّ. ولكنها؛ بالوقتِ نفسه مضطرةٌ لاستيعابِ العربدةِ التركيّةِ بسببِ سياسةِ موسكو وتقاربها مع أنقرة.
ومن الأمثلة الاختلافُ الكبير حول الحدثِ السوريّ، فقسمٌ من السوريين يتمسّكُ بنظريّةِ المؤامرةِ الكونيّة ويُسقِطُ الاعتبارَ عمن لا يوافقه ويكيلُ لهم تهم الإرهاب أو العمالة، فيما يعاند آخرون ويرفعون شعارَ الثورةِ حتى بعد استهلاكه مستغرقين بالفتنة الطائفيّة وقد تحوّلوا لأداةٍ بيدِ الدولِ الإقليميّة، فيما يعتبر فريق آخر أنّ الحاجةَ ملحّةٌ لمراجعةِ تفاصيل الحياةِ عبر حوارٍ وطنيّ وتبنّي الديمقراطيّة حلاً شاملاً لمعضلاتِ اليوم وتصحيحاً لأخطاء الماضي. ووفقاً لهذه الاعتبارات يفسّرُ كلّ طرفٍ مجرياتِ الحدثِ السّوريّ.
وفي مثال ثالثٍ نجد أنّ وكالة سبوتنيك الروسيّة الإخباريّة تقدّمُ تفسيراتٍ مغرضةٍ وغير واقعيّةٍ عن العمليات العسكريّة لقوات سوريا الديمقراطيّة، وآخرها تلفيقُ خبر عن عملية اغتيال شخصٍ قالت إنّه ينتمي لاستخبارات قسد، والهدف إحداث البلبلة والترويج لاضطرابٍ أمنيّ مفترض، كما فعلت قناة BBC البريطانيّة بتلفيق التقارير، وبذلك فالاستنتاجُ سيكون خاطئاً أيّاً كان أسلوب التحليل السياسيّ إلا أن نتوصل إلى أنّ الخبر مختلق وغير صحيح.
وفي مثال إضافيّ نجدُ بين الفترةِ والأخرى أخباراً عن المظاهراتِ في شوارعِ المدنِ الإيرانيّةِ، ولكن الإعلامِ السعوديّ يراها بعين المذهبيّة فقط، ويستندُ لمواقفَ أوليّةٍ تفتقر للموضوعيّة. ولكن؛ ثمّة عوامل تعيقُ فهمَ الأحداثِ وتفسيرها وتتسبب مواقفَ أوليّة إزاءه وأهمها:
الأيديولوجيا: فوصفُ الآخرين بالأعداء والأصدقاء يخضعُ لأيديولوجيا معينة، وكذلك الأحداث، وقد تختلف توصيفاتُ العمل المسلح فيكون مقاومة أو إرهاباً أو جهاداً. ولا يخرجُ توصيفُ المؤامرةِ والثورةِ عن هذا السياق. ووفقاً للأيديولوجيا أيضاً؛ نجد صراعاً يُفسّرُ بالتناقضِ الطبقيّ أو الخلاف العقائديّ الدينيّ المذهبيّ أو السياسيّ الحزبيّ.
الانتماء القوميّ: البعضُ لا يغادر موقع الانتماء القوميّ بتحليلِ الظاهرةِ أو الحدث السياسيّ، ويعتبر الاختلافَ القوميّ جوهرَ الصراع، فهو منغلق على انتمائه القوميّ وعلى أساسه يوجّه تهمَ الانفصال والتقسيم والخيانة والعمالة للمكوّنات الأقل عدداً والمطالبة بالحقوق والشراكة الوطنيّة، ويعتبر أنّ المحصلةَ النهائيّة للتاريخ هي حصيلةُ تراكماتِ التنافسِ والنزاعِ بين القومياتِ. كما توجد عوامل أخرى تؤثر في تفسيرِ الحدث السياسيّ ومنها قلة المصادر والتزوير والارتجال وقصورُ التجربةِ والعامل العاطفيّ والضغوط العامة.
أما الموضوعيّة؛ فتتطلبُ تقصّيَ الخبر من الواقعِ واعتباره المصدرَ دون ميلٍ لطرفٍ محددٍ، أو تبنّي عاملٍ محددٍ معياراً لفهمِ الحدثِ السياسيّ، ويستندُ إلى جملةِ العواملِ الواقعيّة بنسبيّةٍ حقيقيّةٍ.
أسئلةٌ يجبُ الإجابة عليها
جملة من الأسئلةِ يجبُ الإجابة عليها بمرحلة التحليل التجريبيّ وفق النموذج النظريّ محدّد مثل من؟ ماذا؟ متى؟ لماذا؟ العوامل الفاعلة؟ العوامل المشتركة بين بؤر التوتر؟ من لديه القوة وإمكانية القرار؟ المصالح المشتركة والمتناقضة بكلّ أنواعها؟ الصفقات المحتملة؟ التحالفات؟ قضايا الأمن؟ الموقع الجغرافيّ وممرات العبور؟ الموارد الاقتصاديّة والبشريّة؟ التركيبة الديمغرافيّة والعرقيّة؟ التوجهات الدينيّة والمذهبيّة؟ الحوافز والضغوطات وحالات الاحتقان؟ الحاجات النفسيّة والاجتماعية؟ المستفيدون والمتضررون؟ من يدفع الثمن؟ البدائل المطروحة؟ التأثيرات السلبيّة أو الإيجابيّة؟
تركّز معظمُ الرؤى النظريّة على أنّ التحليلَ السياسيّ يجب أن يجيب على سؤالين هما: ماذا ولماذا؟ وتتجاهل أسئلة من قبيل متى وكيف؟ فتوقيتُ الحدثِ مهمٌ جداً. وفي استعادة إجماليّة للربيع العربيّ والحديثِ عن الحريات والحقوقِ والمطالب الشعبيّة، نجد شُبهةً واضحةً حول التوقيتِ، فالمجتمعاتُ العربيّة تعيش واقعِ التهميش والتغييب منذ عقود، والفسادُ الإداريّ ليس وليدَ الحاضر، وهناك تراكماتٌ كثيرةٌ بعضها راهنٌ والآخر قديمٌ، ولكن تراكمات أكثر قدماً اُستحضرت عبر الخلافاتِ الإسلاميّةِ التاريخيّة، فإذا كانت شروط الثورة الموضوعيّة متوفرة منذ عقود طويلة فلماذا تأخرت حتى الآن؟
أما كيف؟ فيتعلقُ بصورةِ إنجاز الحدث، (التفاوض، التسوية، الحرب، الحصار والعقوبات الاقتصاديّ والمضاربة والمقاطعة، الإعلام وتصعيد المواقف السياسيّة، التهديد العسكريّ والصراع المسلح) في بعض الحالات الكيفيّة لها أولوية، وربما يتم إرجاء حدثٍ معين لوقتٍ آخر أكثر ملاءمة بسبب تكلفته الباهظة مثلاً.
 لا يمكنُ تصوّر تحليلٍ سياسيّ سليمٍ لا يجيب على السؤالين ماذا ولماذا: ماذا؟ يعني توصيفَ الحدث يعني الفهمَ الدقيقَ لمسارِ الأحداثِ، والإجابةِ على سؤالٍ ماذا حدث؟ ويتطلب البحث المعمق بالحدثِ السياسيّ وتجاوزِ حدِّ المعرفة السطحيّة، فقد يحتملُ الحدثُ السياسيّ أكثر من معنى، ويكون ظاهره مختلفاً عن باطنه. وليس المقصودُ بمسار الحدث اللحظة الراهنة، أو صورته الأخيرة، بل المقصودُ المعرفة والإلمام بالجزء التاريخيّ، (ربط الماضي بالحاضر وتوقّع المستقبل) لربط المقدماتِ بالنتائج، وملاحظةِ الوقائع الراهنة ذات الارتباط، إضافة لإدراك طبيعةِ الشخصيات والدول الفاعلة ذات العلاقة بالحدث أو الظاهرة. بعبارة أخرى فهمُ مسارِ الأحداث بدقة وإدراك دوافعها والإجابة عن الأسئلة المطروحة يتطلبُ استعراضاً للحدث تاريخيّاً وراهناً وإدراك طبيعة الأطراف ذات الصلة.
لماذا؟ يعني إدراك أسباب الحدث وهنا لا نتوقفُ عند مجرّدِ دوافعِ الظاهرةِ فقط، بل البحثُ عن الأسبابِ غير الظاهرة والتي لا يدركها العامة. فالإدراك مرحلة تتجاوزُ مرحلةَ العلمِ والمعرفةِ ومجرد توصيف الحدث، وفي هذه المرحلة يُدركُ الحدثُ على نحو من الشمول والإحاطة بالأسبابِ والدوافع الممكنةِ والمحتملة وعدم الركون إلى بعضها فقط.
لا تحليل للحدث السياسيّ دون معلومات. لذلك؛ يجب تأكيد طبيعة المصادر التي نستقي منها المعلومات ودرجة موثوقيّتها، وتقاطعها من مصادر مختلفة وعدم الاستخفاف بالمعلومات الهامشيّة، فكثيراً ما يناور السياسيون فيتحفظون على الحقائق، ولكن ثمّة معلومات هامشيّة تكون مؤشرات لطبيعةِ الحدث، كما أنّ المعلومات التي تصدر عن مراكز الدراسات والأبحاث لها أهميّة خاصة فهي غير مستقلة وترتبط بصناع القرار ويتمُّ تمرير بعضِ الأفكار عن طريقها دون أن تأخذ توصيفِ القرار الرسميّ.
النموذج النظريّ والمنهج التجريبيّ
التوصلُ إلى نتيجةٍ خاطئةٍ بمنهجٍ صحيحٍ أفضلُ من التوصّلِ إلى نتيجة صحيحةٍ بطريقةٍ خاطئةٍ. وأولى خطواتِ تحليلِ المشهد السياسيّ اختيارُ نموذجٍ نظريّ يتوافقَ مع الظاهرةِ السياسيّة بالتعقيدِ والنقدِ والتجديد، وتطبيقُ معاييرٍ مناسبةٍ. ويركّز نموذج التحليل النظريّ على معرفةِ توجّهِ بوصلةِ القوةِ في سياقِ الظاهرةِ السياسيّةِ ومعرفةِ اللاعبين السياسيّين ومضمونِ الخطاب السياسيّ (تصعيديّ عدائيّ، هادئ تصالحيّ، متوازن حياديّ) وفكرة السياق العام. فالحدثُ السياسيّ لا يمكن فهمه إلا ضمن سياقه الواقعيّ. ويمكن التوقف لدى نموذج الخطاب السياسيّ في سوريا بعد انحسار الإرهاب إذ يفترضُ ارتفاعِ الأصوات لصالح الحوار الوطنيّ والحلّ السياسيّ.
يُفترض ألا يبدأ المحللُ خالي الوفاض، بل لديه رصيدٌ من المفاهيم الأساسيّة والافتراضات النظريّة ويختارَ نموذجاً نظريّاً لاكتشافِ الحقائقِ بما يتوافق مع المشهدِ ومع النظريّة السياسيّة فيحاولُ اكتشافَ عواملِ التناقضِ بالمشهد السياسيّ.
منهجيّاً، يتمُّ التحليلُ وفقَ منطقيّةٍ تجمعُ بين اختيارِ النموذجِ (النظريّة) مع الطرق التجريبيّة. وهي مسألةٌ في غايةِ الحساسيّة. والإشكالُ ألا تتوافقُ النظريةُ المعتمدة مع النموذج النظريّ، إذ من الضروريّ وجودُ علاقةٍ بين النموذجِ النظريّ والطرق التجريبيّة. ويجب البحث عن خياراتٍ بديلة للنموذج النظريّ عند عدم التوافق والفشل باكتشاف الوقائع لعدة مرات، وأمّا إذا أسفرت العمليّة عن رؤىً جديدةٍ وانتهت بنتائج مقنعةٍ لا تتناقضُ مع المنطق، ومن شأن ذلك تحسين العمل السياسيّ.
تُربطُ الأحداثُ وتُعاد صياغتها وفق الإجابات على الأسئلة المطروحةِ وكذلك ترتيبُ الفاعلين وفق مصالحهم وأهدافهم ورؤيتهم لنوعِ الصراع وطريقة إدارتهم ومواقف الأطراف وتحالفاتها التكتيكيّة والاستراتيجيّة. ومن المهم معرفة الفرق بين مواقفِ الأطرافِ السياسيّةِ وخطاباتِهم ومصالحهم، فالمصالحُ تحرّكُ الأطرافَ وتحرَّضها، أما المواقفُ فقد تفتقر لآليّةِ التحريضِ وتكون لمجرّد التسويقِ.
يتطلبُ التحليلُ السياسيُّ الناضجُ مؤهلاتٍ نظريّةً علميّة وثقافيّة ومهاراتٍ عمليّةً تمكّنُ المحللُ من استقراءِ مسارِ الأحداثِ وبناءِ رؤيةٍ تصلحُ لتفسيرِ الحدثِ واستنباطِ ما قد يحدثُ لاحقاً. ورغم ذلك لا يمكن القطعُ بالصحّة المطلقةِ لأيّ تحليلٍ سياسيّ.