حلبجة وصمةِ عارٍ على جبينِ الإنسانية

275
إعداد/ جوان محمد –
رائحة الأسلحة المُحرمة دولياً تفوح في آلهة العشق حلبجة بدل رائحة زهور الربيع؛ رائحة دخلت إلى أجساد رقيقة كجناح الفراشة؛ أطفال، شيوخ، شباب، نساء، ورجال, كلهم  ضحية العقلية الشوفينية العنصرية البعثية في العراق وبذلك استشهد أكثر من 5000 مواطن كردي في غضون ساعات زُهِقت أرواحهم فقط لأنهم كُرد.
وفي الأعوام التالية للمجزرة؛ استشهد الآلاف متأثرين برائحة تلك المواد السامة بسبب المضاعفات الجسدية والعقيلة والصحية التي أودت بحياتهم أيضاً. وعلى الرغم من إعدام البعض من قبل محاكم دولة العراق الفيدرالية ممن كانت لهم يد في هذه الجريمة النكراء وهذا التطهير العرقي وهذه الإبادة الجماعية ضد أبناء هذه البلدة. ولكن؛ ما زال الشعب الكردي يتذكر شهداء حلبجة كل سنة في السادس عشر من شهر آذار حيث يقفون دقائق صمت على أرواحهم في المدن الكردستانية وأنحاء العالم كافة، حيث يتواجد ويسكن الكُرد وتقيم الندوات والتعريف بهذه المجزرة المروعة التي سكتت وقتها دول العالم كافة؛ دون استثناء “حلبجة لن ننساها طالما في صدر كل كردي قلب ينبض بالحياة”.
حلبجة لأنها كردية أُحرِقت

في 16 آذار 1988م، وبعد يومين من القصف بالنابالم والصواريخ، قام الرئيس العراقي المخلوع صدام حسين مع علي حسن المجيد بشن هجوم بالأسلحة الكيماوية على بلدة حلبجة في باشور كردستان وتسبب الهجوم الذي دام خمس ساعات إلى استشهاد أكثر من 5000 شخص، وإصابة ما بين 7000 و10000 آخرين، ولقد كان هذا الهجوم كارثي وتم باستخدام الأسلحة الكيميائية. ويمكن القول إن هذا الحادث يُنظر إليه على أنه استمرارية لحملة “الأنفال” التي قام بها الرئيس العراقي المخلوع صدام حسين (ما بين 1986و1989م)، واستشهد على إثرها أكثر من 180 ألف كردياً، وكانت تلك الحملات واضحة المعالم بأنها تستهدف الكرد وهدفها إبادة هذا الشعب وحرق قراهم ومدنهم في محاولة لطمس هويتهم. ولكن؛ رغم كل ذلك لم يفلح النظام العراقي في الوصول لهدفه.
كيف نظر العالم لمجزرة حلبجة؟!
ويمكن أن نسلط الضوء على قضية حلبجة بشكل أكثر تحديداً بطرح السؤال: ما هي بعض الطرق المتبعة حديثاً التي استطاع المجتمع الدولي أن يعبر من خلالها عن هجوم حلبجة بأنها إبادة جماعية.
في كانون الأول من عام 2005م، بعد سبعة عشر عاماً من حادثة الإبادة الجماعية؛ أعلنت محكمة الجرائم الدولية في لاهاي على ما يلي: “1ـ من الناحية القانونية وبشكل مقنع تم إثبات أن الشعب الكردي يتماشى مع التعريفات المدرجة تحت متطلبات الاعتراف بمجموعة كجماعة إثنية بموجب الاتفاقيات المتعلقة بالإبادة الجماعية، 2ـ المحكمة ليس لديها استنتاج آخر من ذلك الذي ينص على أن هذه الهجمات تم ارتكابها بقصد تدمير مدن السكان الكرد في باشور كردستان”، وبعد هذا الإعلان؛ بدأت المحكمة الهولندية بالاستعداد لتقديم قضية ضد صدام حسين وفرانس فان إنرات الذي قام بإمداد صدام بالمواد الكيماوية، ومع أنه قد تم إعدام صدام أمام محكمة عراقية في عام 2006م، قبل أن تجري أي محاكمة ضده، استمرت المحاكمة ضد فان إنرات وأصبح أول المدانين في العملية وحُكم عليه في كانون الأول من 2005م، بالسجن خمسة عشر عاماً على جرائمه ضد الكرد.
تداعيات الهجوم مستمرة إلى يومنا هذا
إن هذه الحملات والأساليب المؤكدة للذاكرة لها آثار هامة وهي تتقدم وتكسب اهتماماً دولياً، على سبيل المثال، من خلال التأكيد على طابع الإبادة الجماعية في مجزرة حلبجة؛ تم توثيق هذا الحدث رسمياً في الذاكرة العالمية إلى جانب فظائع أخرى مثل الإبادة الجماعية للأرمن والآشوريين، بالإضافة إلى المحرقة (اليهودية)، على الرغم من أن حادثة حلبجة فريدة من نوعها؛ لأنها أيضاً تلعب دور هاماً في تعزيز عدم الانتشار الأسلحة الكيماوية بشكل عام.
إن الآثار المادية والجسدية التي تعرض لها أبناء الشعب الكردي من الإبادة الجماعية ومن حملة الأنفال بشكل عام لا تزال مرئية وله تداعياتها على من شهد قصف حلبجة وحملة الأنفال، مثل أمراض الولادة وأمراض السرطان والجروح، ناهيك عن الآثار النفسية، لا تزال تتبع الضحايا وقد تستمر لفترة غير معروفة من الزمن.