حقائق عن تركمان سوريا وآلية استثمار تركيا لهم ـ1ـ

50
تحقيق/ صلاح إيبو –
مَنْ هم تركمان سوريا، وكيف انخرطوا في الأزمة السورية؟
يُعاني التركمان في سوريا من استغلال حثيث من قبل تركيا التي رفضت منذ اندلاع الأزمة السورية إعطاء النازحين التركمان إليها الجنسية التركية، وبل شجعتهم للعودة إلى سوريا وتنفيذ ما يسعى إليه النظام التركي من احتلال لأجزاء من سوريا والعراق، ومنذ عام 2003 بدأت الحكومة التركية بقيادة رجب طيب أردوغان بمغازلة التركمان السوريين ووعدهم بالدعم اللوجستي والإنساني؛ بغية استثمار قضيتهم لمصالحها على غرار ما حدث في العراق إبان إسقاط حكم صدام الحسين وما يحدث اليوم من استثمار لقضية «الإيغور» في الصين تارة؛ بهدف عقد صفقات تجارية معها وتارة للضغط على الصين واستثمار معادتها لتحسين علاقات تركيا السياسية مع واشنطن.
ما التمثيل السكني الحقيقي للتركمان في سوريا؟
يعود الوجود التركماني في منطقة الشرق الأوسط عامة إلى القرن الحادي عشر، أثناء حكم المماليك والسلجوقيين والعثمانيين، ويعود أصلهم إلى قبائل من البدو الرحل من أصول الخزر والإيغور وغيرهم من قبائل أواسط آسيا، حيث استخدمهم المماليك والسلاجقة لحماية حكمهم وتجنيدهم في الجيوش، وخلال القرن السادس عشر، أُسكن العثمانيون التركمان في المناطق الريفية حول حمص وحماة لكبح جماح البدو، ويكونوا بمثابة جُباة للضرائب، وبعد زوال الحكم العثماني، ظل التركمان منتشرين في مناطق متعددة من الشرق الأوسط، وتقول مصادر تركمانية أنه ثمة 380 قرية تركمانية منتشرة في سوريا في حين تُشير مصادر تركمانية أخرى إلى أن عدد التركمان في سوريا يتعدى 3 مليون نسمة، وهو ما لا يتطابق مع التوزع الديمغرافي والجغرافي للتركمان في سوريا، إذ يتركز وجودهم في قرى محددة بريف اللاذقية وريف حمص وبعض القرى بشمالي حلب والجولان، وعدة أحياء في مدينتي حلب ودمشق، ويُقدر المؤرخون أعداهم الحقيقة بأنها لا تتعدى المليون نسمة فقط، في حين يشير كتاب «الصراع لأجل السلطة في سوريا» للكاتب «نيكولاس فان دام»، والذي يعد أحد أهم الكتب التي تطرقت لتعداد التركمان في المنطقة، إلى أن نسبة التركمان السوريين تشكل 3% من التعداد الكلي للسكان، ويقدر عددهم بـ 484 ألف نسمة من أصل ما يزيد على 16 مليونًا، بحسب أرقام عام 1997م وهذا الرقم هو الأقرب للواقع بحسب بعض وجهاء المنطقة الشمالية من أصول تركمانية. بعد استقلال سوريا وتسلم حزب البعث الحكم في سوريا ونتيجة الخلاف السوري التركي، كان التركمان كباقي مكونات الشعب السوري، لا يحظون بالاستقلالية أو تعلم لغتهم في المدارس العامة وعلى خلاف الكُرد الذين منعوا من تعلم لغاتهم حتى في معاهد خاصة كان يسمح للتركمان بفتح مراكز دورات مرخصة خاصة للغة التركية، وبعد استلام حكومة رجب طيب أردوغان الحكم في تركيا وتحسن العلاقات التركية السورية على حساب الشعب الكردي وحركة التحرر الكردستانية وتوقيع اتفاقية أضنة عام 1998م، برزت شخصيات تركمانية في سويات مختلفة بالنظام السوري وباتوا يتمتعون بنوع من النفوذ السياسي والاقتصادي ضمن سوريا، وافتتحت أقسام خاصة لتعليم اللغة التركية في جامعة حلب ودمشق، وأشارت مصادر متعددة أن تركيا كانت تخطط لاستعمار سوريا ثقافياً واقتصادياً آنذاك.
تعزيز هيمنة التركمان
على القرار السياسي
ويؤكد مصدر استقصائي سوري أن شخصيات تركمانية عدة ظهرت على الساحة السوري بعد عام 2006، حاولت استثمار التقارب السوري التركي، والدعم التركي غير المباشر في أغراض سياسية تخدم المصالح التركية، ويُشير المصدر إلى أسماء «حسن تركماني، وتامر الحجة، وناجي عطري، وآصف شوكت صهر الرئيس السوري بشار الأسد، إضافة لعائلات تركمانية كان لها باع في الحياة الاقتصادية بسوريا»، ومازال هؤلاء وأخرون مماثلون يسيطرون على مراكز معينة في النظام السوري، ونوه المصدر الاستقصائي الذي أصر على عدم ذكر اسمه خوفاً على أمنه الشخصي، أن حسن تركماني كان سيقوم بشراء 27 ألف هكتار من أملاك الدولة المحاذية للحدود السورية التركية. ولكن؛ تم إيقاف المشروع نتيجة فضح القضية في الإعلام المحلي. هذا وضمت خلية الأزمة التي تشكلت بعد عام 2004 أي بعد انتفاضة قامشلو عدة شخصيات تركمانية أبرزها حسن تركماني، وكان الهدف الأساسي لهذه الخلية بحسب المصدر هو الحفاظ على الكيان المهيمن في النظام واستحوذ التركمان على نفوذ كبير فيها، إضافة لمعادة الشعب الكردي في سوريا، وأن تصفية قسم من هذه الخلية في عملية استخباراتية بحتة عام 2013 كان هدفه القضاء على شخصيات معينة لمنع أي تغير سياسي في سوريا.
ويُشير المصدر أن البقية الباقية من خلية الأزمة غالبيتهم من أصول تركمانية وعملوا على تمرير سياسات معينة خلال سنوات انتعاش العلاقة بين سوريا وتركيا، وكان لحسن تركماني أحد أعضاء خلية الأزمة دوراً أساسي في تنفيذ هذه السياسات الناعمة آنذاك، وتمكن العديد منهم استلام مناصب متعددة واستفادوا من التغيير الظاهري للإصلاح السياسي الذي كان قد أعلن عنه بشار الأسد بعد استلامه للحكم في سوريا، وأن هذه الفئة تمكنت من الهيمنة على بعض القطاعات في سوريا والاستفادة من التحول إلى اقتصاد السوق الاجتماعي.
تركيا تهدف لتشكيل كيان تركي موازٍ في سوريا
وبعد اندلاع الأزمة السورية، عملت تركيا على استغلال الوضع في سوريا استناداً على تغلغلها الاقتصادي والسياسي في سوريا عبر دعم الإخوان المسلمين والتركمان، وبرز الدعم السياسي والعسكري التركي للتركمان في سوريا عام 2013، ودعت الحكومة التركية حوالي 1000 تركماني، لمناقشة موضوع تشكيل مجلس تركماني، ورشحت سمير حافظ ليكون رئيسًا لما سمي «المجلس التركماني»، وكان ذلك بحضور رئيس الوزراء التركي ووزير خارجيته، وأثناء استقبال الأخير لسمير حافظ بالعاصمة أنقرة، وعد بتقديم أنواع الدعم كافة للتركمان في سوريا. لكن؛ الدعم العسكري التركي للتركمان بدأ أواخر عام 2012 بدعم مجموعات عسكرية خاصة بالتركمان ظهرت في مدينة حلب تحمل اسماء عثمانية ككتيبة محمد الفاتح وكتيبة السلطان مراد وأخرى ظهرت في الساحل السوري. ولكن؛ غالبيتها كنت الوفاء للتنظيمات الجهادية في سوريا. وخلال الفترة الممتدة بين أعوام 2012 و2015 ظهرت تقارير عديدة تفيد بتقديم المخابرات التركية الدعم المباشر لمجموعات عسكرية تركمانية في ريف اللاذقية وشمالي حلب إلى جانب مجموعات مسلحة ومتشددين، وذكرت مصادر إعلامية تركية عام 2014 عن شحنات للأسلحة تم تمريرها بعلم الحكومة التركية إلى سوريا، وقال أردوغان في ذلك الصدد حينذاك: «إن الشحنات كانت تحمل مساعدات إنسانية إلى تركمان منطقة «باير بوجاق» في ريف اللاذقية السورية، وهو اعتراف صريح من أردوغان بدعم التركمان في منطقة ما يسمى بالتركية «باير برجاق» وهي منطقة حدودية في ريف اللاذقية كان ينشط فيها الحزب التركستاني الإسلامي ومجموعات تركمانية مسلحة تكن الولاء للقومية التركية وظهرت صور عدة لهذه المجموعات ترفع فيها العلم التركي، إضافة لظهور علني لجبهة النصرة المرتبط بتنظيم القاعدة، وغالبية المجموعات التركمانية كحراس العقيدة والكتيبة الساحلية وكتيبة جبل الإسلام التي انضمت إلى جبهة النصرة والحزب التركستاني الإسلامي الذي يمثل غالبيتهم من الإيغور الذين هاجروا إلى تركيا في فترات سابقة بعد فشل تمردهم المسلح ضد الصين في ما يسمى بـ»تركستان الشرقية»، وعمل التركمان على تغيير مسميات المنطقة وهي سياسة تتريك يمارسها الاحتلال التركي المباشر وغير المباشر في المناطق السورية المحتلة كافة، فمثلاً تمّ إطلاق اسم «جبل التركمان» على مناطق توجد فيها قرى ذات غالبية تركمانية في ريف اللاذقية الشمالي، وهو اسم لا يتمتع بأية جذور تاريخية.
منْ يسيطر على قرار
الجيش السوري الحر؟!
وظهرت النوايا التركمانية في تشكيل كيان عسكري موحد للعيان عام 2015 حين قال رئيس ما يسمى بـ»المجلس التركماني السوري» آنذاك، عبد الرحمن مصطفى (الرئيس الحالي لما يسمى بالائتلاف السوري المعارض) خلال اجتماع للمجلس في ولاية ديلوك «غازي عنتاب»: «إن المجموعات التركمانية المقاتلة في سورية، اتخذت قراراً بتقديم دعم أكبر لبعضها البعض، والعمل على إنشاء جيش تركماني في حال سمحت الظروف بذلك». ومع بداية عام 2015، وتغيير الخارطة الميدانية في ريف حلب الشمالي، والمعارك التي اندلعت مع مرتزقة «داعش»، وانكفاء «جبهة النصرة» ورفضها القتال ضد داعش، أعيدت هيكلة الفصائل المقاتلة في الريف الشمالي لحلب بإشراف تركي، وتم توسيع نشاط فصائل عدة ذات طابع تركماني، أبرزها «لواء السلطان مراد»، الذي كان ناشطاً منذ بداية الأحداث في سوريا، ويتميز بتغطية إعلامية وتأسيس مؤسسة إعلامية خاصة تحمل اسم «وكالة التركمان»، فتسلم «لواء السلطان مراد» مواقع «جبهة النصرة»، وتم تزويده بأسلحة ثقيلة واعتباره فصيلاً تركياً يقاتل في سوريا، قامت تركيا بتأمين غطاء جوي له مرات عدة خلال معاركه في ريف حلب الشمالي. وتلقت المجموعات المسلحة التركمانية دعماً عسكرياً تركياً مباشراً، بعد إعلان أنقرة عن بدأ عملياتها العسكرية في سورية بحجة قتال مرتزقة «داعش»، وبهذا أطلقت تركيا في الربع الأخير من عام 2016 عملية عسكرية تحت مسمى «درع الفرات» بمشاركة فصائل عسكرية تركمانية في مقدمتها لواء السلطان مراد وفرقة الحمزات التي تلقت تدريبات عسكرية مكثفة في تركية ضمن برنامج تدريب المعارضة السورية بالتنسيق مع أمريكا، وخلال هذه الحملة التركية عمدت تركيا على تغيير مظهر مرتزقة «داعش» خارجياً ودمجهم المبرمج مع الفصائل الجهادية والتركمانية والعمل على منع قوات سوريا الديمقراطية من تحرير مناطق الشهباء الممتدة من جرابلس إلى إعزاز وعفرين.
تغيير ديمغرافي وعسكري مدروس للشمال السوري
ومع احتلال تركيا للمنطقة الواقعة من جرابلس إلى إعزاز، باتت تشهد هذه الساحة تغيراً ديمغرافياً وعسكرياً، إذ تم تهجير عشرات الآلاف من الكرد من تلك المنطقة في فترة سيطرة مرتزقة داعش، ومن ثم دخول القوات التركية التي عملت بشكلٍ ممنهج على إسكان التركمان القادمين من حي الوعر الحمصي وريف حماة وفق اتفاقيات التهجير المبرمجة بين روسيا وتركيا في منازل الكرد، إضافة لتوطين بعض العائلات التركمانية القادمة من تلعفر العراقية في تلك المنطقة. إضافة لسعي أنقرة لبسط النفوذ التركماني ضمن الفصائل المسلحة وشهدت المنطقة عملية ممنهجة في الخفاء من شأنها القضاء على الفصائل العربية المنخرطة في «درع الفرات» وإضعافها على حساب الفصائل التركمانية، وفي أغلب الأحيان تعمل الاستخبارات التركية على تعين شخصيات تركمانية كقادة لفصائل عربية؛ بهدف كسب الولاء التام، وهو ما عملت عليه انقرة منذ عام 2012، وبالتحديد في حلب ومن أبرز الشخصيات التركمانية التي ذاع صيتها هو عبد القادر الصالح قائد لواء التوحيد ذو الأصول التركمانية، إضافة لزرع عدد من التركمان في مراكز قيادية بفيلق الشام وحركة أحرار الشام الإسلامية، والهيمنة على جناح واسع من مرتزقة نور الدين الزنكي. وتقع المنطقة الممتدة بين جرابلس وبلدة الراعي في دائرة نفوذ التركمان عسكرياً، فيما المنطقة من الراعي إلى إعزاز فإن السيطرة الميدانية فيها كانت للجبهة الشامية وفيلق الشام وأحرار الشرقية خلال عام 2016-2017، وجميع هذه الفصائل تعمل لصالح تركيا، لكن ليس بالدرجة نفسها. ويقول أبو علاء حبيب، أحد وجهاء بلدة الراعي وهو من أصول تركمانية يقطن حالياً في منبج، أنه رغم التعداد السكاني الضئيل للتركمان في الخط الممتد من جرابلس إلى إعزاز والذي لا يتعدى الخمسين ألف نسمة، إلا أن الفصائل التي تحمل الطابع التركماني تتمتع بالقوة والسيطرة على القرار العربي؛ نتيجة الدعم التركي المباشر لهذه الفصائل، وهو ما يهدد مستقبل المنطقة برمتها وتغير ديمغرافيتها ليس فقط ضد الكرد، بل ضد العرب أيضاً. وظهرت أخبار متعددة عن محاولة التركمان السيطرة على ما سميت بالمجالس المحلية في الباب وجرابلس وقباسين وباقي البلدات على حساب المكونين الكردي والعربي؛ وتسبب ذلك في فقدان الثقة ببعض الأحيان، إلا أن القوة العسكرية التي يمتلكها التركمان تضغط على أرض الواقع.