انسحابٌ إعلاميّ وفراغٌ افتراضيّ

45
تحقيق/ رامان آزاد –

تستمرُّ تداعياتُ قرارِ الرئيسِ الأمريكيّ سحب قوات بلاده من سوريا، وبدأ بعدها الحديث عن فراغ بالمنطقة بعد خروج هذه القوات، بالتزامن مع تهديد أنقرة بتنفيذ عملية عسكريّة عبر الحدود بعدما حشدت قواتها وراحت تبحث عن غطاءٍ دوليّ للعملية.
بات الحديثُ عن الثورةِ وشعاراتِها مستهلكاً بعدما حوّلت أنقرة الأحداثَ لصراعٍ طائفيّ مذهبيّ وجيّرته لاستهدافِ المكوّنِ الكرديّ في سوريا، ومن بعدهم المكوّنات السوريّة وتعطيلِ فرص مشروعِ الحلّ السياسيّ والحوار الوطنيّ. وباستعراضِ كلّ وقائع الميدانِ؛ نجد أنّها تخدمُ خطةَ أنقرة حتى على حسابِ المرتزقةِ أنفسهم.
لعبٌ على الخطة الأمريكيّة
في احتواءٍ لمجملِ التناقضات حول قرار سحبِ القواتِ؛ أعلن البيت الأبيض عن عزمه إنشاءَ منطقةٍ آمنة شمال سوريا تأخذ عدّةَ مسائل بالاعتبار منها حمايةُ أهالي المنطقة ومنعُ أيّ صدامٍ مسلحٍ مع القواتِ الحليفة بمعارك دحرِ الإرهاب، ومن جهة ثانية إقامة الحجّة على أنقرة ومجاملتها بأنّ ذلك يضعُ حداً لمخاوفها الأمنيّة.
تعدّدتِ المواقفُ وتباينت بتفسير معنى المنطقة الآمنة وآليّةِ تنفيذها والقوات التي ستشارك فيها، وكعادتها بالتلاعب على المواقف الدوليّة راحت أنقرة تروّج لفهمها وتجعله مساوياً للتفويضٍ بتدخّلٍ عسكريّ وأقربَ للاحتلال بأبسط التكاليف، وقد فعلت ذلك بالتوسّع بالصلاحيّة الممنوحة لها وفق مخرجاتِ أستانه فتجاوزت مهمتها طرفاً مراقباً بإدلب وجعلتها منطقةَ نفوذٍ لها.
واصلت أنقرة خطةَ التوسّعِ العسكريّ والاحتلالِ على حسابِ الأرضِ والسيادةِ الوطنيّة السوريّة، وفبركتِ المزاعمَ حول الخطر الأمنيّ، عبر مواقف مسؤوليها وعلى رأسهم أردوغان، رغم أنّه ثبت للقاصي والداني حجمُ التدخّلِ التركيّ بسوريا ودعمها للإرهاب واحتضانها له وتوفير ملاذات له. وبالمقابل تؤكّد كلُّ الأدلة على سلميّةِ المشروعِ السياسيّ والمجتمعيّ في شمال سوريا بكلّ مندرجاته، وكذلك النشاط السياسيّ الذي يقوده حزبُ الاتحاد الديمقراطيّ، ولم تصادف أيّة بادرة تشكّل أدنى درجة خطر على الأمنِ التركيّ ولم تُطرح مسألة تقسيمٍ أو دولةٍ كرديّةٍ، أو تجاوزٍ للإطار الوطنيّ السوريّ.
نوايا أنقرة توضّحُها تصريحاتُ مسؤوليها ولا تقتصرُ على المناطقِ التي تحتلها حالياً، بل كامل شمال سوريا، ونقلت وكالة الأناضول عن أردوغان قوله في 26/1/2019: “سيكون بإمكان ملايين السوريين العودةُ إلى منازلهم عندما نطهّر منبج وتل رفعت وشرق الفرات من الإرهابيين”. ​وأضاف: “أظهرنا للعالم أنّنا لا نتردد عند الضرورة بتنفيذ العمليات العسكريّة في سوريا، وسنأتي على حينِ غرةٍ إذا لم تنجحِ المباحثاتُ”.
وانتقدت تركيا وشنطن بخصوصِ تمسّكها بحمايةِ قوات سوريا الديمقراطيّة بعد الانسحابِ من سوريا، وهدّد وزير خارجيتها مولود جاويش أوغلو في مقابلة مع شبكة NTV، بأنّ أنقرة ستشنُّ هجوماً على شمال سوريا إذا تأخر الانسحابُ الأمريكيّ مع “أعذارٍ سخيفةٍ” لا تعكسُ الواقعَ مثل الأتراك سيقتلون الكرد ملمّحاً إلى تصريحات نظيره الأمريكيّ بومبيو أنّ واشنطن تريدُ التأكّد من أن “الأتراك لن يقوموا بقتل الكرد” في سوريا بعد الانسحاب. وقال أوغلو: “تركيا ستحاربُ وحداتِ حماية الشعب سواء انسحبت الولايات المتحدة أو لم تنسحب”. ورفض الرئيس التركيّ أردوغان بشدة الموقف الأمريكيّ الداعي إلى ضمان حماية القوات الكرديّة بشمال سوريا بعد الانسحاب الأمريكيّ.
اتفاقُ أضنه بديلاً للمنطقة الآمنة
بعد التصعيد والتهديد، نكوصٌ للماضي وحديثٌ عن اتفاقِ أضنه 1998، ليؤكّد ذلك أنّ تصريحاتِ أنقرة تتجاوز إمكاناتِها مع الأزمةِ الاقتصاديّة التي تعيشها مقارنةً مع التدخّل الأمريكيّ والروسيّ، ما اضطرها لتخفيضِ طموحاتها، وباتت عبارةُ “صبرُ أنقرة سينتهي” لازمةً يكرّرها مسؤولوها عبثاً وتهويلاً. وفيما تأتي الأوضاعُ شرق الفراتِ ومنبج، على رأسِ أجندة تركيا بانتظارِ تفويضٍ دوليّ، قال أردوغان: “إن لم يتم إخراج “الإرهابيين” من مدينة منبج، في غضون الأسابيع المقبلة، فإنّ صبرَ أنقرة سينتهي”. وأضاف: “المنطقة الآمنة المزمعة في سوريا يجب أن تكون تحت سيطرة تركيا”، وأشار بالمقابل إلى عدم وجودِ خطةٍ مرضية مع واشنطن بشأن هذه المنطقةِ حتى الآن.
وذكرت وكالةُ أنباء الأناضول التركيّة “إنَّ تركيا عبر طرحها لاتفاق أضنه 1998؛ أقرّت ضمناً بفشلِ مشروع المنطقة الآمنة”. وحسب موقع أحوال التركيّ، تأتي هذه الخطوة مع حديثِ الإعلام الروسيّ وتحليلاته للوضع الراهن شمال سوريا، وتوقعاته بقربِ انضمام أردوغان لقائمة المهزومين وخروج تركيا من سوريا، وفشل طرح المنطقة الآمنة، لاسيّما مع الاستياء الروسيّ من عدم وفاء أنقرة بتعهداتها بإدلب. وقال النائب بمجلس الدوما الروسيّ، ميخائيل يمليانوف: “إنّ روسيا تسعى لمنع تركيا من تأزيم الأوضاع شمال سوريا كما فعلت بإدلب”، مشيراً إلى أنّه “لن تكون هناك أيّ حرب ضد الكرد”.
وفي تصريحٍ يعكسُ ازدواجيّة القرارِ السياسيّ التركيّ، كشف جاويش أوغلو، عن اتصالاتٍ غير مباشرة مع دمشق، دون ذكر تفاصيلها. وأنّ تركيا وروسيا، لديهما التوجّه نفسها فيما يتصل بالحلِّ السياسيّ في سوريا، باستثناء مسألةِ بقاء الرئيسِ في منصبه.
نظريةُ الفراغِ افتراضيّةٌ
يذهبُ بعضُ المراقبين إلى أنَّ البيتَ الأبيض تعمّدَ الغموضَ بقرارِ سحب قواته، وأنّ الاضطرابَ مفتعلٌ وجزءٌ من الاستراتيجيةِ نفسها، ليصنعَ مشهدَ حربِ التصريحاتِ، وهو موضوعٌ رمزيّ لا قيمةَ عسكريّةً له، والرمز هو العلمُ الأمريكيّ المرفوعُ على القواعد العسكريّة المنتشرة بالمنطقة من العراق إلى تركيا حتى البحر المتوسط.
بالواقع لا قيمةَ فعليّةً للتساؤلاتِ التي تُطرح على الساحتين الإقليميّة والدوليّة، إلا هامشُ غموضٍ باتجاهاتِ السياسةِ الخارجيّة الأمريكيّة يثيره تضاربُ بعضِ تصريحاتِ الإدارة الأمريكيّة والرئيس ترامب. ومن جملةِ التساؤلاتِ من سيملأ الفراغ الذي “قد” يسببه الانسحاب الأمريكيّ؟ ومدى إمكانيّة أن تستغله إيران متنفساً لها، بعد مرحلةِ الضغوطِ الهائلةِ والعقوباتِ الاقتصاديّةِ، وكذلك تساؤلاتٌ حول الأطماع التركيّة.
بالمجمل المضمونُ سياسيٌّ وليس عسكريّاً، ورسالة لأطرافٍ متعددةٍ للكردِ أولاً، وهي إشاراتٌ لطهرانَ ودمشق باحتمالاتٍ جديدة، وكانت أنقرة الطرفُ الأكثر ارتباكاً، فمن جهة اعتبر ترامب المنطقة مجرّد صحراء ودمار. ومنحها بتغريدة تاليةٍ لأردوغان قائلاً: “هي لك”، ثم هدّد أنقرة بحربٍ اقتصاديّةٍ مدمّرة، ومساءً تحدّث عن تعاونٍ اقتصاديّ، ليتضحَ أنّ الاضطرابَ مفتعلٌ وأقربُ لشدِّ الأعصابِ والعبثِ السياسيّ.
من السخرية بمكانٍ الحديثُ عن فراغٍ شرق الفرات وقد خاض أبناؤه من كلِّ المكوّنات معاركَ ضارية ضد الإرهاب وحرّروا مناطقهم وطهّروها من رجسِ الإرهاب، وصرنا على مشارفِ الإعلان عن دحرِ الإرهاب بكامل المنطقة، وكلمة “الفراغ” تحتاجُ تفسيراً، فالمنطقة لا تعاني أيّ نوعٍ من الفراغِ، ويمكنها مواصلة حياتها الطبيعيّة وإدارةُ شؤونها بنفسها، وأيّ صيغة مفروضةٍ هي وصاية أو احتلال.
الحديثُ عن الفراغِ افتراضيٌّ محضٌّ وغير واقعيّ، والمشكلةُ تكمن بالإرهابِ والاحتلالِ التركيّ وتهديده بمزيدٍ من العدوانِ وكذلك التدخّلِ الدوليّ والإقليميّ، وفيما يتصلُ بالعلاقةِ مع الدولةِ السوريّةِ فهي رهنُ الحوارِ الوطنيّ والتوافقِ حولَ مجملِ القضايا استناداً لثوابت أساسُها وحدةُ الأرض السوريّة، ويبقى دحر الإرهاب أولوية المرحلة.
أما دخول قواتٍ جديدةٍ أيّاً كانت فهو إمّا خلطٌ للأوراق أو استدراجٌ إلى وهمَ الفراغ، وبكلّ الأحوال يجب ألا يكونَ لطرفٍ ساهم بتسعيرِ الحربِ الطائفيّة وارتكب المجازر نصيبٌ بالوجودِ في المنطقة، والمرجعيّة الوحيدة التي تمنحُ الشرعيّة هي مجتمعُ شمال سوريا بمختلفِ مكوّناته، ولا أحدَ خارج الحدود الوطنيّة مخوّل بصلاحيّة ذلك.
محاولةٌ روسيّةٌ لإنقاذِ تحالف أستانه
تواصلُ موسكو جهودها لإنقاذِ توافقِ “الضرورة” مع تركيا وإيران وسط تكتمٍ إعلاميّ، وليس صدفةً تزامنُ زيارةِ وفدٍ أمنيّ تركيّ لموسكو لبحثِ الوضع بإدلب، مع زيارةِ وفد روسيّ لطهران لبحثِ الملفِ السوريّ ومناقشةِ المسائلِ الخلافيّة، ومنها وضع إدلب والتحرّكاتِ التركيّة على الحدودِ، كما شهدت الفترة الماضية خلافاً روسيّاً إيرانيّاً غير معلنٍ، فطهرانُ تتهم موسكو بغضِّ النظر عن الغاراتِ الإسرائيليّة على مواقعها بسوريا وتوافقِها مع واشنطن حول إخراجِ قواتِها من سوريا.
ما يثير الانتباهَ هو طبيعةُ الظروفِ وترافقُ اصطدامِ المصالحِ بين أطرافِ التحالفِ مع حالةِ ارتباكٍ تركيّ، وتصعيدُ روسيا خطابَها الإعلاميّ ضدَّ تركيا ومرتزقتها بإدلب بالتزامنِ مع حشودٍ للجيش السوريّ وسطَ توقعاتٍ باستئنافِ العمليةِ العسكريّةِ التي توقفت أكثر من مرّةٍ تارةً نتيجةَ توافقاتٍ وطوراً بسببِ الضغوطِ الأمريكيّ.
وقد شهدت إدلبُ تغييراتٍ تقفُ أنقرة خلفها، وأخذت ظاهرَ الاشتباكِ المسلّحِ أدّت لإخراجِ مرتزقةِ لواء الزنكيّ وحركة أحرار الشام وصقور الشام وانفرادِ مرتزقةِ هيئةِ تحريرِ الشامِ فيها، وهي تغييراتٌ شكليّةٌ بهدفِ تغييرِ توصيفِ المرتزقة وإدخالهم للعمليةِ السياسيّة عبر ما يسمّى “اللجنة الدستوريّة”. وإذ غضّت روسيا الطرفَ عن هذه التحرّكاتِ، إلا أنّها ضغطت على أنقرةَ مع محاولتها الاقتراب من الضفة الأمريكيّة مؤخّراً، عبر استهدافِ الطيران الروسيّ مواقعَ المرتزقةِ بإدلب، ما سبّب تخبّطاً سياسيّاً بمواقف أنقرة، فاضطرت للتنازلِ والترويج لعمليةٍ عسكريّةٍ روسيّةٍ تركيّةٍ مشتركةٍ بإدلب من شأنها أن تطيحَ بأحدِ أوراقها المهمة بسوريا.
تغييرٌ تكتيكيّ وثباتٌ استراتيجيّ
لن يغيّرَ الانسحابُ الأمريكيّ استراتيجيةَ واشنطن بالملف السوريّ، بل هو تغييرٌ بتكتيكِ التحرّكِ على مستوى المنطقةِ، ولديها قوةُ الردع الكافية من قواعد عسكريّة عدّة فيها وقطعٍ بحريّة وحاملاتِ طائراتٍ بإمكانها التواجد بالمكان والزمان الذي تريد علاوةً على أنّ وجود قواتها في مياه المتوسط قريباً من الساحل السوريّ وفي العراق. وليست بحاجةٍ لقوةٍ رمزيّةٍ من ألفي جندي لتنفيذِ استراتيجيتها بالمنطقةِ وبخاصة في سوريا، وتعوّل على نفوذها وحضورها السياسيّ، ولعلها اختبرت عبر غموضِ القرارِ كلّ المواقفِ الدوليّة والإقليميّة، وطرحت الأسئلة بالجملة حول دور الآخرين في مجملِ الأزمة السوريّة.
طُرِح الانسحابُ الأمريكيّ من سوريا خلال إدارة أوباما، ولم تنجح واشنطن بتنفيذه، لتعقّدِ الظروفِ والخشيةِ من كلفته المرتفعةِ جداً وتبعاته الخطيرةِ، ولم توَفق إدارةُ ترامب لإيجادِ الصيغةِ المناسبةِ لتنفيذه فجاءت مواقفُها متقلبةً، ولهذا قد تسعى واشنطن لإشراك دولٍ عربيّة حليفةٍ والتنسيق معها، وبذلك؛ فالانسحابُ سيكون نسبيّاً وليس كاملاً بالمعنى الدقيقِ. وسبق لوزيرِ الخارجيّةِ الأمريكيّ مايك بومبيو تأكيده الشهر الماضي عدمَ مغادرة واشنطن لمنطقة الشرق الأوسط، وتمسّكَها بالتزاماتِها تجاهها، رغم الانسحاب المزمع؛ ذلك لأنّ التعزيزاتِ العسكريّة الأمريكيّة تستمر بالوصول إلى شرق الفرات.
وإذ تتباين تقييماتُ دورِ واشنطن بالمنطقة، فإنّها تتفقُ إجمالاً حول براغمايتها واعتمادها تكتيكاً مغايراً على الأرضِ في إطار استراتيجيةٍ ثابتةٍ بالمنطقة، والمُحدّدة بأمنِ إسرائيل ودحر الإرهاب، ومواجهةِ إيران، لتفرضَ معطياتٍ جديدةٍ على طاولة المعادلات السياسيّةِ والأمنيةِ بالمنطقة ككلّ.
عينٌ على إيران
غموضُ التوجّهِ الأمريكيّ النسبيّ حول تفاصيلِ قضايا الشرقِ الأوسط، يقابله بالوقت نفسه وضوحُ استراتيجيتها الجديدة حولَ إيران، فقد ألغتِ الاتفاقَ النوويّ في أيار الماضي وفرضت حزمتي عقوبات عليها (في آب وتشرين الثاني الماضيين). وفي ضوء هذه الاستراتيجية، جاءت جولةُ وزير الخارجيّة الأمريكيّ مايك بومبيو بالمنطقةِ لبناءِ استراتيجيةٍ شاملةٍ تعتمدُ على حلفاءِ إقليميين لتضييقِ الخناقِ عليها. كما أنّها بصددِ حشدِ موقفٍ دوليّ ضدّها بمؤتمرٍ وارسو الذي سيُعقد في 13-14 شباط الحالي لبناءِ تحالفٍ لمواجهةِ النفوذِ الإيرانيّ؛ للحدِّ من توسّعه، وتهدفُ رسائلُ واشنطن إلى إفهامِ طهرانَ بمحدوديّة الخياراتِ أمامَها للتفاوضِ وفتحِ حوارٍ مباشرٍ وتقديمِ تنازلاتٍ حول مجملِ القضايا.
ونُقل مؤخراً تقديمُ واشنطن لائحةً للحكومةِ بغداد تضمُّ 67 تنظيماً مرتبطاً بإيران وطلبت تجميدها، لإضعافها وتحجيم دورها بالعراق وسوريا، وبخاصة مع تدفقِ تحليلات أنّ أيّ انسحابٍ مفاجئِ كاملٍ سيمنحُ إيرانَ فرصةً لمزيد من التوسع وإنجاز مكاسب ميدانيّة وتحسين شروط تفاوضها مع واشنطن ومع الغرب عموماً، وبذلك عدَلَت إلى اعتمادِ الانسحابِ التدريجيّ من سوريا وإعادة نشر قواتها بالعراق. إلا أنّ البعض يقول أيّ صيغةٍ للانسحاب ستكون فرصة لإيران لممارسة ما يسمى باستراتيجية “ملء الفراغ”.
أما الموقف الروسيّ حيال الانسحاب الأمريكيّ، فموسكو تدير كامل الملف السوري، ولديها توافقاتٌ نسبيّة مع كلِّ الأطرافِ، في مقدمتها الولايات المتحدة. وأيّ موقفٍ يُتخذ من قبلهما بالملف السوريّ سيكون من حيث المبدأ محلَّ توافقِ غير معلنٍ.
وقد نجحت روسيا بتأمينِ مصالحها في سوريا، بما في ذلك بقاء قواعدها لمدة 49 عاماً قابلة للتمديد، إضافة لنفوذها السياسيّ وقدرتها على إنفاذ قراراتها، فضلاً عن وجودها الميداني المنتشر، وحماية وجودها العسكريّ المدعوم بمنظومة إس 300و 400 لحماية وجودها.
أوروبا محكومةٌ بهواجسِها
الانكفاءُ الأوروبيّ ومحدوديته دوره واضحةٌ بالمنطقةِ بسببِ الظروف التي تشهدها دولُ الاتحاد الأوروبيّ، ولعل الدول الإقليميّة (تركيا وإيران ودولاً عربيّة كالسعودية) تتجاوزها بقوة التأثير، وذلك بسبب العوامل الاقتصادية والسجال السياسيّ حول بقاء الاتحاد.
تبدو دول أوروبا تائهةً لتوازنَ بين تغريدات ترامب ومصالح روسيا، والنفوذ التركيّ وتهديداته بضخِّ مزيدٍ من اللاجئين، وفيما كانت تؤيدُ بالبدايةِ مطالبَ التغيير بسوريا، إلا أنّ مواقفها اليوم متأرجحةٌ تشوبها الضبابيّة، وقدرتها على التدخّل العسكريّ ضعيفة نسبيّاً، محكومة بالتحالف مع الأمريكيّ، ولا يسعها أن تكون بديلاً عنه بالشرق الأوسط. ولا استراتيجيةً واضحةً لديها تمكّنها أن تؤطّر سياسة عامة أو تكون ذات منحىً ثابت تجاه الملف السوريّ، بل مجردُ تصريحاتٍ مبعثرة متناقضة تارةً للرئيس الفرنسيّ وطوراً للمستشارة الألمانيّة وثالثة لوزير الخارجيّة البريطانيّ. ومرّدُ ذلك الحشدُ الكبير للدول الكبرى المؤثرة وذات النفوذ في سوريا. وينحصرُ التزامُ الأوروبيين بثلاثِ أولوياتٍ هي قضية الهجرة، ومكافحة الإرهاب، والسوق أو المصالح الاقتصاديّة.
ومن جملة المواقف الأوروبيّة تصريحُ وزير الخارجيّة الفرنسي جان-إيف لودريان لقناةِ سينيوز الفرنسيّة أنّ فرنسا ستنسحبُ عسكريّاً من سوريا لدى التوصّلِ لحلٍّ سياسيّ في سوريا. وقال: “نحن موجودون بالعراق، وبشكل متواضعٍ في سوريا إلى جانب الأمريكيّين”. وأكّد على ضرورةِ ضمانَ أمن الكرد السوريين، واصفاً إياهم “بأفضل حلفائنا” على المستوى الدوليّ في مكافحتهم للإرهاب وأنّهم سيصبحون مهدّدين مباشرةً مع الانسحاب الأمريكيّ.
وإذ لا يمكن التعويلُ على الحلّ المستورد والتدخل الخارجيّ لإنهاء الأزمة، والمطلوب الارتقاءَ لمستوى الوطنيّة والعمل على إنهاء بؤرُ الإرهابِ المرتزقِ وإرهابُ الاحتلالِ التركيّ، ليكونَ ذلك رافعة الحوارِ الوطنيّ والتوافقِ حول المستقبل.