الأطماع التركية والتجاذبات الإقليمية في سوريا

54
تحقيق/ عمر شاويش –

ما تزال أحلام الإمبراطورية العثمانية تراود ساسة الأتراك وعلى رأسهم سلطانهم الموعود أردوغان، وما زالت محاولات تطبيق الميثاق الملّي بضم شمال وشرق سوريا ولاية حلب والموصل وكركوك قائماً، لإنعاش مخطط أعد منذ مئة عام وترجم عبر اتفاقيتي سايكس بيكو ولوزان.
احتلال شمال سوريا يأتي في السياق نفسه بدءاً من جرابلس وانتهاءٍ بعفرين والهدف الأساسي من الاحتلال التغير الديمغرافي لسكان المنطقة، وفرض أشكال الاستعمار في ممارسة سياسة التتريك وطمس الهوية الثقافية الحقيقية لتلك الشعوب، وعلى الأخص الشعب الكردي، وتحت ذريعة حماية أمنها القومي ومحاربة الإرهاب كما تدّعي في خداع الرأي العام العالمي والتركي تمارس شتى أشكال الإرهاب من قمع الحريات، وكم أفواه الصحافة، وابتزاز العالم عبر مرتزقة داعش وجميع الفصائل الإسلامية الرجعية والتي موّلتها وصنعتها تحت مسميات داعش والنصرة والسلطان مراد وغيرها.
الخلافة الإسلامية وأوهام السلطنة
الدولة التركية تستخدم الدين الإسلامي في تصدير الأفكار والأيدولوجيات المتطرفة الإرهابية في العالم الإسلامي، كما تستخدم العنصر “التركي” ضمن القادمين من أوسط آسيا والذين اعتنقوا الإسلام بعدما رأت إن وقوفهم ضد الفتوحات الإسلامية وحربهم معها سيكون بمعنى الانتحار. لذلك؛ دخلوا الإسلام وقاموا بقيادة الإسلام في إمبراطوريتهم العثمانية واحتلوا العالم الإسلامي أربعمئة عام.
وكونها صاحبة مشروع الدولة الإسلامية في سورية والعراق؛ تمول المنظمات الإرهابية المتطرفة كافة بالعتاد والدعم اللوجستي، وتحصل على أموال من دول الخليج في تمويل مشروعها الاحتلالي، وقامت مؤخراً بابتزاز السعودية في مقتل الصحفي “خاشقجي” للحصول على أموال لتمويل المشاريع الإرهابية.
تناقضات دولية وأحلام وتهديدات عثمانية
الدولة التركية هي أكثر الدول التي استفادت من التناقضات العالمية،  بين المعسكر السوفيتي السابق والمعسكر الغربي، من خلال دورها بحلف الناتو، وكونها منطقة استراتيجية في الشرق الأوسط بمقدورها التحكم بالقضايا الإقليمية في المنطقة، وأن تكون حارساً للغرب.
انتهازية الدولة التركية وميكافيليتها تحت قيادة أردوغان، تمكنها من  اللعب بين قوتين عالميتين روسيا الاتحادية وأمريكا والغرب عموماً، والاستفادة من أزمات المنطقة واللعب بمقدّرات ومصير تلك الشعوب انطلاقاً من ليبيا ومصر ومروراً بسوريا؛ لأنها  تملك أوراقاً هامة في أداة دورها في المنطقة، وتقربها من روسيا الاتحادية يأتي في السياق نفسه من الحروب غير المعلنة عالمياً في السيطرة على العالم والاستفادة بشكل انتهازي في إنشاء مناطق خفض التوتر وسحب فصائل المرتزقة من منطقة الى أخرى في الرقعة السورية لضرب مشروع الإدارة الذاتية والأمة الديمقراطية وألا يكون هناك حل للازمة السورية، وصفقات صواريخ “إس400” وطائرات “ف 35” من كل من روسيا وأمريكا، وكذلك ابتزاز أوروبا بفتح أبوابها أمام المتطرفين للحصول على أموال والتخلص من أزمتها الخانقة، والتي صرفت أكثر من نصف ميزانيتها على فصائل مرتزقة متطرفة، وعلى جيوشها في ضرب تطلعات وآمال الشعب الكردستاني.
من جهة أخرى؛ وفي اتفاق وتواطؤ مع روسيا التي تسعى لاستبدال عفرين لتخرج منتصرة ويكون لها دور في ادارة ملفات منطقة الشرق الاوسط وسوريا ويكون لها قواعد ومراكز فيها، وأن يعود دورها كقوة عالمية في التحكم بقضايا الشرق الاوسط، والتحالف الروسي الإيراني التركي تأتي لإضعاف التواجد الامريكي ـ الأوروبي وكسب تركيا حليف الناتو إلى جانبها؛ لأن تركيا كانت بالنسبة للاتحاد السوفيتي تلعب دور الشرطي الغربي وايضا القاعدة العسكرية لحلف الشمال الاطلسي في إنجرليك وأيضاً البوابة الروسية على الشرق الاوسط وأوروبا.
أزمات داخلية ونزاعات وفتن طائفية خارجية
تعاني تركيا أزمة داخلية خانقة وهبوطاً في سعر الليرة التركية؛ بسبب سياسة أردوغان التعسفية في قمع الحريات والدخول في صراعات ونزاعات إقليمية، واحتلال شمال سوريا ومحاربتها لحركة التحرر الكردستانية، والدعم اللامحدود للفصائل المرتزقة المسلحة، والنزعة القومية الشوفينية، وكذلك في الخارج فهي تخلق نزاعات دموية وهدّامة بين الشعوب والمكونات والإثنيات؛ لأن مشروع أردوغان العثماني يتطلب خلق حروب أهلية مدمرة وتهجير وتشريد الملايين كما عملت في استقطاب ما يقارب أربعة ملايين لاجئ سوري إلى أراضيها لابتزاز الأوروبيين بالإرهاب والمهاجرين، وحيثما كانت هناك فرصة لبزوغ شمس الحرية يكون أردوغان مانعاً ومعادياً لها كما حدث في انتخابات باشور كردستان، ووقوفه ضدها ومحاربتها وحصار باشور حصاراً مطبقاً بالاتفاق مع الحكومة المركزية ونظام الملالي في إيران.
وكما قامت باحتلال عفرين؛ المنطقة الأكثر أماناً واستقراراً في سورية وأدخلت المرتزقة إليها، وقامت بتهجير السكان الأصليين من الكرد، وجلب عوائل المرتزقة من الجنوب السوري وتوطينهم في عفرين وطمس الهوية الكردية وتدمير البنى التحتية وهدم المعالم والهوية الكردية للمدينة، وفرض اللغة التركية في المدارس وتأتي كل هذه السياسات في سياق حرب الإبادة العرقية والصمت العالمي عن انتهاكات كهذه وجرائم حرب يندى لها جبين الإنسانية.
مشاورات واتفاقات دولية والهدف الإدارة الذاتية
لا يخفى على أحد بان مناطق خفض التوتر (بحسب مؤتمر آستانا) والهدف التركي هو عدم قيام الفيدرالية في شمال سوريا والتي تحتضن مكونات المنطقة كافة من كرد، وعرب، وسريان، وأرمن، وآشور، وتكون بديلاً عن الدمار والحرب الأهلية، وتشكل قلقاً على الدولة القومية المتمثلة بتركيا وحليفتها إيران أيضاً كون هذه الدول لها سجل أسود في القمع والانتهاكات بحق الأقليات والشعوب التي رسمها استعمار سايكس بيكو في تقسيم كردستان وضم أجزاءها إلى دولهم. ولأن الإدارة الذاتية وبفكر ومنهج الأمة الديمقراطية تكون بمثابة الحل لأزمات الشعوب في الصراعات الطائفية والعرقية التي خلقتها أجندات الرأسمالية العالمية، وأن الرأسمالية العالمية وعلى رأسها أمريكا لم تكن يوماً مسانداً لحركات التحرر العالمية ولتطلعات الشعوب نحو الحرية والديمقراطية، بل كانت تحتل تلك الشعوب وتمارس أبشع أشكال الاستعمار بحقهم، وتخلق صراعات طائفية وقومية وعرقية ومذهبية، وتغذيها لخلق ازمات تمكنها من بسط السيطرة والنفوذ. ودخولها إلى سوريا ليس من أجل إيقاف الحرب الأهلية فيها، كما كان في العراق وأفغانستان وإيجاد حل لتلك الشعوب عن  طريق  منابر مثل الأمم المتحدة ومجلس الأمن، بل كانت تراقب وتمول تلك الحروب؛ لأن ليس من مصلحتها أن يعم السلام والديمقراطية على العالم؛ كون وجودها كنظام رأسمالي عالمي يتطلب منها خلق صراعات ونزاعات وتفريغ أزماتها الرأسمالية الخانقة لبسط الهيمنة.
أجندات دولية ومصالح متضاربة إقليمية
يأتي الوجود الأمريكي في شمال سوريا لسببين، أولها حماية حدود إسرائيل من التمدد الإيراني والميليشيات الطائفية، التي تشكل خطورة على أمن إسرائيل وألا تكون سوريا بوابة للتمدد الإيراني إلى البحر الأبيض المتوسط، والسبب الثاني؛ كون الفصائل الإرهابية المتشددة تشكل خطراً على الدول الأوروبية وأمريكا نفسها بعد إحداث الحادي عشر من أيلول في امريكا بتجنيد الأفراد المتشددين كافة في أوروبا وتدريبهم وتمويلهم وتشكيل فصائل راديكالية متطرفة منهم، ودفعهم إلى الحرب السورية لتصفية الحسابات الإقليمية والعالمية.
ولما رأت أمريكا والغرب أن المقاومة الباسلة التي تقودها وحدات حماية الشعب ووحدات حماية المرأة في كوباني، وأنهم مقاتلين أشداء في محاربة مرتزقة داعش ومن أجل كسب تعاطف الرأي العام العالمي وأيضاً أن داعش يهدد الأمن والسلم العالمي وإن انتصرت في كوباني سيكون العالم كله مهدداً، فقامت أمريكا وأوروبا بدعم المقاومة في كوباني ورأت بانها أفضل طريقة للتخلص من ارهابهم في أوروبا وأمريكا بأن تدعم وحدات حماية الشعب ومن ثم قوات سوريا الديمقراطية بالتحالف معهم لتتخلص من ذلك الإرهاب الذي يشكل أرقا للعالم أجمع.
فيما يأتي التحالف الأمريكي ـ الأوروبي مع قسد في سياق محاربة الإرهاب، بينما المنبع الأساسي هو حكومة العدالة والتنمية التي ترعى الإرهاب والمرتزقة بالأشكال والطرق كافة سواء بالتدريب، أو التجمع والسكن وجوازات السفر والمرور والدعم اللوجستي وغير ذلك، وطبعا رأت أمريكا في حربها من يمولها وهي الدول الخليجية التي تخشى من التمدد الإيراني في سوريا، وتصدير ـ أزمتها من صراع السني ـ الشيعي، والهيمنة الإيرانية على الخليج العربي وجعله فارسياً، وحربها في اليمن بالوكالة، واستنزاف قدرات إيران والسعودية على حد سواء.
إن دور الولايات المتحدة الامريكية في المنطقة مبني على استراتيجية حماية مصالحها وبسط هيمنتها، وخلق نزاعات وصراعات، وليس خافياً بأن أمريكا كانت لديها علاقات استراتيجية مع ثورة ملا مصطفى بارزاني في مقارعة الفاشية العراقية آنذاك. ولما رات ان مصلحتها تقتضي بسحب البساط من تحت الثورة الكردية قامت بإبرام اتفاقية الجزائر بين ايران والعراق وأمريكا، وتم القضاء على الثورة الكردية في باشور كردستان عام 1975، وأيضاً عندما أعلن الكرد عن استفتاء كردستان في باشور كردستان؛ تخلت عنهم وجعلتهم لقمة سائغة امام التهديدات العراقية والتركية في اجتياح باشور، وايضا اغلقت اعينها في عفرين وكان كل الاسلحة المستخدمة في احتلال عفرين اسلحة الناتو التي تقوده أمريكا، ولا ننسى الدور الروسي (الاتحاد السوفيتي) في الثورات الكردية عندما تخلت عن جمهورية مهاباد الكردية وسحبت الجيش الأحمر السوفيتي من مهاباد وتركت الكرد أمام جبروت الهيمنة الفارسية، وأيضا عندما قام نظام الفاشي العراقي بإبادة الكرد في الأنفال وحلبجة والذي ذهب ضحيته بالأسلحة الكيماوية ما يفوق خمسة آلاف كردي. ولم يدين النظام الدكتاتوري العراقي، بل وصفوا الفاشي صدام حسين بالمظلوم وأنه يتعرض لـ “مؤامرة”، وأيضا عقد الصفقة مع الأتراك بتسليم عفرين مقابل الغوطة وفتح المجال الجوي السوري أمام اعتى قوة فاشية في احتلال عفرين.
وراء الأكمة ما وراءها…
الانسحاب الأمريكي، القرار ـ الصفقة الأمريكية- التركيةـ بسحب القوات الأمريكية من شمال وشرق سورية وترك ملف محاربة الإرهاب لحكومة أردوغان لتتولي ذلك، ما زالت تثير الكثير من الجدل وتخرج في كل ساعة قرارات وينتج عنها تغييرات جذرية على الأرض، والهدف كما أسلفنا سابقاً ـربما- جر تركيا إلى المستنقع السوري وإفشال الحلف التركي ـ الروسي ـ الإيراني؛ لان كل تلك الأنظمة تملك أجندات في سوريا ومصالح أيضا يمكن أن تؤدي إلى حروب بينهم في المستقبل؛ كون كل دولة لها مصالح استراتيجية في سوريا لا يمكن التنازل عنها بسهولة.
 وبالنسبة للروس والإيرانيين مسالة الوجود لأدوارهم في المنطقة ونفوذهم يحدد مصيرهم كقوة عالمية وإقليمية، أما بالنسبة للأتراك  فتعتبر احتلالها لشمال سوريا وشرقها مسالة “وجود”، فيما تحاول امريكا إبقاءها شرطيا لها في الشرق الاوسط وتغريها بصفقات عدة، ولتنوب عن حلف الاطلس الذي بدا بوادر عدم الانسجام والمصداقية تظهر بينهم، وبخاصة بعدما اتخذ ترامب قرار الانسحاب في سوريا، وجعل من حلفائه الغرب وعلى رأسهم الفرنسيين وإنكلترا في مواجهة مع تركيا، وامتعاض ألماني من قراراته. داعش ما تزال قادرة على دق باب أوروبا، ويكون ناقوس الخطر قد بدأ يدق في مدنهم ويكون أردوغان أميرهم مساهماً في ضرب أية دولة منهم، ويستمر ابتزازهم بالولاءات ودفع أموال يسخرها في حربه الفاشية القذرة ضد الكرد أينما وجدوا.