عفرين أولويةٌ يعطّلها الاتفاقيات الدولية

25
تحقيق/ رامان آزاد –

مع السنةِ الثامنةِ يبدو جليّاً أنّ أنقرةَ قد راكمت كلَّ عناصرِ الأزمةِ السوريّةِ، وتمكّنت من التحكّم بكلِّ الفصائلِ المسلّحةِ على اختلافِ مسمياتها وانتماءاتها وعقائدها وطوّعتها وفقاً لسياستها، فكلهم بالنسبة لها سواءٌ، فيما يبقى تصنيفُ الاعتدالِ والتشددِ شأناً دوليّاً دعائيّاً. كما ثبتَ تماماً أنّ أنقرة هي أحدُ أهمِ عواملِ صناعة الأزمةِ السوريّةِ، وليست صحيحاً أنّها تدخّلت فيها لاحقاً. وإذا كانت تركيا فبركت لاحتلال عفرين بضرورة أمنيّة، فإنّ تحريرها أولويةٌ وطنيّةٌ.
موسكو وأنقرة علاقاتُ تخادمٍ
استثمرتِ الحكومةُ التركيّةُ جملةً من العواملِ لصالحِها وتلاعبت بها لتحقيقِ أهدافِها في إقامةِ دولةِ السلطنةِ العثمانيّةِ الجديدةِ التي بشّر بها أحمد داوود أوغلو في كتابه العمقِ الاستراتيجيّ، ومن أهمّها العاملِ الدينيّ، فالأزمةُ بدأت بحراكٍ سلميّ تضمن حاجاتٍ مطلبيّةً، إلا أنّ أنقرة عملت حثيثاً لإلباسها البعدَ المذهبيّ، ما فتح آفاق بعيدةً للحربِ، وإذا كانت أنقرة قد بدأت بدعم التنظيماتِ المسلّحة ذاتِ الخلفيّة الإخوانيّة؛ فإنّها لم تدّخر جهداً في الانفتاحِ على تنظيماتِ القاعدة والسلفيّة، كما استغلتِ العاملَ القوميّ فأولت اهتماماً خاصاً بالفصائل ذات الجذورِ التركمانيّة، ومكّنتهم من الاستيطانِ في ريف اللاذقية الشمالي، في إطارِ خطةٍ بعيدةٍ المدى للتغيير الديمغرافيّ، ولعبَ العاملُ الجغرافيُّ وطولُ الحدودِ المشتركةِ مع سوريا دوراً مهماً في تقديمِ الدعمِ اللوجيستيّ للإرهابيين، عدا أنّها أضحت معبراً لدخولِ المرتزقة، وخروجِ اللاجئين السوريين. كما استغلتِ العاملِ الدوليّ، إذ تدركُ أنقرةُ ثقلها الإقليميّ بالنسبةِ للدولِ العربيّة، وحاجةَ دولِ أوروبا لها، وكذلك استفادت من التنافسِ الأمريكيّ الروسيّ، فلعبت في الهوة بينهما.
اعتباراً من اتفاقِ حلب، استطاعت تركيا أن تجنيَ الثمارَ مباشرةً، وتتحوّلَ من الدعمِ خارجَ الحدودِ، إلى التدخل العسكريّ المباشرَ وتجاوزت قواتها المسلّحة الحدودَ، فاحتلتِ مدينتي الباب وجرابلس بشكلٍ مباشرٍ، بالتوافقِ مع مرتزقة داعش، وفي 18 آذار 2018 احتلت كاملَ مقاطعةِ عفرين بتوافقٍ مباشرٍ مع موسكو وفي ظلِّ صمتٍ دوليّ، وواجهت مقاومةً باسلةً قرابة شهرين. وتدخلت في إدلب عبر التوافقِ مع طهران وموسكو وأقامت فيها نقاط مراقبة قريبة من مناطق انتشارِ هيئةِ تحريرِ الشام، وعارضت بشدّةٍ العملية العسكريّة المشتركة السوريّة الروسيّة بإدلب التي تحوّلت إلى خزّان الإرهاب بعد عملياتِ الترحيل المتتابعة من مناطق أخرى تحت مسمّى المصالحة الوطنيّة، وباتت تشن هجمات على المناطق الحدودية من الشمال السوري مثل كوباني، كري سبي، ودرباسيه، وأما معارضةُ أنقرة للعملية العسكريّة في إدلب فهو للحيلولةِ دونَ فتحِ ملفِ احتلالها عفرين والمناطق المحتلة الأخرى، ومن أجل المحافظة على الكيان الإرهابيّ، إذ أنّ نهايةَ الإرهاب يُفقِدُها ورقةَ الضغط والمساومة. ولذلك؛ تبادلتِ المصالحَ مع موسكو بتفاهمِ سوتشي، لإنشاءِ مناطقَ عازلةٍ، وتهدفُ موسكو أولاً إلى تأمينِ قاعدةِ حميميم كضرورةٍ ملحّةٍ بعد استهدافاتٍ متتاليةٍ بطائراتِ الدراغون المسيّرة.

في الواقعِ كانت موسكو تتفهمُ حجمَ الدورِ التركيّ، وكانت بحاجةٍ لهذا الدور، لإنجازِ خطتها الهادفة لإعادةِ كاملِ الجغرافيا السورية لسيطرةِ النظام بصرفِ النظرِ عن النتائج المترتبةِ على ذلك، وكان ذلك واضحاً من خلال الترسانةِ العسكريّةِ الضخمةِ والأسلحةِ الحديثةِ التي أدخلتها إلى سوريا، وإذ لم يمكن بالمستطاع أن تحقّقَ أهدافَها عبر القصفِ الجويّ سعَت إلى استيعابِ سياسةِ أنقرة المقرّبة من مختلفِ الفصائلِ الإرهابيّة المقاتلة على الأرض، وطوت كلَّ صفحاتِ الخلافاتِ معها، اعتباراً من الحساسيّةِ التاريخيّة التي تعودُ للحقبةِ العثمانيّةِ والقيصريّة، وكذلك مسائلَ معاصرةٍ حول أزمةِ ناغورني كراباخ وأخرى استجدّت خلال الأزمة السورية، كإسقاط قاذفتها سو24 وقتل الطيار، ومن بعدها اغتيال سفيرها في أنقرة، وليس بالوسع تسمية العلاقة إلا بالتنافع، فقدّمت موسكو حزمةَ حوافزِ لأنقرة على شكلِ اتفاقاتٍ سياسيّةٍ واقتصاديّةٍ وصفقاتِ سلاح. ورغم أنّ أنقرةَ تمرُّ بأزمةٍ ماليّةٍ خانقةٍ نتيجةَ تراكمِ الديونِ الخارجيّة، إلا أنّها تملكُ أوراقاً سياسيّةً مهمةً وهوامشَ مناورةٍ، وتحاولُ استثمارِها للحدِّ الأقصى، خشيةَ أن تُفرضَ عليها شروطٌ قاسيةٌ للخروجِ من سوريا، وتذهبَ عائداتُ فشلِها لصالح الكردِ.
دمشقُ قلبُ لا يخفق للمواطنين الكرد
تؤكّد الأحداثُ أنّ التناقضَ الكرديَّ ـ التركيّ هو الأعقدُ في المعادلةِ السوريّةِ، ليس بالنسبةِ للكردِ وحكومةِ أنقرة وحسب، بل ولدمشق أيضاً، بتأثيرِ العواملِ المشتركةِ ذاتِها التي تستثمرُها أنقرة، ومنها طولُ الحدودِ السوريّة التركيّة، والعلاقاتِ البينيّة والموقفِ من القضية الكرديّة، وسلسلة التغيرات السياسيّة والديمغرافيّة بين مكوّنات البلدين، ليزدادَ بالتالي تعقيدُ العلاقةِ بين دمشق وأنقرة.

تأسستِ القضيةُ الكرديّةُ في سوريا بوضوحٍ اعتباراً من بدايةِ الستيناتِ وصدورِ قانونِ الإحصاءِ، وتكرّست حالةُ الإقصاءِ والإلغاءِ، واستمرّت حتى اليوم. ومع انطلاقِ الأزمةِ في السوريّةِ كان الكردُ بيضةَ القبّانِ في المعادلةِ السوريّة، إلا أنّهم اتخذوا مساراً مختلفاً تمثّل بعدم الاستدراجِ إلى أتون الحرب (الخط الثالث الوطنيّ)، إلا أنّهم التزموا بالدفاع المشروع عن مناطقهم.
لم يبدر من دمشقَ أيّ موقفٍ إيجابيّ تجاه الاستهدافِ المسلّحِ الإرهابيّ للمناطق الكرديّة، رغم أنّها تؤكّدُ ليل نهار على محاربةِ الإرهابِ، ولم يرتقِ موقفها الرسميّ إلى المستوى المطلوب إزاء الانتهاكات والتعديات التركيّة المستمرّة على الحدودِ لاستهدافِ المواطنين الكرد، ورغم التناقض الصارخ بين دمشق وأنقرة، فإنّ موقفهما كان متطابقاً حيال الكردِ، وكان أقرب للغزل السياسيّ، وبالتالي كانت مواقف دمشق انتقائيّةً وليست على مستوى سلوك الدولة، وبرّرت ذلك بترتيب الأولوية والعجز، فيما كانت أنقرة تبرّرُ تدخلَها العسكريّ باتفاقية أضنة الموقّعة بينهما عام 1998 وهي اتفاقية أمنيّة صرفة لم يُكشفِ النقابُ عن تفاصيلها حتى اليوم، وجاءت عقبَ التهديدِ التركيّ بالحربِ على سوريا، وتجاهرُ أنقرة بأنّ الاتفاقيةَ لاتزالُ ساريةَ المفعولِ، وتجيزُ لها التدخلَ العسكريّ بعمقِ 50 كم داخل الأراضي السوريّة.
بالأخذ بعينِ الاعتبارِ طبيعةَ الدولةِ القوميّةِ القائمة في سوريا، والتي لا تقرّ بأيّ وجودٍ قوميّ آخر لغير العربِ، وتؤكّد على عروبةِ تفاصيلِ الحياة، وأنّها حاملة الهمّ العربيّ وأنّها قلبُ العروبة النابض، ولذلك لم يخفق قلبها بنبضةٍ واحدةٍ، إزاءَ كوباني وسري كانيه وعفرين وقرى الباب ذات الغالبيّة الكرديّة، وهذا على المستوى السياسيّ الرسميّ.
الكردُ بين الحلّ الوطنيّ والحلم القوميّ
أما على المستوى الشعبيّ، فمن المهمِ ملاحظةُ أنّ العلاقة بين الكرد والعرب رغم تاريخيّتها إلا أنّ المجتمعَ وقع تحت تأثيرِ سوءِ فهمِ تراكم عبر عقودٍ، بسببِ الثقافة المفروضة على المجتمع السوريّ ككلّ، فالعرب يعيشون حالة توجّسٍ عامة إزاء الكرد، ولعلها تصلُ إلى حدِّ القطيعة ببعضِ التفاصيلِ، وفي أجزاء من الجغرافيا التي يندر فيها وجودُ الكرد، ولم تخرج أيّ تظاهرة شعبيّة في المدن السوريّة للتنديد بالاحتلال التركيّ، وبذلك بلع السوريون طُعم الدعاية التركيّة حول الانفصال والتقسيم.
أما بالنسبة الكرد ووفقاً لحالةِ الانتماءِ الحزبيّ، وحتى العاطفيّ الفطريّ، فثمّة تناقضٌ بين فكرتين الأولى تتمثلُ بإيجادِ حلٍّ اجتماعيّ وسياسيّ للكرد ضمن سياقٍ وطنيّ سوريّ يؤطره الدستورُ قانونيّاً، والثاني حلمٌ تاريخيّ إقليميّ يتجاوزُ الحدودَ الوطنيّة وتعارضُه بشدةٍ دولِ (سوريا والعراق وتركيا وإيران)، وقوامُ هذا الحُلمِ إسقاطُ اتفاقية سايكس بيكو وإنشاءُ كيانٍ كرديّ مستقلٍ يضمُّ كلَّ الكردِ في دول الجوارِ الجغرافيّ وهو ما تقوله تياراتٌ وأحزابٌ سياسيّةٌ كرديّةٌ تنظيراً دون أيّ فعلٍ واقعيّ، إذ أنّ حلماً كهذا يتطلبُ وحدةَ موقفِ عامةِ الكردِ، ولعلّ هذا الحُلم بات شكلاً من الرومانسيّة الحزبيّة بالنظرِ إلى حجمِ التبايناتِ بين وضعِ كرد سوريا وخصوصيّتهم التاريخيّة المختلفة عن سائر كردِ المنطقةِ، وهو أقربُ لشعاراتِ حزب البعث في الوحدة العربيّة، فجاءتِ الصيغةُ التنظيميّة على نحو قوميّ، إلى أنّ تمّ اقتصارها على سوريا مؤخراً، وإلغاء القيادة القوميّة.
بكلِّ الأحوالِ أفرزتِ الحربُ السوريّة أهميّة وحجمَ الكردِ في المعادلةِ السوريّةِ وبخاصةٍ تحوّلهم إلى قوةٍ عسكريّة وطنيّة مع مكوّنات سوريّة أخرى، صمدوا في وجه التحدّيات وقارعوا الإرهابَ وحرّروا مساحات كبيرة من الأرض من براثنِ الإرهاب، وكسبوا بذلك احترام العالم.
تخوّفت تركيا من تعاظمِ دور الكرد لجهة المشروع الديمقراطيّ الوطنيّ الذي يعملون عليه، والذي من شأنه أن ينسفَ ركائزَ الدولةِ القوميّة، فكانَ العدوانُ على عفرين لإنهاء المشروع الديمقراطيّ، خشيةَ انتقالِ التجربة إليها على مستوى الإدارة ومأسسة المجتمع، وزاد الحنقُ التركيّ مع زيادةِ التنسيق مع قواتِ التحالفِ الدوليّ، فارتفع منسوبُ توترِ العلاقاتِ التركيّة ـ الأمريكيّة، رغم اللقاءاتِ المشتركةِ بين البلدين والتنسيق في بعض المفاصل كما في منبج، إلا أنّ الطلبَ التركيّ هو أبعد من ذلك بكثير، والقضية لا تنتهي بالنسبة لها بإبعادِ الوحدات العسكريّة الكرديّة عن الحدود، بل بإنهائها نهائيّاً ومحاربتِها بزعمِ تهمةِ الإرهاب وإنهاءِ الوجودِ الكرديّ ككتلة ديمغرافيّة على الحدود، وقد أوكلت مهمةَ التغييرِ الديمغرافيّ للفصائلِ الإرهابيّة التي ساقتها إلى عفرين والتي تقومِ بتضييق فرصِ الحياة على الأهالي وتواصلُ عملياتِ الخطفِ والاعتقالِ والقتلِ والسرقةِ لدفعهم لإخلاءِ بيوتهم وقراهم، وكذلك عبر تنظيمِ الاستيطان للمُرحّلين من ريف دمشق.
حوارٌ يعطّله سوء الفهم
مع انحسارِ الإرهابِ كان من المتوقع بصورةٍ طبيعيّة بدءُ الحوارِ الوطنيّ، وتحديداً بين مجلس سوريا الديمقراطيّ ودمشق، إذ لا بديلَ وطنيّ للمسارِ السياسيّ السلميّ، وقد كانتِ الإدارة الذاتيّة قد دأبت على طول مسارِ الأزمةِ السوريّةِ تدعو للحوارِ الوطنيّ الشامل. وإذا كانت مسد قد حضرت إلى دمشق بانفتاحٍ كاملٍ وبدون شروطٍ مسبقةٍ، فإنّ دمشق رفعت سقفِ شروطها، لاستدراجِ موقفِ الرفضِ، من أجلِ تبريدِ الملفات الأساسيّة، لتؤكّدَ على عزمها بالعودةِ بسوريا إلى ما قبل آذار عبر الحلِّ العسكريّ 2011، وبهذه الصورة؛ فإنّ عقليّة سوءِ الفهمِ التاريخيّ للقضية الكرديّة ما زالت تحكمُ سياسةَ دمشق، بالتزامن مع خطاباتٍ إعلاميّةٍ وتصريحاتِ مسؤولين سياسيين تزيدُ حالةَ الشحنِ القوميّ.
تدركُ قياداتُ مسد أنّ القضيةَ بعد عفرين تأخذ بعداً أكثر عمقاً ودلالة، فدمشقُ أعلنت أنّها تحاورُ قسد، وهي القوةُ العسكريّة، وليس مسد الذي يمثل المشروع سياسيّاً، إذ تريدُ عزلَ القوة العسكريّة عن المشروع السياسيّ ما يعني عدمَ الإقرار بها قوّة محرّرة، بل مسيطرة على الأرض، وافترضت دمشقُ قبولَ وفدِ مسد كاملِ شروطها ليستمرَّ الحوار، وإلا فالبديلُ استخدامُ القوة حسب ما لوّحت به ضمن الدعوةِ للحوار.
تشيرُ الوقائع ظاهريّاً لانفتاحٍ بين الطرفين، بالنظرِ إلى طبيعةِ المرحلة وضرورةِ الحوار، وعدم الصدامِ المسلّح بين الطرفين إلا في حوادثَ محدودةٍ، إلا أنّ الانغلاقَ على الشروط كان عمليّاً، فدمشقُ تصرفت بعقليّة ما قبل الأزمة تماماً، وكأنّ ذلك هو الحلّ النهائيّ للأزمة، وفرضت شروطها التعجيزيّة لإظهارِ الإدارةِ الذاتيّةِ في موقعِ الرافض للحلّ استقواءٍ بواشنطن، وروّجت لذلك عبر الإعلام تحضيراً لعملٍ قادمٍ، والسؤال الذي يطرح نفسه هو حول تطابق وجهة نظر موسكو وأنقرة وموسكو، والترويج لفكرةِ وجودِ دويلة خياليّة شرق الفرات.

وبذلك؛ فإنّ دمشقَ قد رتّبتِ الملفاتِ على طاولةِ الحوارِ وحضّرت شروطَها واختصرتها بنقاطٍ منها تسليمُ كاملِ المناطقِ المحررةِ لسيطرةِ النظام والتنازلُ مسبقاً عن أيّ خصوصيّةٍ أمنيّةٍ وعسكريّةٍ ودبلوماسيّة شرطاً لاستعادةِ الهوية الوطنيّة، وليبدأ بعدها النقاشُ حولَ سوءِ الفهمِ المزمن، وعنوانه لا مركزيّة إداريّة محدودةِ الصلاحياتِ وتنتهي بوزارة، ولا تحدّدُ أطرَها هوياتٌ دينيّة عرقيّة. ولهذا؛ طلبت تنظيم انتخابات الإدارة المحليّة.
الزمنُ مهمٌ جداً وفقَ توقيتِ موسكو، فالوقتُ يضيقُ أكثر مع إرجاءِ معركةِ إدلب، إلا أنّها استجابت لتبريدِ قضيةِ عفرين في سياق استيعابِها لأنقرة وأدائها للمهمةِ الموكلة إليها في إدلب، وفي محاولة لتوجيه الأنظار بعيداً قال لافروف مؤخراً: “إنّ خطرَ التقسيمِ يكمنُ شرقَ الفراتِ”، متناسياً الدعواتِ لإقامة ولايةً إسلاميّة ذات استقلاليّة في إدلب بالتوازي مع الدعوةِ لإجراءِ استفتاءٍ على حقِّ تقريرِ المصير فيها والانضمام إلى تركيا.
من المؤكّد أنّ الإدارة الذاتيّة تدرك حساسيّة المرحلة، ورغم حجم التداخل الدوليّ حول سوريا، والاتفاقات غير واضحة المعالم، إلا أنّ تحرير عفرين يأتي في مقدمة الأولويات في أيّ حوارٍ وجهدٍ سياسيّ وعمليّ، بالتوازي مع دعم الأهالي المهجّرين في المخيمات لتقديم كلّ ما يدعم صمودهم، مع الانفتاح على كلِّ المبادرات الإيجابيّة من أجلِ إيجادِ حلٍّ شاملٍ للأزمة السوريّة يأخذ بعين الاعتبار الأسباب الحقيقيّة والموضوعيّة لاندلاعها، لمنع تدوير أسباب الأزمة، ومن أجل سوريا موحّدة لكلِّ السوريين.