سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011
Banner Before Header

نوروز.. وإشكالية أصل “كاوا الحداد”

دلشاد مراد-

 يحتفل الكرد كما الكثير من الشعوب الأخرى في الشرق الأوسط وآسيا الوسطى بعيد نوروز في 21 آذار من كل عام، حتى أنه أصبح بمثابة العيد القومي لهم، وله دلالات ومعان سامية على أكثر من صعيد، فتصادفه مع يوم بدء الربيع له رمزية التجدد والعطاء والحياة، وفي دلالته التاريخية تأكيد على قدسية المقاومة وسمو الحرية وعشق الشعوب لها وانتصار الحق والسلام على الظلم والجور والحرب.
وتُرجع الأدبيات القومية الكردية نوروز إلى أسطورة كاوا الحداد الذي من المفترض أن يكون مخلص ومحرر الكرد والشعوب الأخرى من ظلم الملك الظالم آزدهاك. تلك الأسطورة منقولة من قبل المصادر الكردية عن الكتاب الفارسي (الشاهنامه) للفردوسي، وبالتالي لا أساس كردي أصيل لهذه الأسطورة، ويعتمد الكرد في وجود شخصية كاوا على واقعة قيام الميديين (أجداد الكرد) بقيادة (كي إخسار) بالتحالف مع الكلدان وإسقاط الإمبراطورية الآشورية والتحرر من جورها وظلمها معتبرين ذلك بداية لعهد جديد قوامه الحرية والسلام، وبذلك ظهر عيد النوروز وبدؤوا بالاحتفال به.
ولكن بالعودة إلى صفحات التاريخ الميدي نجد أن اسم آخر ملوك ميديا هو آستياك (قريب جداً من آزدهاك أو الضحاك حسب التعبير الفارسي الحديث)، والشخص الذي أسقط حكم آستياك ومعه ميديا هو كورش الفارسي (قريب من اسم كاوا). وأن الملك الآشوري الذي أسقط حكمه على يد الملك الميدي كي إخسار كان اسمه (سين شار أشكن). ولكن هل هذا يعني أن كاوا الحداد هو نفسه كورش الفارسي الذي أسقط حكم الميديين الكرد، وأن الفرس قلبوا حقائق الأمور كلياً.
يقول المؤرخ الكردي السوري د. أحمد محمود خليل بهذا الخصوص: “تعالوا لنرى ماذا فعل الفرس بملكنا العظيم أزْدَهاك؛ إنهم لفّقوا لهيرودوت خرافة طويلة، جعلوا فيها كورش محاطاً بالرعاية الإلهية منذ طفولته، وجعلوا أَزْدَهاك طاغية يعمل بنصائح إبليس، واختلقوا قصّة أن حيّتين نمتا على كتفيه، فكان يقتل كل يوم شابّين، ويجعل مخّيهما غذاء للحيّتين، وجعلوا اسمه (أژْدَها) Ejdeha أي التنّين، فثار عليه الشعب بقيادة حدّاد يدعى (گاوا) وليس (كاوا/ كاوِه)، واستلم فَريدون (أفْريدون) السلطة، فقبض على أزدهاك، وسجنه في جبل دُنْباوَنْد، ثم قتله، فسُمّي ذلك اليوم (نوروز)”.
ويضيف خليل: “إن المؤرّخين الفرس أدخلوا هذه الخرافة إلى المراجع الإسلامية، وتناقلها بعض المؤرخين المسلمين من غير تدقيق. ووصلت هذه الخرافة إلى العصر الحديث بالكيفية التي صاغها الفرس، وأخذناها نحن الكُرد من غير تفحّص، ورحنا في كل عيد نوروز نشتم ملكنا العظيم أزدَهاك ونشيطنه، ونتّخذه رمزاً للشرّ، ونهوي بمطرقة كاوا على رأسه”.
ينبغي التنويه أيضاً إلى أن العديد من المصادر تذكر أن نوروز احتفال قديم وسابق لعصر الميديين والآشوريين، وأنه طقس احتفالي آري (أي بمعنى كردي قديم) باعتبار أن طريقة الاحتفال به من قبيل إشعال النيران في المرتفعات هي من الطقوس القديمة في كردستان خصوصاً.
ما يهمنا أن ننبش تاريخنا من جديد، وبأيد وخبرات أبناء المنطقة، دون الاعتماد كلياً على مصادر الغير، نحن بحاجة إلى أكاديمية تاريخية لإعادة البحث في مجمل تاريخ منطقتنا وكتابتها من جديد.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.