سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011
Banner Before Header

كيف ننظر إلى سوريا المستقبل؟!

في الأيام الأخيرة يدلي بعض المسؤلين من النظام السوري ببيانات حول رؤيتهم للأزمة السورية ككل والقضية الكردية بشكل خاص، نرى أنَّ رؤيتهم لا تخرج عن إطار حصر القضية الكردية في الحقوق الثقافية، وحصر الأزمة السورية بمطالب كردية بسيطة ممكن حلها لدى التفاهم على بعض الخطوط الحمراء التي يتمسَّك بها. بالرغم من أن الوفد الذي زار دمشق شمل الكرد والعرب والسريان، وكان مُمثلاً للمناطق التي تحررت من داعش في العامين الأخيرين، إلا أنَّهم مصرون على أن يخاطبوه كوفد كردي، وبالرغم من أنَّه تم طرح العديد من المواضيع التي تتعلق بالدستور ومبادئ فوق دستورية مع عدم التعمق بها والاتفاق عليها، إلا أنَّهم يركزون على سيادة سوريا على أراضيها وربطها برفض الفيدرالية الكردية في سوريا. أي أنهم يتحدثون بأمور لم تحدث وغير موجودة أصلا، وهم لا يريدون مواجهة الحقيقة ويتهربون منها حتى هذه اللحظة وسيستمرون على ذلك، لا يريدون تحمل مسؤولياتهم أمام التاريخ، فتحمل المسؤولية تجاه الشعب والتاريخ تحتاج لقوة وجسارة ووعي بمصلحة البلد والسوريين ككل.
دعوة دمشق لمجلس سوريا الديمقراطية لاقت القبول وذهب وفد إلى دمشق لإعطاء رسالة مفادها أنَّ سوريا واحدة والحل سيكون سورياً ـ سورياً، لكن سوريا الموحدة لا تعني النظام التوحيدي المركزي، هناك فرق بين أن تكون سوريا لفئة من السوريين وأن تكون لكل السوريين، بنظام يتوافق عليه كل السوريين، كان من الممكن اختيار مكان آخر أكثر حيادية للقاء، لكن اختيار دمشق كمكان كان مقصوداً. الوفد المشترك من مناطق شمال وشرق سوريا ومكوناته أيضا كان مدروساً، ليعلم النظام أنَّ من زار دمشق لم يكن فقط وفداً كردياً، ومطالب التغيير هي ليست مطالب كردية فقط، إنَّما هي مطالب لعموم الشعب السوري. نعم الوفد ذهب وطرق باب النظام الذي لا زال يفرض وصايته على مساحة كبيرة من الجغرافية السورية، ليقول له: نحن مستعدون للتفاوض والاتفاق على إنهاء الأزمة السورية ورسم مستقبل جديد للبلاد.
عدم إغناء الذاكرة بمصطلحات جديدة تفتح المجال لآفاق جديدة، تتسبب بكارثة على شعوبها، رفض التفكير أو حتى السماع بمصطلح اللامركزية، والإصرار على أنَّ ما سمعه هو المركزية بمصطلح سيادة سوريا على كامل أراضيها، هو استعماء عن الحقيقة.
في غالبية دول العالم الغربي هناك نظام لا مركزي تختلف مستوياتها من دولة لأخرى، لكنها تحافظ على سيادتها في كامل أراضيها. لكن في سوريا يتم ربط سيادة سوريا على أراضيها بالنظام المركزي، ويعملون بمعادلة الدولة تساوي النظام، علماً أنَّ الدولة قائمة. لكن؛ النظام هو المتغير. ومصير النظام مرتبط بمصير الحزب الواحد. لذلك تصبح عملية التغيير عملية صعبة للغاية، الاستمرار والإصرار على معادلة كهذه يعني التوجه بسوريا نحو التشتت والتشرذم وبالتالي التقسيم، فمن يتهم الكردي بتقسيم سوريا، هو نفسه يقسِّم سوريا بطرق مختلفة ونتيجة لسياسات خاطئة ممنهجة يتبعها.
وإن أردنا أن نبحث عن بادرة أو إشارة إلى أنَّ النظام مستعد لحل الازمة، يمكن أن نرى ذلك عندما يقتنع ويعترف النظام بأن الأزمة السورية هي بنيوية ومعرفية وتاريخية وهي سياسية داخلية، لم تستورد من الخارج، والحل أيضا سيكون من الداخل وليس من الخارج، وتلك كانت الرسالة الموجهة من خلال زيارة دمشق. نحن فقط من حافظنا على نسيج شعب سوريا بشعوبه وقومياته وأديانه وثقافاته كافة في شمال سوريا وشرقها، ونحن من حافظنا على سيادة الوطن السوري وعلى مؤسساتها الوطنية كافة في هذا الجزء الهام من سوريا. بالمقابل أحدثنا التغيير في العديد من جوانبه بحيث يعبر عن واقع المجتمع السوري وموزاييكه، أي أننا أظهرنا رونق الألوان التي كانت مخفية وباهتة تحت ظل سيطرة نظام الحكم للحزب والقومية الواحدة.. ساعة سوريا معيّرة بالأساس لتكون دولة لا مركزية لأنها سوريا فسيفساء لا يمكن تطويعها لأيِّ مكون أو جهة أو حزب وأن تتقعر في مركز. نعم لدينا خطٌّ أحمرُ واحدٌ وهو أن نعيش بكرامة وحقوقنا مصانة على أرضنا التاريخية.
نعم؛ نعلم أنَّ القضية الكردية هي من إحدى القضايا الأساسية التي تعاني منها سوريا والمنطقة بشكل عام، وحلها أيضا ليس بالسهولة المتوقعة مع أنظمة مركزية متسلطة، لكن حلها أيضا يشكِّل جزءاً كبيراً من حل الأزمة، فبمجرد التفكير بحل القضية الكردية هذا يعني فتح الأبواب أمام عملية تغيير جدية تنقذ البلد من الكارثة التي وقعت بها، وحتما إن زمن الأنظمة المركزية ذات حكم الحزب الواحد والقومية الواحدة انتهى، ولا بدَّ من البحث عن طرق جديدة للحفاظ على الأمن والسلم المجتمعي ووحدة البلاد في ظل نظام ديمقراطي يضمن حقوق الثقافات والقوميات كافة.

التعليقات مغلقة.