سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011
Banner Before Header

التغيير الديمغرافي…. امتداد لجذور تاريخية

تحقيق/ فيروشاه أحمد –
لازم التغيير الديمغرافي الإنسان منذ عصورٍ خلت، ولم يأت هذا التغيير إلا من خلال أطماعٍ اقتصادية، أو سياسات عنصرية من سلطة دكتاتورية بحق شعبٍ أو مكونٍ أعزل، وقد سبقت سورية دول كثيرة بانتهاك حرمة مواطنيها، وهم يُعتبرون السكان الأصليين لتلك الأرض.
هذه الثقافة البشعة؛ مارستها أمريكا بحق الهنود الحمر السكان الأصليين لهذه القارة الجديدة، حيث تعرض هؤلاء إلى الإبادة والقتل والتهجير، وتؤكد الإحصاءات بأن أكثر من 18 مليون من الهنود الحمر قتلوا على يد الأوروبيين المهاجرين إلى أمريكا، وهناك دول وأنظمة كثيرة مارست هذه الأساليب، منها جنوب أفريقيا، وروسيا التي مارست وبكل قوة سياسات تعصبية بحق السكان الأصليين في الشيشان، والتتار والأنغوش، وتأتي اتفاقيات الإخلاء ضمن شروط التغيير الديمغرافي، وتحدث عادة في الحروب الأهلية، أو حروب بين دولتين، أو عدة دول، نتيجة خلل في الدستور، أو في العقد الاجتماعي، الذي يحافظ على كيان مجتمع ما.
التغيير الديمغرافي في سورية
منذ منتصف الستينات من القرن العشرين، وإلى الآن، وبخاصة بعد تسلُّم البعث قيادة الشعب نحو (التقدم والاشتراكية) تعاطت مع هذه الإشكالية بكل قوة، ولم تتهاون في تطبيق كل الأساليب والطرق من أجل التغيير الديمغرافي في سوريا، ضارباً عرض الحائط النسيج الاجتماعي السوري، واستكمل المشهد في بداية السبعينات من القرن العشرين، وبكل دقة، أقدمت السلطات على ترحيل مواطنين من ديارهم وأراضيهم (كرد الحسكة) واستقدام آخرين من الرقة والطبقة، وإسكانهم في تلك الأرض (الكرد حصراً).
تجددت هذه السياسة القوموية التعصبية في سورية بعد منتصف آذار 2011م حينما بدأت انتفاضة الشعب السوري، بعد أقل من ستة أشهر من هذا الحراك، لجأ النظام إلى وسائل القمع والعنف، وهذه كانت بداية التصدُّع والشرخ في جسد المجتمع السوري، بالمقابل انتهجت سياسة بديلة بداعي التسويق، سياسة (إعادة الإعمار). هذه الممارسات الجديدة في شكل وتوزيع المجتمع، أعطى النظام قدرات إضافية في بنيتها الاقتصادية والسياسية، كونها توفر حصصاً لشركائها (روسيا ـ إيران ـ تركيا) بات جلياً بأن التدخل التركي في إدلب هو مقدمة لأجندات سياسية في الشمال السوري، ففي عام 2017م دخلت القوات التركية هذه المنطقة، دون أن تأبه لأي قانون أو أخلاق، وجاء هذا التدخل بعد مفاوضات أستانة 7، ولقاء أردوغان وبوتين، وتفرد تركيا والعمل وفق أحلامها الاستعمارية من ضم وإلحاق واحتلال، وتهجير السكان الأصليين.
الاحتلال التركي وسياستها تجاه شعوب المنطقة
منذ بدء الأزمة السورية كانت تركيا تترقب المشهد من قريب، ولا يخفى على أحد بأن الحلم العثماني ما زال قائماً، فمارس العثمانيون التغيير الديمغرافي بحق الكرد وسائر شعوب الشمال السوري، ففي السنوات الأخيرة من عمرها، عمدت السلطنة العثمانية على تهجير الكرد من مناطقهم كونهم يمثلون الأغلبية، وعملت على التهجير القسري لتلك القبائل التي لم تكن تقبل سياسات العثمانيين، واستولت على أراضيهم وممتلكاتهم كأعطيات للقادة العسكريين، وكانت تلك الدولة تبحث عن ذريعة كي تهجر الكرد، فما إن تجد تمرداً أو ثورة حتى تجد قوافل الكرد المهجرين تُرحَّل إلى جهات غير محددة وأحياناً جهاتٍ محددة كـ(الرقة مثلاً). وكانت هذا الأعمال تجعل التوازن السكاني قائماً في المناطق الكردية.
التغيير الديمغرافي بحق الكرد من قبل الأتراك له جذور تاريخية، تعود إلى عهد السلطات العثمانية الأولى، ولأن أردوغان من تلك السلالة؛ فهو ينتهج السياسات نفسها مع الكرد، كي يطمس هويتهم التاريخية والثقافية ويستبدلها بثقافات أخرى.
ولأن أردوغان يعيد السيناريو نفسه؛ فقد استقدم عام 2013م مرتزقة داعش إلى مناطق الشهباء، والذي قام بهجومه الوحشي على تل حاصل وتل عران وغيرهما من المناطق الكردية، ليقتلوا ويحرقوا ويهجروا الناس، وعندما لم يتبق وجودٌ لداعش في المنطقة، عملت تركيا على تسليح فصائل تركمانية ومرتزقة الجيش الحر كي تكمل مسلسل القتل والتهجير بحق الكرد، وتنتهك حقوقهم، وتم تهجير الكرد من مناطق جرابلس والراعي والباب، وجلب آخرين وتوطينهم مكانهم. حين أسكنت أكثر من 200 عائلة تركمانية من حي الوعر في مناطق الكرد، وفي عام 2016م تقدمت قوات تركية في منطقة اعزاز كي تعيق حركة القوات الكردية، وتمنع سقوط المدينة في أيديهم، حيث قصفت مطار منغ وتقدمت نحو تل رفعت0
بهذا العدوان وهذا الشكل تعمل دولة الاحتلال التركي على خلق الفوضى العارمة، وتدخل الخوف في النفوس، كي يهاجر السكان، وتتفرغ هي لتطبيق مشروعها القديم والحديث معاً (التغيير الديمغرافي)، وفي السنة نفسها اجتاحت جرابلس برفقة مرتزقتها، ورغم أنها لم تحقق أهدافها العسكرية، إلا أنها عمدت إلى التغيير الديمغرافي في هذه المناطق، ولا يخفى على أحد أن أردوغان يحاول جاهداً استرجاع أمجاد الدولة العثمانية، ويرى في مشروع الأمة الديمقراطية المطبق في الشمال السوري خطراً على حلمه في التوسع حسب ما أعلنه صراحة عدة مرات بأنه سيقوم باسترجاع مناطق النفوذ العثماني من البحر المتوسط حتى شنكال والموصل وكركوك. لهذا تسعى تركيا إلى إنشاء منطقةٍ آمنة كي تفصل الأقاليم الثلاثة للفيدرالية عن بعضها، هذا التدخل الفاضح يعني أهدافاً معلنة، ويطرح سيناريوهات مفتوحة، لهذا تعتبر تركيا هذا التحرك في عفرين ضمن استراتيجيتها، ولا ترى أي ضير من قيامها بأي عدوان، هذا التغيير في الخارطة السياسية هو تغيير في الديموغرافيا، بل تعمل على ربط عفرين بإدلب وتستقدم من هناك مهجرين من مناطق الداخل السوري، وتهجر سكان عفرين الأصليين.
بات مشروع الأمة الديمقراطية الهاجس الذي يقض مضاجع القادة الأتراك، لهذا يسخرون كل ما لديهم من أجل إجهاض هذا المشروع، وبخاصة بعد أن أقرت الإدارة الذاتية مشروع الفيدرالية في شمال سورية، والآن باتت عفرين قبلتهم بعد أن تم تهجير الأهالي من مدنهم وقراهم، وإسكانهم في العراء، وتوطين تلك الفصائل والمدنيين والعوائل في بلدات وقرى عفرين.
عفرين ضحية لتلك الممارسات
في العاشر من آب عام 2017م أكدت الصحافة التركية على غايات أردوغان في عفرين، حين قالت جريدة (يني شفق): «اليوم إدلب، وغداً عفرين».
بات التغيير الديمغرافي في عفرين من أسوأ الكوارث في الأزمة السورية، وبخاصة بعد الاحتلال التركي لهذه المنطقة في بدايات 2018م، حيث أفرغت بلدات وقرى عفرين من سكانها الأصليين (الكرد) واستيطان الفصائل المسلحة وعوائلهم المهجرين من ضواحي دمشق وحمص، هذا التغيير ليس مناسبة عرضية، تنتهي بانتهاء الحرب في سورية، بل ستدوم وتعطي نتائج وآثار سلبية على المنطقة والسكان، وهذا التغيير يمثل أخطر آفة تجتاح المنطقة، حين تم فيها استبدال سكاناً أصليين بمجموعات مرتزقة تم استقدامهم من مناطق متفرقة، هذا التغيير سوف يؤدي بالمجتمع السوري إلى العيش في هوس وعدم استقرار وبخاصة في القادمات من الأيام، كون هذه المجموعات لم ولن تتجانس مع السكان الأصليين، لهذا بات التغيير في عفرين من قبل الجيش التركي ومرتزقته، أمراً مسلماً به، وواقعاً معاشاً، يراه ويعيشه الكل؛ لأن السلطة التركية قامت بتوطين العرب والتركمان المستقدمين من مناطق مختلفة من سورية في عفرين وما حولها، هذا التهجير والتغيير، يثير قلق ومخاوف الأهالي؛ لأن ما رافق هذه العمليات كان ممنهجاً، وفي السياق ذاته؛ كان مرتزقة الجيش التركي تساهم وتساعد في توطين المهجرين وتمنع السكان الأصليين الكرد من العودة إلى قراهم وبلداتهم، هذه الانتهاكات المرتكبة بحق الكرد في عفرين، إنما تمارس على أساس عرقي وطائفي، ناهيك عن الاعتداءات التي تمارس بحق الأهالي وبحجج واهية، الغاية منها إجبار الكرد على الهجرة، وإذلالهم، ومنع إيصال أبسط المستلزمات إليهم ولا سيما ما يتعلق بالطفل والمرأة الحامل.
وبحسب القانون الدولي المنبثق من هيئة الأمم المتحدة عام 1948م، ونفذ هذا القانون عام 1951م من الجمعية العامة للأمم المتحدة ضمن قرار رقم 260، تندرج هذه الأعمال تحت بند الإبادة الجماعية، وهذه دعوة لمحاسبة مرتكبيها من قواد الجيش التركي والمرتزقة المتحالفة معهم.
تداعيات التغيير
استغل النظام التركي الفوضى التي رافقت الأزمة السورية منذ منتصف آذار من عام 2011م، وعملت فيما بعد على التهجير القسري كنوع من التهديد أو الحرمان.
كان الاحتلال التركي وما يزال يقوم بطرد وتهجير السكان الأصليين من مناطقهم، وتوطين مجموعات أخرى بدل عنهم، وهذه ليست المرة الأولى التي تتعرض فيها مناطق الكرد بخاصة للتغيير الديمغرافي، لأن هذا التغيير مرتبط بسياسات تاريخية وقومية وطائفية، حيث تتفق الأنظمة الأربعة على شكل ومضمون هذه الثقافة العنصرية، وتبقى الساحة السورية الآن أكثر جاهزية من أي وقت مضى كونها تعيش أزمة اقتصادية وسياسية وأخلاقية، وكون طهران تسرح في دمشق وغيرها، وتقوم بإجراءات وممارسات واسعة، لإيجاد سبل في تغيير البنية السكانية في المجتمع السوري، كي تحافظ على مصالحها فيها، هذه الإجراءات تهدف إلى مشروعٍ فارسي وإقليمي بالعمق (الهلال الشيعي)، أما تركيا فهي ليست أقل وحشية في ممارساتها في تفتيت المجتمع السوري وتحديداً الكردي. لهذا؛ بات التغيير الديمغرافي من الأسباب المهمة لتطبيق مشروع التقسيم، الذي تعمل عليه تركيا، كي تحقق أهدافها التاريخية في مناطق تواجد الكرد في سورية، هذا التقسيم قد يكون مقدمة لتقسيم عدة دول شرق أوسطية، وتندرج هذا المسائل والممارسات تحت بند جرائم الحرب، وجرائم الإبادة الجماعية، وجرائم ضد الإنسانية، شكل عملية التهجير في سورية يستند إلى الهوية القومية والمذهبية بالدرجة الأولى، وكانت مغادرة الأهالي من هذه المنطقة قسراً، كونهم باتوا تحت أمرين لا ثالث لهما، إما التخلي عن الأرض أو القتل، وتكرر هذا المشهد في مدنٍ كثيرة من سورية، كانت آخرها عفرين، وتم بموجب هذه الإجراءات توطين آلاف القادمين من أماكن مختلفة من المدن السورية.
يعمل أردوغان وشركاؤه على بناء خارطة سياسية سكانية جديدة للبلاد، وعلى أسس طائفية ومذهبية وقومية، هذه الخارطة جزء من مشروع (الامبراطورية العثمانية) الذي يعتبر هذه المرحلة مهمة من تطبيق المشروع الإيراني (الهلال الشيعي)، وفي الشمال تعمل تركيا على إحياء ثقافة الامبراطورية العثمانية، فكان احتلال عفرين كخطوة مهمة لتحقيق حلمها المزعوم.
النتائج والحلول
من خلال تحالف النظام التركي مع شركائه، أقدموا على سياسة التهجير بحق المدنيين وبعض الفصائل المسلحة مع عوائلهم، هذه الممارسات لا تمت بصلة بحق المواطنة، من الناحية القانونية والدستورية حتى الطبيعية، فليس هناك أي ضرورة دستورية أو قانونية تسمح للأنظمة بتهجير مواطنيها عنوة من مكان لآخر، والأنكى من كل ذلك أن النظام التركي بعد تهجيرهم، لا يقوم بتوفير أبسط متطلبات الحياة لهم ولعوائلهم، من مسكن أو مشرب.
وما يلاحظ بأن أغلب المهجرين تم استيطانهم في إدلب، وفي عفرين، وبخاصة بعد الاحتلال التركي لها، من هنا نلاحظ بأن التهجير القسري يساهم في التغيير الجيوسياسي الذي يضر في تركيبة البلاد وثقافتها وتاريخها، حتى بانتماء الأفراد ومدى تأثره بهكذا ظروف، ومن منطلق موقع سورية الجيوستراتيجي، الشركاء (النظام ـ روسيا ـ إيران ـ تركيا) كافة يعملون على خلط السكان عنوة بداعي أن الأغلبية من المذهب السني، لكن في العمق هو يخدم أجندات داخلية وخارجية، وإلا ما الغاية من تهجير سكان عفرين من بلداتهم وقراهم، وتوطين مهجرين آخرين مكانهم، هذا ويهدف التغيير إلى تغيير معالم المدينة أو البلدة، لأن ما يرافق عمليات التهجير من ممارسات غير لائقة بحق الفرد المواطن، فمن حصارهم أول الأمر إلى تجويعهم ومن ثم قصفهم، ومصادرة بيوتهم وأرزاقهم، كل هذه الإجراءات لا تفيد مستقبل سورية ووحدتها ووحدة مكوناتها، ولا يمكن التفكير بإيجاد حلول مناسبة، والمجتمع السوري يعيش حالة شتات داخلي وخارجي، لأن ما يجمع الناس في دولة ما، هو العيش في ظل دستور وطني يشمل كل المكونات، والكل بسوية واحدة أمام القانون؛ لأن من أبسط حقوق المواطنة أن يعيش الفرد في المكان الذي يريد، ولا يجبره أحد على الهجرة عنوة، أو مصادرة أي شيء من ممتلكاته، بل أن يمد الجسور بين مؤسساته الديمقراطية وبين الأفراد، وبين الأفراد كثقافات مختلفة لكنها إغناء لثقافة وتراث البلد؛ لأن لكل ثقافة هوية تاريخية خاصة بها، كما نلاحظ أن لكل أرض تاريخ يعيش عليها، وبهذا الشكل الكل يعلن عن انتمائه بكل طواعية، بدون خوف من أي الغاء أو إقصاء له.

التعليقات مغلقة.