سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011
Banner Before Header

العروبة وجذور الإسلام السياسيّ

حلب/ رامان آزاد ـ

لم تكن توجهات الإسلام السياسيّ وليدة الظروف التي عصفت بمجتمعات الشرق الأوسط، ولكنها أخذت شكلاً أكثر وضوحاً اعتباراً من مطلع القرن العشرين، بسقوطِ الدولةِ العثمانيّةِ، وظهور الإخوان المسلمين على يد حسن البنا في آذار 1928، وبدت المسألة أبعد من وجهات نظر أو سجالاً فكرياً لتكون حراكاً عملياً للوصول إلى السلطة، للتطبيق العمليّ لمبدأ “الإسلام دين ودولة”.
دمشق والتقاليد الأمويّة
ــ أول موقف جرى فيه بحث مسألة الخلافة برز يوم وفاة الرسول محمد في 12/ ربيع الأول سنة 11 هـ الموافق لـ 7/6/632م، ويومها انعقد اجتماع في سقيفة بني ساعدة وعُرف بحادثة السقيفة، وكان الأنصار قد اختاروا سعد بن عبادة، فلما وصل أبو بكر وعمر بن الخطاب وأبو عبيدة بن الجراح إلى السقيفة، تغير مسار التداول وانتهى الأمر إلى بيعة أبي بكر الصديق. وقد ظهر في السقيفة طرفان هما المهاجرون والأنصار.
ــ الموقف الثاني كان أقسى، حيث وقعت معركة الجمل، والتي يعرّفها المؤرخون بالفتنة، في البصرة يوم 10 جمادى الأولى سنة 36 هـ، الموافق لـ 3/11/656م، وكانت بعد مقتل الخليفة عثمان بن عفان، واصطف معظم أنصار البيت الأموي ومعهم السيدة عائشة وطلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام، في مواجهة الخليفة الذي بويع له في المدينة، علي بن أبي طالب.
ــ الموقف الثالث كان موقعة صفين وهي المعركة التي وقعت بين جيش الكوفة الذي يقوده الخليفة علي بن أبي طالب وجيش الشام الذي قاده معاوية بن أبي سفيان ووقعت في شهر صفر سنة 37 هـ، أيام 26ــ28/7/657م. تولى معاوية بن أبي سفيان الخلافة سنة 41هـ، بعد استشهاد علي بن أبي طالب سنة 40هـ، واستمر لمدة عشرين عاماً، ولكنه قبل ذلك كان والياً على إمارة الشام بعد وفاة أخيه زيد بن أبي سفيان.
ــ رابع المواقف والتي لها تأثير كبير في مسار المسلمين هو معركة كربلاء (واقعة الطف) واستغرقت ثلاثة أيام، وانتهت في 10 محرم سنة 61 هـ، الموافق 12/10/680م، والتي قُتل فيها الحسين بن علي بن أبي طالب، ومعه نحو 72 من أصحابه، واجتز رأسه، وقاد الجيش الأموي عمر بن سعد بن أبي وقاص، وأمير الكوفة حينها عبيد الله بن زياد، والخليفة في دمشق يزيد بن معاوية بن أبي سفيان. وحُمل رأس الحسين إلى دمشق.
ــ بعد أن خلع الشاب اليافع معاوية بن يزيد (معاوية الثاني) نفسه، وقع الاضطراب، وأخذ مروان بن الحكم المبادرة لاستلام السلطة منافساً عبد الله بن الزبير، فوقعت معركة مرج راهط، كواحدة من معارك الفتنة الثانية. ودارت في 18/8/684 بين جيوش اليمان، الذي يدعمه الأمويون بقيادة الخليفة مروان بن الحكم، وبنو قيس يقودهم الضحاك بن قيس الفهري، الذي يدعمه عبد الله بن الزبير، المطالب بالخلافة (كانت معركة القيسيّة واليمانيّة).
كان انتقال الحكم إلى العباسيين نتيجة لمعركة الزاب الكبرى أو معركة الزاب الأعلى التي وقعت في 11 من جمادى الآخرة سنة 132 هـ الموافق 25/1/750. وكانت بين آخر خلفاء بني أمية مروان بن محمد وعبد الله بن علي بن عبد الله.
احتل العثمانيون سوريا بعد معركة مرج دابق في 24/8/1516 وقتلوا عشرات الآلاف من أهل حلب، حتى راكموا الرؤوس في تلالٍ عظيمةٍ.
في هذا الاستعراض العام لأهم المواقع الإسلاميّة، نجد أنّ دمشق كانت مناوئة لحكم الخليفة علي، ومن بعد لولديه، ويستوقفنا مشهد دخول علي زين العابدين (السجاد) إلى مجلس يزيد أسيراً، وعمته زينب “سبية” من أسرى النساء، فيما رأس الحسين مقطوع. وهذا المشهد يؤرّخ لتاريخ دمشق، ولم تنتهِ مفاعيله، فما زالت دمشق تفاخرُ بمجدِ الأمويين وأعظم مساجدها وساحاتها أمويّة، ونشيدها الوطنيّ يذكر الوليد مع الرشيد.
تلك هي تقاليد دمشق على مر قرونٍ، دخلها الإسلام بقيادة أموية، وبقيت في ولائها للبيت الأمويّ، ومن تقاليدها المقدسة العروبة تتقدم على الإسلام، والدولة القوميّة على العقيدة. وقد ذكرنا العثمانيّ الذي تبنى المذهب السنيّ الحنفيّ.
سرديّة الأغلبيّة المظلومة وممارسة العنف
الحديث الذي طُرح مع بداية الأزمة السوريّة، وسرديّة الأغلبيّة المظلومة ليس لها صلاحيّة في دمشق تحديداً، لأنّها ومنذ ست عقود ترفع راية العروبة مع وصول البعثيين إلى السلطة، وعندما تتقاطع الأيديولوجيا الحزبيّة وما يسمّى بأدبيات الحزب ومناهجه، نجده أقرب إلى تبني المنهج السنيّ. وصولاً إلى المناهج المدرسيّة والثقافة العامة في المجتمع.
التيار الذي يقود الحراك المناوئ لدمشق يهدف الوصولَ إلى السلطةِ، ويقوده تنظيم الإخوان المسلمين، والذي يتحيّن الفرصة منذ نحو قرنٍ تقريباً، ويجيز في أدبياته استخدام العنف في سبيل الوصول إلى السلطة. ويرى “سيد قطب” وهو أهم منظري الإخوان المسلمين، أنَّ النظام العالميّ كله نظامٌ كافرٌ يستحقُّ التدمير، ويؤمن بأن المسلمين جميعاً يجب عليهم الخروج بالسلاح في حربٍ جهاديّة ضد الجميع تشمل العالم أجمع وإلا كانوا من الكافرين. وهذا جزء من الأدبيات المتطرفة في خطاب سيد قطب والإخوان بشكل عام. وفي سياق المسعى لدولة الخلافة يبدي الإسلام السياسيّ مرونة مع مسألةِ العروبةِ، والتماهي في الأجندة التركيّة لإحياء العثمانيّة، بذريعة أن الدولة العثمانية جسدت شكل الوحدة الإسلاميّة، وكانت العقيدة محتوى عابراً للقومياتِ.
مبدأ أنَّ الإسلام “دين ودولة” الذي تتبناه حركاتُ الإسلامِ السياسيّ، مقابل التوجه القوميّ العروبيّ، يلتقيان في بعض المفاصل، لجهة عدم وضوح التعاطي مع المكونات القوميّة والدينيّة والمذهبيّة في البلاد، ولا يمكن القطع أن حزب البعث على مدى ستة عقود تبنّى العلمانيّة منهجاً وثقافة، بل آثر أن ينأى بنفسه عن هذا السجال، ويحتفظ بشعرة معاوية في التعاطي مع العقائد، ولكنه حرص على الإمساك بقوة بمفاصل الدولة ومؤسساتها العسكريّة والأمنيّة والتربويّة والثقافيّة، وحافظ على خطاب إعلاميّ وسياسيّ قومي سقفه عالٍ وصاغ أهدافه الكبرى في الوحدة والحرية والاشتراكيّة، والرسالة الخالدة، وأنّ العروبةِ تتجاوز حدود القوميّة ليكونوا أمة، وأنّ كلّ المكوناتِ القوميّة في سوريا تنضوي في إطار العروبة.
العلاقة مع طهران
على هذا الأساس تنظر دمشق إلى نهاية للأزمة تعيد بموجبها عقارب الزمن إلى ما قبل آذار 2011، ليستمر السياق التاريخيّ السابق، دونما أيّ تغييرٍ بالاعتماد على دعم الحلفاء والرهان على الزمن.
وأما العلاقة مع طهران، فقد أضحت أيضاً جزءاً من ميراث دمشق، التي لم تكن على علاقة جيدة مع نظام الشاه محمد رضا بهلوي، فبادرت للترحيب بالمتغير الإيرانيّ مع إعلان انتصار الثورة الإسلاميّة في 11/2/1979، واتخذت إيران من القدس والقضية الفلسطينيّة عاملاً أساسيّاً، وبذلك كان اللقاء بين دمشق وطهران في النتيجة وليس بالأسباب والمنطلقات، فطهران ليست في وارد الانكفاء في المنطقة. ويشكّل المد الإيرانيّ إحدى القضايا الشائكة في منطقة الشرق الأوسط.
وفقاً لذلك فإن التنافس الإقليميّ يأخذ صيغة مذهبيّة تقودها أطراف المثلث الإسلاميّ في المنطقة طهران، أنقرة، الرياض، وهذا ما انعكس بوضوحٍ في تفاصيل الأزمةِ السوريّةِ، وفقاً لهذا المعطى دعمت طهران حكومة دمشق، وبالمقابل كان الدعم السعوديّ والتركيّ لما يسمّى “قوى المعارضة” وفق منظورهما.
تشكّل طهران شكلاً آخر للإسلام السياسيّ، وتتبنّى المذهب الشيعيّ، الذي نما عبر التاريخ كاتجاه أقرب للمعارضة للخلافة أو السلطة القائمة، لكن ذلك لم يحمل حكومة طهران على الإقرار بحكومة الشاه وشرعيتها.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.