No Result
View All Result
تل كوجر/ مثنى المحمود –
نشاهد في مجتمعنا اليوم ظاهرة الكتابة على الجدران العامة والخاصة، حيث يظن الجميع أنها جديدة على المجتمعات، في حين أنها من قلب التاريخ، بل الأنسب أن نقول أنها مصدر التاريخ.
بالرغم من أن ظاهرة الكتابة على الجدران كان لها الفضل بتعريفنا بالتاريخ، لكننا بتنا نشاهد ما يشتت قيمتها في وقتنا الراهن ويجعل منها سلبية، ألا وهي نوعية الكتابات والرسومات، حيث نجد أن الجدران اليوم ليست سوى لوحه للتعبير عن الترهات الصبيانية ومعرضاً لسرد عباراتهم المكتوبة بشكل لا أخلاقي أحياناً وبشكل كوميدي أحياناً أخرى، لكن عند العودة إلى أصل الظاهرة نجد أننا نقف عند علم غيّر تاريخ الإنسانية ألا وهو علم النقوش.
علم النقوش والبدايات
بدأ علم النقوش مع سكان الكهوف، حيث يعود تاريخ الكتابات والرسومات إلى آلاف السنين، كان المراد منها التعبير عن بعض الحالات التي شغلت الإنسان في ذلك الوقت، مثل أنواع الحيوانات التي كان يصطادها ويتغذى بها، كما جسد على الجدران أشكال الحيوانات التي كان يخافها وتهدد حياته.
ثم تطور هذا الإرث التاريخي مع تطور البشرية وصولاً إلى البرديات المصرية والنقوش والكتابات التي ظهرت على جدران المعابد في مصر الفرعونية التي مجدت الآلهة المصرية والفراعنة أصحاب الإنجازات، وصولاً إلى الأبجدية الفينيقية في الساحل الفينيقي بجبيل ومن ثم إلى الشرائع البابلية وأهمها شريعة حمو رابي. ظل موضوع الكتابات على الجدران موضوعاً أخلاقياً ثقافياً يفيد المجتمع حتى وصلنا إلى العصور الوسطى.
الجدران في العصور الوسطى
تغير نمط الكتابة على الجدران في هذه المرحلة عن سابقاتها وبدأ نمط جديد بالظهور تركز أغلبه على جدران الكنائس التي كانت أقوى المؤسسات في تلك المرحلة، حيث أصبحت الكتابة تحمل رموز المسيحية المقدسة كما أضيفت إليها صور السفن التي تعبر عن دعاء لحماية المحاربين في الأسطول الإنكليزي.
بعض الكتابات كانت بسيطة مثل عبارة “تذكري”. وأبرز ما كتب أيضاً كان بيد فيليب هوارد وهو نقش لاتيني على جدران آيا صوفيا: “كلما زاد البلاء الذي نشهده اليوم زاد المجد الذي سنشهده في الآخرة”، البعض الآخر قرر أن يحفر شعارات نبيلة، وجزء كبير من المساجين كانوا يكتبون دفوعاتهم على الجدران.
حضارات عديدة استخدمت الجدران
جل الحضارات استخدمت الجدران للوصول إلى تجسيد ما قدمت، أبرزها كانت الصينية، حيث جسد الصينيون روايات على الجدران، تتحدث عن معاناتهم من الجفاف وقلة الأمطار، فكتبوا باللون الأسود صلوات لأكثر من 70 شخصاً.
كما اعتبرت الكتابات الجدارية الهيروغليفية المصرية التي جسدت على جدران المعابد والأهرامات من أهم الجداريات، وكان هناك بعض الظواهر التي تشبه الواقع الآن حول قضية الكتابة على الجدران، حيث استغل بعض العمال الجدران لنقش أسمائهم ، لكي يظهروا تعبهم في إنجاز العمل. نذكر منهم مجموعة أصدقاء خوفو والمجموعة الخضراء، وكان الهدف هنا من الكتابة الحصول على الشهرة.
حضارات أخرى كتبت على الجدران، نذكر منها حضارة المايا، استمرت هذه الظاهرة إلى يومنا هذا حتى وصلنا اليوم إلى أردأ أنواع الكتابات.
جدران اليوم
يعيش اليوم مجتمعنا حالة من التردي الثقافي، ينعكس على جدران المنشآت العامة والمراكز والمدارس، حيث تتوجه فئة كبيرة من الشبان والمراهقين في مجتمعنا إلى الجدران للتعبير عن رغباتهم ومشاعرهم، ظناً منهم أن الجدران قادرة على إيصال فكرهم، ولكن كان المأمول من كتابته أشياء أكثر فائدة، من العبارات التي نراها اليوم حيث تقتصر كتاباتهم على بعض مقاطع الأغاني الهابطة، التي لا تمثل الذي تمثل فكر مجتمعنا الذي يهم بالنهوض إلى مصاف المجتمعات المتحضرة، كما يتوجه البعض الآخر منهم إلى كتابة عبارات السخرية والعشق والغرام وعبارات أخرى تتحدث عن الغدر والخيانة، هذه العبارات تقود الشباب هنا إلى زاويه الانتقاد وتظهرهم بمظهر عدم المسؤولية، إحدى العبارات التي استوقفتني هي عبارة “ما عندي مصاري أبوكي ما يعطيك بالدين”، وكان كاتبها يعبر عن ذاته الكسولة العاجزة، فإلى متى سوف نبقى بعيدين عن إعادة تأهيل الجيل الشاب والاستفادة من قدراته والارتقاء به إلى النخبة التي تكون قادرة على أن تقود المجتمع نحو غد أفضل، ونحول بذلك هذه الظاهرة إلى نقطة إيجابية، سبقنا إليها سكان أهل الكهوف والمغاور منذ آلاف السنين.
No Result
View All Result