تتضارب التكهنات حول مآل العملة السورية لا سيما بعد ما طرح البنك المركزي السوري ورقة نقدية جديدة من فئة الخمسة آلاف ليرة والتي تقابل اليوم في سعر الصرف الرائج في الأسواق حوالى دولار ونصف الدولار، إلا أن جميع المتخصصين في المجال الاقتصادي يجمعون على أن العملة الجديدة هي نتيجة ارتفاع التضخم الحاصل في البلاد بشكل مذهل، وهي محاولة لكبح جماحه.
ترتيب بين العملات المضطربة
على الرغم من تحسن الوضع الأمني في البلاد في العامين الماضيين إلا أن الواقع الاقتصادي يعيش تدهوراً غير مسبوق، في وقت بلغت الكلفة التي نجمت عما كبّده النزاع السوري للاقتصاد الكلي بلغت حوالي 442,2 مليار دولار وهي القيمة المفصلة للدمار اللاحق برأس المال، مع دمار البنى التحتية للمشاريع الصناعية، وخسائر في المباني والمعدات الخاصة والعامة عدا عن المستشفيات والمدارس والمساكن التي خرجت من الخدمة.
في هذا السياق كشف أستاذ الاقتصاد التطبيقي في جامعة جونز هوبكنز، ستيف هانكي عن أن حجم التضخم في سوريا لعام 2020 وصل إلى مستوى شاسع بلغ 263,64 في المئة.
قياس هانكي الذي يعمل مدير مشروع العملات المضطربة في معهد كاتو في واشنطن صنّف سوريا أنها تأتي بالترتيب بعد فنزويلا ولبنان وزيمبابوي في قائمة البلدان التي سجلت أعلى معدلات التضخم خلال العام المنصرم.
الصادرات والمستوردات
ويرى المتخصّص الاقتصادي، علي محمود محمد أن “العامل الأساسي للتضخم حالياً موضوع الإنتاج في ظل وجود ميزان تجاري سوري خاسر عام 2019 حيث بلغت قيمة الواردات ستة مليارات يورو والصادرات ما يقارب نصف مليار يورو كفيل بإعطاء فكرة لمعدل التضخم الراهن والمستقبلي إن لم ترتفع نسب الصادرات وتقل الواردات، والحل الأساسي الإقلاع بالعملية الإنتاجية”.
كما إن سعر الصرف من الأسباب الأساسية لزيادة معدلات التضخم والذي يصل اليوم في السوق الموازية إلى 3250 ليرة مقابل الدولار الواحد، وبالنتيجة ينعكس على المستهلك والعقار وتكلفة الدعم الحكومي للطحين والمشتقات النفطية.
الزراعة أم الصناعة أولاً!
إزاء ذلك ينقسم الاقتصاديون حول مسألة من يسبق أولاً الزراعة أم الصناعة لرفد الاقتصادي السوري، فينصح علي محمود محمد في حديثه: “في الوقت الحالي ينبغي الاهتمام بالصناعة إلى حين ترتيب الأولويات ولا بد من إعطاء الزراعة والأمن الغذائي المقام الأول”.
يأتي ذلك بعد انكفاء السوريين في البحث عن قوت يومهم الذي هو صلب أولوياتهم اليومية عن النظر مثلاً عن شراء مركبات أو شقق سكنية لأنها اليوم ضرب من المستحيل، فمتوسط أجور العاملين بين 50 إلى 100 ألف ليرة أي ما يعادل أقل من 50 دولاراً.
وسببت الحرب التي لحقت بالبنى الأساسية، بالإضافة إلى القيود الاقتصادية أحادية الجانب وقتها من قبل الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد الأوروبي، هروب رأس المال السوري المادي (الفني والتقني والآلات) والنقدي والبشري إلى خارج البلاد.
قيصر أم التقصير؟
يرى متابعون للشأن الاقتصادي السوري أن العقوبات هي شماعة للتقصير الحاصل في النهوض الداخلي من صناعة وغيرها. وأيّد المتخصّص الاقتصادي تلك الفكرة لكنه في الوقت نفسه أعرب عن ضرورة عدم إشاحة النظر عن مدى تأثير العقوبات الاقتصادية كإحدى العوامل المؤثرة في التضخم.
رفع العقوبات
ودعت المقررة الخاصة للأمم المتحدة في مجال حقوق الإنسان ألينا دوهان الولايات المتحدة إلى رفع العقوبات الأحادية المفروضة على سوريا، التي قد تعيق إعادة إعمار البنية الأساسية المدنية التي دمرت بسبب الصراع.
وذكرت ألينا دوهان أن النطاق الواسع لقانون العقوبات الأميركي، الذي دخل حيز التنفيذ في حزيران الماضي من سنة 2020، قد يستهدف أي عمل أجنبي يساعد في عملية إعادة البناء أو حتى موظفي الشركات والجهات الإنسانية.
فيما اليوم تتجه أنظار السوريين إلى ساكن البيت الأبيض الجديد وإدارة الرئيس الأميركي جو بايدن بعد أنباء تتردد حول دراسة يعدها عدد من الوزراء، منها الخزانة والخارجية والتجارة، لتخفيف العقوبات على سوريا بهدف وصول مساعدة الاستجابة السريعة لمكافحة فيروس كورونا.