سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011
Banner Before Header

نساء وأطفال يتجولون بين مكبات النفايات بحثاً عن الغذاء والكساء

تزداد معاناة السوريين مع غلاء الأسعار وارتفاع معدّلات الفقر وزيادة تدفّق النازحين وانتشار البطالة، فلجؤوا إلى مكبات النفايات، نساءً وأطفالاً، يبحثون عن المخلفات القابلة لإعادة التدوير لبيعها أو عن طعام يأكلونه أو لباس يَقون به أجسادهم برد الشتاء، غير آبهين بالمخاطر الصحية لحرق النفايات.
في مدينة ديرك في شمال شرق سوريا، يتهافت رجال ونساء وأطفال فور وصول أي شاحنة إلى مكبّ للنفايات، حيث يبحثون عن عبوات بلاستيكية لبيعها وعن ثياب لارتدائها، أو حتى عن بقايا طعام يسدّون بها جوعهم.
ورغم أن هذه الظاهرة ليست بجديدة على مسمع ومرأى السوريين، إلا أنها بالتأكيد تفاقمت بعد ارتفاع معدّلات الفقر وزيادة تدفّق المهجرين، رغم أن خبراء الصحة يحذرون من خطر انتشار وباء كورونا في المنطقة.
يرمي شابان الأكياس البلاستيكية السوداء من الشاحنة، فيما يسارع الموجودون إلى استكشاف محتوياتها، ومن حولهم يتصاعد دخان ناتج عن حرق كميات من النفايات في هذا المكب الضخم، ما يخلف لهم أضراراً صحية وأمراضاً خطيرة.
وبين الحين والآخر، تمرّ دوريات عسكرية تابعة للتحالف الدولي بقيادة واشنطن ترفع العلم الأميركي على الطريق الإسفلتي الفاصل بين مكب النفايات وحقل النفط.
وفي المكب تبحث امرأة عجوز، تلف نفسها بشال من الصوف يقيها البرد، بين أكوام النفايات المحترقة علّها تجد ما يُمكن إنقاذه. وتجمع امرأة أخرى بقايا أرغفة خبز في كيس من القماش المهترئ علّقته على خاصرتها، وتتناول ثالثة من على الأرض ما تبقى في كيس معكرونة.
ويبتسم طفل وكأنه حقق انتصاراً بعدما وجد بنطال جينز، بينما يجد أحدهم حذاء أسود اللون في علبة. وتستعين فتاة صغيرة بعصا حديدية خلال بحثها عن عبوات مشروبات غازية تضعها في كيس تحمله على كتفها. وكلما كانت الكمية أكبر كان المردود المالي من بيعها أفضل.
قصص كثيرة باتت تتكرر في المدينة منذ سنوات بعد أن أصاب سكانها الفقر وداهمهم الجوع. وتتردّد (ا. م)، في الأربعينات من عمرها، إلى المكبّ بحثاً عن الطعام. وتقول: “نجد أحياناً حبات برتقال أو تفاح في حالة جيدة، نأخذها لنأكلها. حتى الملابس نأخذها”، مضيفة “يلبس أولادي من هذه المخلفات ومنها يأكلون”.
وتبحث الأم وبناتها الخمس أيضاً عن عبوات بلاستيكية لبيعها، فيما يرعى زوجها وابنها (17 عاماً) تسعة أغنام تملكها العائلة. وتقول: “ارتفعت الأسعار جراء الفوضى والأزمة في سوريا. لا حلول أمامنا بسبب الفقر، بتنا مجبرين على البحث في النفايات”.
وعلى غرار كثيرين، تنتظر وصول شاحنة محملة بالنفايات كونها تضم أحياناً “طعاماً جيداً”، تقول: “ننتظرها كل يوم لنأكل منها… وجدت اليوم بصلاً وشيبس وبسكويت”.
وتشهد سوريا منذ بدء النزاع عام 2011 أسوأ أزماتها الاقتصادية والمعيشية، التي تترافق مع انهيار قياسي في قيمة الليرة وتآكل القدرة الشرائية للسوريين الذين بات الجزء الأكبر منهم تحت خط الفقر.
ويرى الأخصائيون في علم الاجتماع أن ظاهرة أطفال الشوارع الذين يبحثون في القمامة عن رزق ملوث تنتشر بكثرة في الدول التي تشهد حروباً أو مجاعات أو في الدول النامية، مؤكدين على ضرورة تدخل المنظمات الدولية المعنية بشؤون الطفل مثل اليونيسيف، للضغط على الحكومات بهدف بناء برامج تنموية واقتصادية وتربوية وتعليمية.
وجبة اليوم
ويعمل في جمع النفايات أطفال من مختلف الأعمار، تبدأ بعمر خمس سنوات وتنتهي بعمر الثمانية أعوام، حيث يبحث هؤلاء بشكل يومي في المكبات والحاويات عن خردوات ومواد بلاستيكية، والأسلاك النحاسية، وكل ما يمكن استخدامه سواء للحرق أو لإعادة التدوير، غير آبهين بما يمكن أن تسبب لهم عملية البحث تلك من أضرار جسيمة على صحتهم.
ويقول الطفل البالغ من العمر ثمانية أعوام: “نبحث عن البلاستيك ومواد أخرى قابلة للبيع كالنحاس وغيره، نحن نحاول مساعدة أسرنا من خلال هذا العمل”.
ولا يعرف المدرسة، ولم يدخلها على الإطلاق، بسبب صغر سنّه عندما نزحت أسرته، ويقول: “هذه هي حياتنا منذ البداية، كما أننا نخشى أن نفقد هذا العمل بسبب الإجراءات الصحية التي فرضها انتشار وباء كورونا، حيث صار عمال البلدية يحذروننا من ذلك”.
وتقول والدة الطفل بعبارات يطغى عليها الألم والحسرة: “كنت أحلم أن ينال أطفالي كل الرعاية والاهتمام والتعليم، لكن بسبب الحال الذي بتنا عليه من الفقر والحاجة، وخاصة بعد وفاة زوجي، اضطررنا لأن نقبل مرغمين بإرسال أبنائنا لهذه الأعمال لمساعدتنا في تأمين لقمة العيش ودفع الإيجار”.
ووفق برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة، تضاعفت أسعار المواد الغذائية ثلاث مرات في وقت يعاني نحو 9.3 ملايين سوري من انعدام الأمن الغذائي.
وفي المكبّ، تعثر إحدى الفتيات على مستحضرات تجميل، تبتسم وتسارع إلى وضع قلم أحمر الشفاه في جيبها. وأثناء انهماكهم في البحث، يعمد بعض الأهالي إلى حرق ما يمكن حرقه بهدف التدفئة مع موجة البرد القارس والأمطار الغزيرة التي اجتاحت المنطقة، لكن استنشاق دخانه يمثل خطراً كبيراً.
وتقول الأم بأسىً: “نعيش من قلة الموت.. فالموت أفضل من هذه الحياة”.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.