سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011
Banner Before Header

متاحف الحروب تذكر العالم بمآسيها وانتصاراتها

لا تترك الحروب ذكريات جميلة، لا لدى المهزومين ولا المنتصرين، فالحرب دمار وخراب وقتل وتهجير لجميع المتحاربين، جنوداً ومواطنين، وأغلب ضحاياها المعذبين من النساء والأطفال والمسنين.
وعلى الرغم من ذلك، “خلدّتها” أغلب دول العالم في متاحف الحروب والسلاح، وتخليدها هذا بمعناه المقلوب، أي أننا نتذكر الحرب ونراها أمامنا معروضة، كي نتذكر أهوالها ومآسيها، فلا يدخل في خلدنا إعادتها وتكرارها. دول قليلة تخلّد انتصاراتها الحربية في متاحف، لكن أغلب دول العالم تهدف إلى تذكير الناس بجحيم الحروب.
متاحف حربية وعسكرية
المتاحف الحربية تختلف عن المتاحف العسكرية، فالأولى تقدم معنى نفسياً لزائرها، أما الثانية فهي تقنية تعرض أسلحة ومدافع ودبابات، وهذه باتت موجودة في غالبية دول العالم، فكل جيش تقريباً يملك متحفاً لأسلحته وبطولاته ومراحل تطوره، وهناك تنويع في كلا النوعين من المتاحف، فالحربية يمكن أن تكون للحرب العالمية الأولى أو الثانية أو لحروب أهلية أو لمجازر معينة أو لحرب بين دولتين، أما المتاحف العسكرية فتتنوّع بين متاحف القوات البرية والقوات البحرية والطيران والمشاة والغواصة، وهي موجودة بكثرة، فالجيوش تستمتع بالتباهي بتاريخها ومراحله.
المتاحف الحربية موجودة أكثر ما تكون في دول الحلفاء والمحور، وهي الدول التي خاضت الحربين العالميتين الرهيبتين، وهي تنتشر أكثر ما تنتشر في ألمانيا، التي وضعت خطة لتحويل كل معسكرات الاعتقال وكل مكان استخدم كسجن أو للتعذيب في زمن النازية إلى متحف، وهي موجودة في اليابان تحديداً في موقعي سقوط القنبلتين النوويتين، ناغازاكي وهيروشيما. الاتحاد السوفياتي والصين لم يتركا سبباً واحداً يمكن فتح متحف له في حروب خاضوها وانتصروا فيها إلا وبنوا له متحفاً، وهذا جزء من الأيديولوجيا “التوتاليتارية” التي تجعل من الانتصارات مهوى أفئدة التابعين ومصدر فخرهم وعزّهم. في بريطانيا والولايات المتحدة أكثر المتاحف الحربية هي للاحتفال بالانتصار في الحرب الثانية، مع بعض الاستثناءات.
هتلر متحف ألمانيا وألمها
كانت ألمانيا بدأت حملة لبناء متاحف في جميع معسكرات الاعتقال النازية، وكان آخرها معسكر الاعتقال النازي في فلوسينبورغ.
وفي فترة ليست ببعيدة، حوّلت الغرفة التي انتحر فيها أدولف هتلر إلى متحف. في هذه الغرفة، حدثت أبشع جرائم الإبادة الجماعية في التاريخ، حيث عاش فيها الزعيم النازي حياته حتى انتحاره في 30 نيسان 1945.
قامت السلطات الألمانية بافتتاح متحف جديد لمعسكر اعتقال نازي، والمتحف الذي تم افتتاحه بعد أكثر من 75 عاماً من نهاية الحرب العالمية الثانية، يهدف إلى التذكير بضحايا النازية.
وافتتحت ألمانيا متحفاً للجيش في مدينة دريسدن من أجل استعراض التاريخ العسكري للبلاد، بما في ذلك الصفحات السوداء التي كتبها الجيش الألماني من أيام النظام النازي إلى اليوم. ويتوقع أن يثير المتحف نقاشات مهمة حول تاريخ البلد، لا سيما أنه يعتبر الأول بين المتاحف الذي يخرج عن الطابع التقني إلى الانفتاح على التاريخ ومحطاته.
وفي هولندا، استعدت المتاحف الحربية لحرب من نوع جديد، وقامت بتشديد الأمن بعد هجمات شنها لصوص منظمون، سرقوا تذكارات مرتبطة بهتلر وأجزاء أخرى من النظام النازي، وسط طلب عالمي هائل على تذكارات الحرب العالمية الثانية.
متاحف حربية… إنسانية
في سراييفو، يقع “متحف أطفال الحرب” في البوسنة والهرسك، الذي افتتح في كانون الثاني 2017. بدأ المشروع عام 2010، عندما استخدم جاسمينكو هاليلوفيتش، وهو رجل أعمال من سراييفو وناشط و”طفل حرب”، منصة على الإنترنت لجمع ذكريات قصيرة من صغار البالغين الذين كانوا أطفالاً خلال الحرب البوسنية. أكثر من 1000 من الشباب قدموا ذكرياتهم، التي جمعها هاليلوفيتش في كتاب نُشر عام 2013، ثم ترجم إلى الألمانية واليابانية.
في اليابان، يقع متحف ناغازاكي للقنبلة الذرية. وتقع إلى جواره قاعة ناغازاكي التذكارية للسلام، التي بنيت عام 2003 لضحايا القنابل الذرية. ويوجد متحف مماثل في هيروشيما هو متحف هيروشيما التذكاري للسلام.
ترمز هذه المواقع إلى العصر النووي، وتذكّر الزوار بالتدمير الواسع والموت العشوائي الناجم عن الأسلحة النووية، ومدى أهمية وضرورة الالتزام بالسلام.
في بريطانيا، يقع متحف الحرب الإمبراطوري، وهو عبارة عن ثلاثة متاحف وطنية بريطانية، تهدف إلى تسجيل المجهود الحربي المدني والعسكري، والتضحية التي قامت بها المملكة المتحدة خلال الحربين العالميتين الأولى والثانية، اللتين كان لهما بالغ الأثر على الثقافة والهوية الوطنية في البلاد. وليس مستغرباً بعد ذلك أن يُقام متحف في العاصمة لندن لتسجيل ذلك إثر هاتين الحربين، وأن يتحول إلى مستودع للقطع العسكرية الكبيرة التي استخدمت في تلك الحروب، وغيرها من الصراعات التي شهدها القرن العشرين.
ونجد في الولايات المتحدة متحف ذكرى الهولوكوست، وهو متحف تذكاري في العاصمة واشنطن، يهدف لتذكير المجتمع الأميركي والدولي بمحارق النازية ضد اليهود.
“لماذا قاتلت؟ وكيف انتصرت؟”، سؤالان محوريان كبيران ضمن أسئلة كثيرة تأسس من أجلها المتحف الوطني للحرب العالمية الثانية في الولايات المتحدة، حتى تعرف الأجيال المتعاقبة ثمن الحرية، ومن أجل أن تكون التجارب التي يعرضها المتحف مصدراً لإلهامها.
بحلول عام 2000، خصصت الولايات المتحدة الأميركية المتحف الوطني لـ “يوم إنزال النورماندي”، قبل أن يصنفه الكونغرس متحفاً وطنياً للحرب العالمية الثانية في البلاد، للاحتفال بالروح الأميركية والعمل الجماعي والتفاؤل والشجاعة والتضحيات من قبل الرجال والنساء، الذين قاتلوا على الجبهة.
متاحف عربية
في مصر يشتهر متحف العلمين العسكري الذي بني عام 1956، حينما طلب الرئيس جمال عبد الناصر تخليد دور مصر المهم في معركة من أهم معارك الحرب العالمية الثانية، والتي وقعت بين دول الحلفاء ودول المحور في أكتوبر (تشرين الأول) 1942. تم تطوير المتحف وخضع لعمليات ترميم وصيانة، وأعيد افتتاحه في الذكرى الـ 50 لمعركة العلمين، يوم 21 أكتوبر 1992. يهدف المتحف إلى توثيق معركة العلمين من خلال عرض مجموعة من الأسلحة والمدرعات والمجسمات التي تحكي المعارك والقوات التي شاركت فيها، إضافة إلى مجموعة مهمة من الخرائط وبعض المقتنيات الخاصة بقادة تلك الجيوش.
وأقامت السلطات الأردنية متحفاً تحت الماء في منطقة العقبة السياحية يضم 19 قطعة حربية، بهدف تقديم تجربة تجمع بين الرياضة والبيئة والمعارض لمن يمارسون الغوص والسباحة في المنطقة، بعدما أزالت الجهات المشرفة على المتحف المواد الضارة من المعدات المعروضة للحفاظ على البيئة البحرية.
وبعد جلاء الجيوش الأجنبية عن لبنان، فكّرت قيادة الجيش اللبناني بإنشاء لجنة تعنى بكتابة تاريخ الجيش اللبناني وحفظ تراثه، وذلك منذ عام 1947. ومنذ عام 1948، بدأت قيادة الجيش بتجميع بعض المعدات والأسلحة والألبسة العسكرية القديمة، وجمعها في مكان واحد. وتم بناء مبنى جديد ملحق بالمتحف الوطني يختص بالجيش، وعرف باسم “متحف القرون الوسطى والجيش”، يغطي بمحتوياته الفترة التي تبدأ بالقرون الوسطى حتى الوقت الحاضر.
أما في السعودية، فنجد متحف الملك عبد العزيز الحربي، الذي يتبع القوات البرية، ومقره كلية الملك عبدالعزيز الحربية. ويقدم عرضاً شاملاً لأنواع الأسلحة والأدوات الحربية، وتطور اللباس العسكري لطلاب الكلية، مع سرد تاريخي لتطور القوات السعودية.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.