عبارة تتردد على الألسنة كما تتردد الأناشيد في الطوابير، لكن قليلين من يتوقفون عند معناها.
عبارة قالها الفيلسوف الفرنسي “رينيه ديكارت” ذات قلقٍ معرفي عميق…
أنا أفكر، إذا أنا موجود.
لم يكن يحتفل بالتفكير، بل كان يبحث عن يقين لا تهزّه العواصف. شكّ في كل شيء، حتى في حواسه، حتى في العالم من حوله، لكنه حين حاول أن يشك في تفكيره، اصطدم بحقيقة واحدة: الشك ذاته فعل تفكير. ومن يفكر، موجود بالضرورة.
نبدأ أولاً بمعنى “أفكر”؟
التفكير ليس مجرد دوران كلمات في الرأس، ولا إعادة تدوير لما يقوله الآخرون.
التفكير فعل داخلي مستقل، مساحة خاصة لا تُستعار.
وهو القدرة على السؤال، على المراجعة، على رفض الجاهز، وعلى إعادة تدوير وتركيب المعنى. هو أن تقف بين الفكرة ونقيضها، لا كمشاهدٍ، بل كقاضٍ. العمق في المعنى أن التفكير ليس ترفًا ذهنياً، بل شهادة حضور.
حين تفكر…
فأنت تعلن أنك لست ظلّاً لأحد، ولا صدى لصوتٍ أعلى، أنت مركز وعي تام، لا هامشًا في دفاتر الآخرين.
ولهذا ارتبط التفكير بالوجود؛ لأن الإنسان بلا تفكير يشبه مجرد رقمًا في إحصائية.
يتحرك، يستهلك، يكرر.
أما الإنسان المفكر، فهو كائن يختار، والاختيار هو الفارق بين من يعيش بإرادته ومن يُدار بإرادة غيره.
الخطر لا يبدأ حين يُمنع التفكير قسراً، بل حين يتم التنازل عنه طوعاً. حين نقبل أن يفكر غيرنا بدلًا عنا…كيف نأكل، كيف نلبس، كيف نتكلم، كيف نحب، حتى كيف نحلم؟
عندها لا يُسلب منا الرأي فقط، بل تُسلب خصوصيتنا الوجودية.
أن تُلغى قدرتك على التفكير في تفاصيل حياتك اليومية، فذلك ليس مجرد تبعية فكرية؛ إنه تآكل بطيء للذات. التنازل عن التفكير ليس مجاملة اجتماعية، بل خصم من رصيد إنسانيتك. المفارقة إن من يسلّم عقله لغيره، يظن أنه ارتاح من عبء السؤال!
لكنه في الحقيقة استبدل تعب التفكير بثقل التبعية. الأول يرهقك لحظات، والثاني يرهقك عمراً.
“أنا أفكر… إذن أنا موجود” ليست عبارة تُقال، بل مسؤولية تحمّل.
هي إعلان استقلال داخلي.
هي رفض أن تكون رقمًا يُستدعى عند الحاجة ويُهمَل عند الاكتفاء. هي أن تبقى حاضرًا في تفاصيلك، حتى لو خالفت السائد، ما دمت تمشي على قدمين من وعي.
فالوجود ليس مجرد نبض قلب، بل نبض فكرة. “وجودك ليس لأنك هنا، بل لأنك تعي إنك هنا”.