بير رستم (كاتب ومحلل سياسي كردي سوري)-
يقول إدوارد لورينتز في نظريته “جناح الفراشة” في المناخ والنظرية (إن رفرفة جناح فراشة في الصين قد يتسبب عنه فيضانات وأعاصير ورياح هادرة في أبعد الأماكن في أمريكا أو أوروبا أو أفريقيا)! وقد طبقت هذه النظرية في مجالات أخرى بعيدة عن الطقس الجوي حيث استخدمت في الكثير من العلوم وبالأخص بالعلوم السياسية وسميت باسم “تأثير الفراشة أو (نظرية الفوضى)”.
كتبت تلك المقدمة السابقة لأرد على سؤال بعض الأصدقاء بخصوص ما دار قبل أيام قلائل عن طلب روسي من الإدارة الذاتية بتسليم ناحية عين عيسى للنظام، وحسب قولهم كي لا تهاجمها تركيا، وقد قال البعض؛ بأنها صفقة جديدة بين الروس والأتراك على حساب الشعب السوري بحيث أن تركيا تسلم إدلب مقابل عين عيسى، طبعاً أولئك الإخوة اعتمدوا في قراءتهم تلك على تجارب سابقة مماثلة، ولذلك يمكن القول بأن تخوفهم مشروع، لكن هل سيكون ذلك لصالح التحالف الدولي وهل الأمريكان سيحاولون من جانبهم إرضاء الحليف التركي على حساب الحليف الكردي وبالتالي يستمر بايدن على خطى سابقه ترامب متنكراً لكل وعوده الانتخابية بخصوص تركيا ومطامعها التوسعية؟
بقناعتي فإن الروس والأتراك يريدون اللعب في الوقت المستقطع حيث أن الإدارة القديمة تودع في حين الجديدة لم تستلم بعد، وهكذا فهناك نوع من الفراغ الإداري ويحاولون الاستفادة أو على الأقل “جس النبض”، فهل سيكون هناك رد أمريكي أوروبي حاسم، أم أننا سنجد تخاذلاً جديداً؟!
لكن وبكل الأحوال لست مع من طرح تسليم الناحية للنظام، حيث لو تم تسليمها للنظام فإن الثالوث الروسي التركي السوري سيكون راضياً، بينما لو احتلها تركيا سيأتي اليوم الذي يحتد الصراع بين تركيا وروسيا على الجغرافيا السورية وهو المطلوب.
ثم علينا ألا ننسى نظرية جناح الفراشة حيث احتلال تركيا لمنطقة عين عيسى مقابل إدلب وفيها معظم القوى والمجاميع الإسلامية الراديكالية قد تتسبب بالكثير من الفوضى في وجه الثالوث الآستاني، فحينها لن تكون رفرفة جناحي الفراشة، بل صقصقة أجنحة الغربان والخفافيش وهم يرون بأنهم يخسرون آخر معاقلهم، وكيف أن مشغلهم التركي يتاجر بهم، بطريقة أسوأ بكثير من أن يقولوا؛ بأن الأمريكان يتاجرون بالكرد والإدارة الذاتية حيث ما زال ربع مساحة سوريا وأكثر تحت نفوذ الأخيرة.
وبالمناسبة فإن أهمية عين عيسى ليست في المساحة الجغرافية، بل في موقعها الجيوسياسي موقعاً ودلالة، حيث إنها مركز الإدارة السياسي وعقدة الربط بين أقاليم الإدارة، لكن وبالمقابل فهم “أي المعارضة المستتركة” ستدرك إنها خسرت كل شيء وذلك بعدما كانت تسيطر على أغلب الجغرافيا السورية. وأخيراً ودائماً نقول؛ بأن الهزيمة الكبرى لدى الشعوب المقهورة والمستضعفة وبالأحرى المستعبدة، كما حال شعبنا الكردي هي الهزيمة الداخلية حيث وقبل أن يهاجمنا الأعداء نفكر بالاستسلام، إلا أولئك الذين أخذوا من جبالنا وخنادقنا ساحات للشرف والمقاومة وإعادة تأسيس الشخصية الكردية الجديدة الثائرة، للأسف فإن الكثيرين يريدون أن يرفعوا سراويلهم قبل أن يصلوا للماء بأميال وليس بأمتار.