سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011
Banner Before Header

نهاية تنمّر أردوغان

صالح بوزان (كاتب) –

ليس صحيحاً أن السياسة الأمريكية الخارجية لا تتغير بتغير الرئيس، فقد غيرها ترامب كثيراً، وسيغيرها جو بايدن كثيراً أيضاً، الساسة الأمريكيون براغماتيون، يتعاملون مع الواقع ولا يلتزمون بالأيدولوجيات، وبالتالي لن يعود جو بايدن إلى سياسات باراك أوباما تماماً. فالسيرة السياسية لبايدن تبين أنه لم يكن تلميذاً لأوباما، وإنما هو شخصية ذات استقلالية في التفكير، إلى جانب أن نائبته هي الأخرى لها استقلاليتها حتى عن بايدن، وسيكون لها دور غير عادي في السياسة الأمريكية الخارجية، إضافة إلى كل ذلك فقد تغيرت الخريطة الجيوسياسية للعالم بين عهدي أوباما وجو بايدن.
استغلال أردوغان لرئاسة ترامب باحتلال المدن السورية
ما يهم الكرد، وخاصة كرد روج آفا بعد سقوط ترامب، البيئة الجيوسياسية التي سيخلقها بايدن في الشرق الأوسط ولا سيما ما يتعلق بالأزمة السورية، نعلم أن القضية الكردية السورية اتجهت نحو العالمية في عهد أوباما، وكان أردوغان عندئذ حريصاً في السير وراء أمريكا في الشأن السوري.
وظهر عاملان لصالح أردوغان تجاه الأزمة السورية عامة وتجاه كرد سوريا خاصة، العامل الأول وصول ترامب إلى رئاسة أمريكا، والتفاهم الذي حدث بينهما على مسائل إقليمية ودولية عديدة، فقد أطلق ترامب يد أردوغان في الشأن السوري. والعامل الثاني التفاهم الذي حدث بين أردوغان وبوتين حول نفس المسائل، فاستغل أردوغان هذان العاملان تجاه الأزمة السورية وتجاه القضية الكردية، كان حريصاً في كل خطوة نحو الأزمة السورية وتجاه كرد سوريا أن يحصل مسبقاً على موافقة ترامب وبوتين، هذا ما فعل مع بوتين في احتلال عفرين ومع ترامب في احتلال كري سبي (تل أبيض) وسري كانيه (رأس العين).
كما استغل تراجع ترامب عن المسألة السورية عامة ليضع يده على المعارضة السورية وميليشياتها الإسلامية، ومن ثم يقوم بالبيع والشراء مع بوتين بشكل ودي غالباً على أنهما حليفان في المسألة السورية، قام ترامب بإعادة النظر في علاقة أمريكا مع دول الاتحاد الأوروبي اقتصادياً وسياسياً وعسكرياً، فصاغ استراتيجية لتحجيم دول أوروبا، ولاحظنا اصطدامه مع العديد من القادة الأوروبيين الذين لم يقبلوا التحجيم.
غض الطرف الأمريكي وابتزاز أوروبا باللاجئين
صحيح أن الأوروبيين لا يجرؤون على الخروج عن طاعة أمريكا منذ الحرب العالمية الثانية، لكنهم في الوقت نفسه لا يقبلون أن تقوم أمريكا بصفقات على حسابهم، كان الصدام الأول بين ترامب والقادة الأوروبيين عندما اتخذ قرار الانسحاب الانفرادي من الاتفاقية النووية مع إيران دون إيلاء الاهتمام بمعارضة أوروبا لهذه الخطوة.
وتابع خطواته الانفرادية باتخاذ عقوبات اقتصادية صارمة ضد إيران، تضررت منها الدول الأوروبية، وانسحب من اتفاقية المناخ ومنظمة الصحة العالمية وغير ذلك من الإجراءات الفردية التي خلقت شرخاً بين أمريكا وأوروبا، تقاطعت هذه الاستراتيجية الترامبية مع رغبة بوتين في التمدد نحو أوروبا على حساب أمريكا.
هنا وجد أردوغان أن مساعي ترامب لتحجيم أوروبا تأتي لصالح سياساته التوسعية على حساب دول وشعوب الشرق الأوسط؛ فبات يخاطب قادة الدول الأوروبية بلغة التهديد، والسعي لفرض أجنداته عليها، لم يعد يهمه الدخول في الاتحاد الأوروبي الذي تماطل القادة الأوروبيين بقبوله فيه، فقد حصل على موافقة ضمنية من ترامب وبوتين ليكون الزعيم الإسلامي في الشرق الأوسط، وبات يصبغ وجهه بالإسلام أكثر من السابق، ويستخدم الدين سيفاً يشهره في الداخل والخارج، ويزعم أنه سلطان “الأمة” الإسلامية.
ابتزّ قادة أوروبا مالياً حول اللاجئين السوريين، وهددهم صراحة بتسفير قوافل اللاجئين إلى أوروبا إذا لم يرضخوا لطلباته، وفي الشهرين الأخيرين سلط الإرهاب على دول أوروبية تعارض سياساته التوسعية وخاصة فرنسا. رضخ أغلب قادة أوروبا لأردوغان، وباتوا يريدون إرضاءه، ولم تعد مسألة حقوق الإنسان في تركيا تشغلهم، ولا احتلال أردوغان لعفرين والمدن السورية الأخرى، ولم تجرؤ دولة أوروبية واحدة على إدانة هذا الاحتلال الذي أدى إلى تشريد آلاف الكرد من موطنهم، لم يقف أردوغان عند هذا الحد، بل تطاول على ليبيا والبحر المتوسط إلى أن وصل لناغورني كاراباخ.
هل كان أردوغان يتجرأ على القيام بكل هذه الخطوات لولا تفاهماته مع ترامب وبوتين؟ بالتأكيد لا. إذا وضعنا صخب تصريحات أردوغان الهوجاء جانباً نستطيع القول أن تركيا نمر من ورق، وهي كذلك منذ تأسيس الجمهورية، فلولا وقوف الغرب إلى جانبها، ولولا وجودها في الحلف الأطلسي منذ خمسينيات القرن الماضي، ولولا الدعم الأمريكي المباشر لها؛ لما استطاعت أن تصمد أمام أزماتها الداخلية، وأمام كفاح الحركة الكردية في باشور كردستان.
الإدارة الذاتية اختارت الصمود والمقاومة
لا شك أن الإدارة الذاتية في شمال وشرق سوريا، ولا سيما قوات سوريا الديمقراطية، كانوا يراقبون هذه التحولات في السياسة الأمريكية والروسية وانعكاسها السلبية على القضية الكردية، فهم من ناحية لا يثقون ببوتين الذي يريد إعادة سوريا إلى ما كانت عليها قبل الثورة السورية بالاتفاق مع روحاني وأردوغان.
وبالتالي لن يحصل الكرد على أي حقوق في سوريا المستقبل، ومن ناحية ثانية باتوا وجهاً لوجه أمام تاجر رخيص مثل ترامب، لا يفكر سوى بالصفقات التجارية وبيع البشر مقابل المال، وكان الخيار الوحيد أمامهم الصمود والمقاومة عسى أن تتغير الأوضاع الإقليمية والعالمية لصالحهم، نجح بايدن في الانتخابات الأمريكية، وأصبحت الأوضاع الإقليمية والدولية في طريقها إلى التغيير مع الرئيس الجديد.
وبالتالي وصل صمود الإدارة الذاتية وقوت سوريا الديمقراطية إلى وضع أفضل بكثير من السابق، فمع مغادرة ترامب البيت الأبيض ستنهار صفقات أردوغان معه، ولن تعود تفاهمات أردوغان وبوتين بعد اليوم تثمر كثيراً، فعندما تساند أمريكا الإدارة الذاتية وقوات سوريا الديمقراطية، فإن الدول الأوروبية كلها ستقوم بذلك.
لن يقف الأمر عند هذا الحد، بل سيصبح مستقبل أردوغان السياسي وحزبه أكثر ضبابية، التحول الأبرز عالمياً هو عودة التلاحم بين أمريكا أوروبا على حساب روسيا وتركيا، ومن ناحية أخرى سيسعى الرئيس الأمريكي الجديد إلى إعادة تركيا إلى حظيرة أمريكا السابقة، وأغلب الساسة الأمريكيين لم يعودوا يثقون بأردوغان حليفاً لأمريكا، فقد استغل أردوغان دعم ترامب له ليذهب بعيداً في تفاهماته مع بوتين لحد تهديد مصالح أمريكا الاستراتيجية.
وأقر الكونغرس عقوبات على تركيا، لكن ترامب أوقفها، كما تجاهل التفاف بوتين على قرارات جنيف حول المسألة السورية في المؤتمرات التي عقدت من أجلها، كانت نتائج هذه المؤتمرات ضد مصلحة الشعب الكردي بخاصة والسوري عامة، ولا سيما ضد الإدارة الذاتية وقوات سوريا الديمقراطية.
لقد تنمّر أردوغان إقليميا ودولياً بفضل ترامب وبوتين، ومع جو بايدن سيعود إلى حجمه الطبيعي، سيطلب بايدن منه التراجع عن أغلب الخطوات التي قام بها اعتماداً على تفاهماته مع ترامب وبوتين في الشرق الأوسط، وعلى صعيد العلاقة مع أوروبا، إضافة إلى الابتعاد عن روسيا والعودة إلى حظيرة أمريكا كالسابق.
وسواءً لبى أردوغان هذه الطلبات أم لم يلبها سيدخل مع حزبه في مأزق سياسي، ففي حال لبى هذه الطلبات، ستنقلب عليه جماهيره التي هيجها خلال السنوات الأربعة الماضية إلى حدود اللاعودة، زد على ذلك أن سياسات أردوغان الداخلية والخارجية أوصلت تركيا إلى أزمة اقتصادية خانقة لا يمكن الخروج منها.
أما إذا رفض هذه الطلبات الأمريكية، فستحدث كارثة أكبر لتركيا، ستنهال عليها عقوبات اقتصادية قاسية تفاقم الأزمة الاقتصادية الراهنة، بحيث سيضطر أردوغان إلى الانكباب على الوضع الداخلي في تركيا من أجل إنقاذ مستقبله ومستقبل حزبه السياسي، كل ذلك سيؤدي إلى ازدياد جماهيرية المعارضة في تركيا، مع احتمال كبير لنجاحها في الانتخابات القادمة ضد أردوغان وحزبه.
 يجب ألا يقع أي كردي في وهم جو بايدن بأنه سيقاتل من أجل القضية الكردية، لكن البيئة الجيوسياسية التي سيخلقها بايدن في الشرق الأوسط والعالم ستكون لصالح الكرد حتماً، وإذا استغل القادة الكرد هذه البيئة الجيوسياسية بمهارة سياسية، ستنتقل الحركة الكردية في عموم كردستان إلى مرحلة جديدة ترسخ وجودها في الشرق الأوسط عامة، يتوقف الأمر على تفهم القادة الكرد لهذه المرحلة واستغلالها لصالح قضية شعبهم.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.