سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011
Banner Before Header

ديلان شوقي… في سردية الألم والوجع

آراس بيراني-

نشرت الكاتبة الروائية الكردية “ديلان شوقي” روايتها الجديدة: (عشرة أيام في مركز الأبحاث الطبية) باللغة الكردية. وحسب العنوان الفرعي للرواية “الغرفة 219” توضح لنا من الوهلة الأولى ومن قراءة العنوان ما الذي تسعى إليه هذه الرواية، سيرة ذاتية لرحلة علاج طويلة أرهقت الكاتبة منذ سنوات، تصوّر عبر سرد ملامح المرض وتأثيراته الجسدية على نفسيتها.. بين ردهات ذاك المشفى الذي يحوي حالات مرضية مشابهة، تجسد رؤى المريض من الداخل، حالته القلقة، وانتظاره لنتائج التحاليل الطبية، توضح لنا تلك العلاقة التي تنشأ بين المريض والطبيب، رمز للشفاء وأداة معرفية إنسانية للعلاج.. والفكرة التي نراها مجسدة في تحدي المرض.
في روايتها الموسومة بالـ “الغرفة رقم 219” تلك الغرفة التي تتحول لمكان تنطلق منها نحو سرديات الوجع والألم، في ذاك المكان الضيق تختار الروائية منطلقاً للرواية، من عمق ذاك الهدوء تعلن عن صراخ الروح ومنازعتها للفوز بالحياة من ذاك المكان.
 كثيرة هي الروايات التي اعتمدت في بنائها الروائي على أمكنة ضيقة، نتذكر سيناريو فيلم “الجدار” للسينمائي الكردي العالمي يلماز غوني الذي أخرجها سينمائياً، حيث تدور أحداث الرواية أيضاً في مكان كئيب مظلم، بسجن يتكدس فيه السجناء، ولكل سجين حكايته وروايته، وإلى حد سيناريو فيلم الطريق الذي انطلق من سجن “ايمرالي” نحو عتبات جغرافية شاسعة، كما يسعنا تذكر رواية “الفراشة” للكاتب الفرنسي هنري شاريير، فالمكان عنده سجن رهيب، حيث (عاش) السجناء فيه معظم حياتهم، وما أكثر الغرف والسجون التي تحوي بين جنباتها المظلمة حيوات عظيمة وروايات لم يكتب لها أن تكتب، وديلان شوقي وهي هنا لا تسرد أحداث وآمال وحوادث جرت في زمن ما، لأناس أو لمرضى فقط، وإنما تكتب تجربتها، تسافر في عمق نظرات المرضى، تكتشف لنا تلك الهمهمات الخفيضة، وتلك اللحظات الطويلة والقاسية في انتظار نتائج الفحوصات والتحاليل الطبية، كل حركة او إيماءة لطبيب أو ممرضة تمنحها ألف أمل إزاء يأس واحد كفيل بأن يعود بها إلى سراديب القلق، تلك الفحوصات التأملية تجعلها تشخص خياراتها السردية ووضعها في أفقية مكان واضح، تأمل أن تجد أو تسمع صدى لها من قبل المتلقي أو القارئ.. فمكان كالمعتقل أو السجن، وهنا في روايتها التي تجري أحداثها في مركز طبي فإن الكاتبة تختار شخوصها بسهولة، وتنشئ حواراتهم، بل تحدد كيفية التعامل مع الوسط، بخاصة أنها تعيش نهاراتها ولياليها الطويلة، مستفيدة من ذخيرتها المعرفية بالحياة، تسعى بقوة نحو إيجاد فرص للانبثاق التجديدي في أصول كتابة جديدة للرواية في تقنياتها السردية إلى هيجان تصويري مع مسحة شاعرية لتؤكد حضورها كروائية لأحداث ومصائر بشر في زمن (عشرة أيام)..
هذا التحديد الزمني يعيدنا إلى روايات التزمت بمدد زمنية أو مسافات طولية أو مساحات جغرافية، في ظل التفاعل السردي الذي حدث زمانياً أيضاً ضمن المكان خلال تلك الفترة الاستشفائية ترافق السرد برفقة شخوص تعرفهم هناك، الحالة الجمعية، والانكشافات الذاتية على الآخرين أو العكس توثق الكثير من الأحداث والإشارات وربما تبنت الكثير من آرائهم ومفاهيمهم، لا تستطيع سردياتها التخلص من وجودها الشخصي التي أصبحت جزءاً من الرواية، شخوص بأمكنة وأزمنة تحركها الرغبة بالكتابة، في محاولة لتأسيس وجودها الإنساني خارج جدران الغرفة “219”.
ـ ديلان شوقي كاتبة روائية وشاعرة كردية – سوريا.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.