الحزب الإسلامي التركستاني أحد أبرز الشبكات التي تدعي الجهاد والتي نشأت في أفغانستان وباكستان خلال تسعينيات القرن العشرين، وارتبط بقضية الإيغور الذين يطالب بعضهم باستقلال ما يسمونه “تركستان الشرقية” عن الصين وخلال العقدين الماضيين ارتبط التنظيم بشبكاتٍ “جهادية” دولية، واحتفظ بعلاقات أيديولوجية وتنظيمية مع تيارات محسوبة على تنظيم القاعدة، وهو ذات التنظيم الذي اعتبر جبهة النصرة نواة هيئة تحرير الشام امتداد للتنظيم في سوريا منذ نشأتها وقد دفع الضغط الأمني الصيني على المجموعات المسلحة الإيغورية عدداً من عناصر التنظيم إلى الانتقال نحو ساحات صراع أخرى كان أبرزها الساحة السورية.
أواخر العام 2013 شكّل نقطة تحول في مسار الأزمة السورية، حيث بات يُعرف بعام “المهاجرين” نسبةً للعدد الكبير من المسلحون الأجانب الذين عبروا الحدود بتسهيلاتٍ من تركيا إلى سوريا وعلى رأسهم الحزب الإسلامي التركستاني ويختصر بـ “التركستاني” هم عناصر من المسلمين الإيغور أصحاب نهج راديكالي عابر للحدود قدموا من موطنهم في إقليم شينجيانغ الصيني، بأعدادٍ قليلة في البداية تحت راية ما يسمى بـ”الجهاد”، ليستقرُّوا مع عوائلهم في جبال الساحل والريف الغربي لإدلب.
بنية مستقلة
اتخذ عناصر الحزب من المناطق الحدودية القريبة من تركيا مستقراً لهم وقصدوا جبال الساحل وإدلب لطبيعتها الجغرافية القريبة نسبياً من موطنهم الأصلي ليبدأ توافدهم إلى الأراضي السورية يزداد مع بداية عام 2014، واستمر تدفقهم برفقة عوائلهم طيلة هذا العام.
لم يقتصر نشاط الحزب الإسلامي التركستاني الإرهابي على العمل العسكري فقط، بل اتجه إلى بناء بنية اجتماعية شبه مستقلة داخل مناطق نفوذه متمتعاً بكامل ميزاته الثقافية والاجتماعية؛ فبنى المدارس والمؤسسات الاجتماعية والدينية الموجهة لأبناء هذه المجتمعات، وساعد هذا الواقع على تحول التنظيم من مجرد فصيل عسكري إلى مجتمعٍ مهاجر يمتلك امتداداً سكانياً وعائلياً داخل سوريا، وهو ما جعل التعامل معه أكثر تعقيداً مقارنةً بالمسلحين الأجانب الأخرى.
شارك العناصر الإيغور الإرهابيين الذين عُرفوا بضراوة قتالهم وامتلاكهم خبرات تقنية عالية على صعيد التفخيخ والخطط القتالية والتقنيات المستخدمة وهذا ما أثبتته حينها المعارك ضد قوات النظام السوري السابق في ذات العام، فكان لهم دور بارز وكبير إلى جانب مسلحين آخرين من جنسيات خليجية وشمال أفريقية وآسيوية وغربية في انكسارات النظام على عددٍ من الجبهات؛ الأمر الذي أكسبهم صيتاً ونفوذاً قوياً لما أظهروه من تمرُّس وخبرة في القتال وإدارة المعارك.
وبعد أقل من عام على ظهورهم وانتشارهم بكثرة تم الإعلان عن تشكيل “الحزب الإسلامي التركستاني” في أواخر عام 2014، بقيادة “عبد الحق التركستاني”، حيث بدأ التركستاني أول معركة رسمية باسمهم الصريح، وهي “معركة مدينة جسر الشغور” في نيسان من عام 2015، والتي اكتسب خلالها الصيت الأكبر بعد مساهمته الكبرى بالسيطرة على المدينة وقرى وبلدات بريفها برفقة بقية المجموعات، حيث لعب التركستاني خلال المعارك هذه دور رأس الحربة عبر العمليات الانتحارية من تفجير مفخخات وتفجير أنفسهم بأحزمة ناسفة وقتل منهم الكثير خلال هذه المعارك، لذلك تعتبر مدينة جسر الشغور ذات قيمة رمزية للتركستان، حيث نصبوا رايتهم في وسط المدينة منذ ذلك الحين إلى يومنا الراهن.
العناصر الإيغور استمروا بالتدفق إلى الأراضي السوريّة بكثرة عبر تركيا حتى مطلع العام الـ 2016 حيث وصل عدد عناصر الحزب الإسلامي التركستاني إلى نحو 7000 عنصراً، كما انضم لهم عدد كبير من السوريين ممن كانوا عناصر سابقين بمجموعات “جند الأقصى” وعناصر من حلفايا بريف حماة وغيرهم فضلاً عن كتيبة الغرباء المنضوية تحت راية تركستان وهم مسلحون من الجنسية الفلسطينية.
الحزب التركستاني تمتع بمساحاتٍ جغرافية ذات طبيعة معقدة نسبياً فانتشر الحزب في سلسلة جبلية ممتدة من مدينة جسر الشغور وريفها الغربي حتى جبلي التركمان والكرد في ريف اللاذقية الشمالي بالإضافة لسهل الغاب، تشمل مناطق حدودية مع لواء الإسكندرون؛ فكان ذلك منفذاً لهم من وإلى تركيا بشكلٍ مباشر واستُخدم كشريان إمداد بشري ولوجستي أحياناً.
فضّل التركستان في بدايات دخولهم إلى الأراضي السوريّة الانعزال وحدهم ضمن مناطق لا يوجد بها سواهم لأسبابٍ عدة منها اختلاف الثقافات والعادات والتقاليد إلا أن الحال تبدل مع مرور الوقت ومع ازدياد أعدادهم بشكلٍ كبير، حيث بات التركستان يشاركون السوريين ضمن مناطقهم ويختلطون بهم كقرى كان يقطنها مواطنون من الطائفة العلوية إبان سيطرة القوات الحكومية عليها لكن بعد سيطرة المجموعات المسلحة حينها وجبهة النصرة باتت تحت سيطرة التركستان كـ”اشتبرق وحلوز والعالية والغسانية وكفردين والجميلية وكاورغو”، التي تخضع لسيطرتهم مع سيطرة هيئة تحرير الشام، كما أقدم عناصر من التركستان على مصاهرة عوائل سوريّة ضمن مناطق سيطرتهم والزواج من مواطنات سوريات، إلا أن الكثير من الزيجات هذه فشلت بسبب اختلاف اللغة والثقافة بشكلٍ كبير.
نفوذ وسطوة
كانت هيئة تحرير الشام حينها تحت اسم جبهة النصرة أقدمت على إعطاء التركستان عدداً من القرى كانت جبهة النصرة قد سيطرت عليها سابقاً إما من القوات الحكومية أو المجموعات العاملة في المنطقة، حيث قدمت هذه القرى كـ “عربون صداقة” بين التركستان والجبهة بذلك الوقت فيما باتت تعتبر كثير من المناطق بمستوطنات للتركستان كـ”الزنبقي وكترين وشندريش” وتحتوي على معسكرات تدريب “قتالي وعقائدي للأطفال واليافعين والشباب للاستمرار على خطى الآباء والمضي قُدماً في الجهاد”.
فالحزب الإسلامي التركستاني ـ الإيغور – في الشمال السوري لم يعد مجرد مجموعة مسلحة عابرة، بل تحول إلى بنية استيطانية وعسكرية معقدة تستغل التحولات الراهنة لترسيخ وجودها، حيث عمد الحزب إلى اتخاذ خطوةً تعتبر غاية في الحساسية والخطورة وهي إنشاء “مركز للأنشطة الشبابية” والذي يعتبر الإجراء الأخطر بنيوياً لأنه يعني الانتقال من العمل العسكري المؤقت إلى “التوطين العقائدي المستدام” ومأسسة الفكر المتطرف فالسوريين والعالم أمام معضلة تفريخ جيل جديد ولد ونشأ في معسكرات ومناطق الشمال السوري منذ عام 2012 وأصبحوا اليوم مراهقين بعمر 13 و14 عاماً فهؤلاء يمثلون “جيلاً شبحاً”.
كما أنهم من الناحية القانونية يعتبرون ساقطي قيد دوليين بلا وثائق ثبوتية أو هويات رسمية تابعة لأي دولة وجاءت هذه المراكز الشبابية لتكون الحاضنة الفكرية والعسكرية لتحويلهم إلى “انكشارية جديدة” وقنابل موقوتة عابرة للحدود تضمن استمرار التنظيم عقوداً قادمة وتمهد لتفريخ مرتزقة يسهل تصديرهم لأي بؤرة صراع دولية وهذا بحذ ذاته يشكل معضلة حقيقية أمام الدول الفاعلة في المعادلة السورية.
تقارير استقصائية تؤكد إن هذه المستوطنات إلى الآن ورغم سقوط النظام السابق لا تزال قائمة حيث تعد قريتي “الزنبقي وكترين” الجبليتين آمنتين بالنسبة للتركستان إذ يقيهم قربها ووقوعها ضمن المنطقة الحدودية مع تركيا من الضربات الجوية والاستهدافات الروسية خصوصاً بعد أن تدخّلت موسكو في المعادلة السوريّة بقوى بعد عام 2015 على النقيض من ذلك تقع “شندريش” قرب معسكرات أخرى للتركستان كـ”سد الشغر” الذي تعرض لعشرات الاستهدافات الجوية من قبل الطائرات السورية والطائرات الروسية حينها.
فالإيغور وكونهم يعودون من خلفية صينية لهم باع طويل في التطور التكنولوجي وهو ما استفادت منه هيئة تحرير الشام التي عملت طيلة سنوات وجودها وانحسارها في إدلب باستثمار هذه الخبرات فالتركستاني طوّر طائرات مسيّرة انتحارية واستخدمها كتحديثٍ استراتيجي يعوضه عن استخدام السيارات المفخخة؛ فباتت تمثّل قدرات الطائرات المسيرة التابعة لـ الحزب الإسلامي التركستاني قفزةً في التكتيكات العسكرية للمسلحين الإيغور في الشمال السوري، نظراً لاعتمادهم على الدعم اللوجستي والغطاء الذي قدمته لهم هيئة تحرير الشام.
عمل الحزب بالتعاون مع الهيئة على نقل ورش التصنيع إلى نقاط محصنة وتحت الأرض لتجنب الغارات الجوية أبرز هذه المواقع تشمل هي مصنع قرية البيضا في ريف اللاذقية الشمالي، حيث يُعد من أول وأبرز المنشآت التي جرى الكشف عنها وكان قد أُقيم داخل مبنى مدرسة محصنة، ويعمل فيه مهندسون وخبراء من “الإيغور” المنتمين للحزب التركستاني للإشراف على تركيب وتعديل المسيّرات.
كما فعلت الهيئة ورش عمل عديدة ومحصنة مثل ورش جسر الشغور في ريف إدلب الغربي نظراً لتمركز الحزب التاريخي في هذه المنطقة، حيث تضم أحراش ومغارات جسر الشغور ورشاً لتجميع الطائرات الانتحارية وتجهيزها بالمتفجرات لتستخدم فيما بعد في المعارك الضارية التي كانت تخوضها هيئة تحرير الشام حينها مع قوات النظام السوري. إضافةً الى مشاغل جبل السماق وحارم التي شُكِّلت فيها ورش مخصصة لتعديل وبرمجة قطع الطائرات التجارية القادمة عبر الحدود وإدماج القذائف المحلية بها كما عززت هذه المشاغل بأكاديميات للتدريب العسكري وكانت أشبه بمراكز مغلقة في ريف إدلب الغربي لتدريب المشغلين على مهارات القيادة عبر الشاشات ومواجهة تقنيات التشويش الإلكتروني.
شراكة المصالح
هذه الورش أنتجت غرف إدارة وتحكم وسيطرة بعد أن تم تطوير الطائرات المسيرة ووصولها إلى مستوى باتت هيئة تحرير الشام تعتدُّ به وهي “كتائب شاهين” التي اعتبرت من الكتائب الأولى المتخصصة بالمسيرات الانتحارية التي تديرها هيئة تحرير الشام بعد أن ساهم التركستاني في رفدها بالكوادر البشرية والهندسية والتقنيات اللازمة لذلك، حيث عمد الإيغور على اتباع تكتيكات كثيرة منها إطلاق الطائرات على شكل أسراب متتالية فالموجة الأولى للاستطلاع وتدمير وسائل الرصد، والموجة الثانية للانقضاض المباشر ثم أنهم ربطوا هذه الطائرات ببث الكاميرات المباشر بغرف عمليات مركزية لتحديد نقاط ضعف التحصينات قبل التنفيذ مستفيدين من قاعدة هامة جداً وهي “التكلفة مقابل الكفاءة”، حيث تم تعديل طائرات تجارية لا تتجاوز تكلفتها بضع مئات من الدولارات لتدمير آليات عسكرية تُقدّر بمئات الآلاف من الدولارات ناهيك عن إثارة الرعب والهلع في صفوف قوات النظام وثكناته العسكرية وعساكره.
فبعد هذه المساهمات التي قدمها الإيغور إلى هيئة تحرير الشام حتى سقوط النظام السوري وجد الحزب نفسه نهاية عام 2024 أمام واقع سياسي وعسكري جديد يُفرض عليه إعادة تعريف موقعه ودوره وبات يمثل نقطة تقاطع بين ثلاثة ملفات استراتيجية كبرى هي – مستقبل المسلحين الأجانب في سوريا – إعادة بناء المؤسسات العسكرية لسوريا الجديدة – العلاقات السورية الصينية التي أصبحت أحد أهم محددات السياسة الخارجية السورية خلال المرحلة الانتقالية. حيث أحدث سقوط نظام الأسد في كانون الأول 2024 تحولاً جذرياً في وضع الحزب الإسلامي التركستاني فبعد سنوات من القتال ضد النظام السوري، وجد التنظيم نفسه أمام سلطة جديدة يقودها رئيس الحكومة السورية المؤقتة أحمد الشرع، وهي سلطة تسعى إلى بناء مؤسسات دولة معترف بها دولياً.
وأعلنت المجموعات المسلحة الرئيسية بما فيها الحزب الإسلامي التركستاني حل تشكيلاتها العسكرية والانضمام إلى وزارة الدفاع السورية الجديدة ضمن عملية إعادة هيكلة شاملة للمؤسسة العسكرية لكن بقي ملف دمج الحزب الإسلامي التركستاني في الجيش السوري الجديد يمثل أحد أكثر الملفات إثارة للجدل منذ عام 2025. حيث جرى دمج التشكيل العسكري للحزب ضمن وحدات جديدة تابعة لوزارة الدفاع السورية كما حصل عدد من قادته على مواقع قيادية داخل الهيكل العسكري المستحدث لكن الحزب حافظ على ثقل عناصره ككتلة وازنة ضمن الفرقة 84 التي تضم عدداً كبيراً من المسلحين الإيغور لكن عديد الاغتيالات التي طالت متزعمو الإيغور ومسلحيهم البارزين فتحت الباب على مصراعيه أمام تشكيك في حجم الاختراق الذي يطال صفوف هؤلاء. لكن؛ ومع المحاولات التي تقوم بها السلطة المؤقتة لدمج هؤلاء لا تزال دمشق تواجه معضلةً معقدة في التعامل مع الحزب الإسلامي التركستاني؛ فمن جهة ينظر عدد من قادة السلطة الجديدة إلى هؤلاء المسلحين باعتبارهم شركاء شاركوا في إسقاط النظام السابق وساهموا في المعارك الحاسمة.
ومن جهةٍ أخرى تمثل صلات التنظيم التاريخية والمتجذرة بالحركات ما تسمى بالجهادية الدولية عبئاً سياسياً وأمنياً على الحكومة السورية الحالية خصوصاً في ظل سعيها للحصول على اعترافٍ دولي واسع وإعادة بناء علاقاتها الخارجية كما يخشى الكثير من السوريين من أن يؤدي استمرار وجود تشكيلات أجنبية منظمة داخل المؤسسة العسكرية إلى خلق مراكز نفوذ مستقلة قد تُعرقل عملية بناء الدولة مستقبلاً. كما إن وجود مسلحين أجانب عابرين للحدود لا يقتصر تأثيرهم على سوريا وحدها فوجود آلاف الأجانب ” الإيغور” داخل الأراضي السورية يثير قلق عدد من الدول الإقليمية والدولية، خصوصاً فيما يتعلق بمخاطر إعادة التشكل التنظيمي أو انتقال العناصر إلى ساحات صراع أخرى.
وأي تدهور أمني داخل سوريا قد يوفر بيئة مناسبة لعودة شبكات التطرف العابر للحدود وهو ما تخشاه القوى الدولية المنخرطة في الملف السوري سيما وإنها تقف أمام تحدي كبير يتمثل بقدرة الحزب على الانتقال من منطق التنظيم العابر للحدود إلى منطق الاندماج داخل الدولة الجديدة.
فالحكومة السورية الجديدة تواجه تحدياً مزدوجاً يتمثل في الحفاظ على تماسك التحالفات التي أوصلتها إلى السلطة، وفي الوقت نفسه بناء دولة تحظى بالشرعية الداخلية والاعتراف الدولي، وفي قلب هذه المعادلة يقف الحزب الإسلامي التركستاني باعتباره اختباراً حقيقياً لقدرة سوريا الجديدة على التوفيق بين ضرورات الأمن ومتطلبات سوريا الحديثة ومقتضيات السياسة الخارجية، وخاصةً في علاقتها المتنامية مع الصين.