عبد الرحمن ربوع
لم يكن جوليوس غريف وفلوريان زابي ليجدا مثالاً صارخاً لـ “الغرابة” يبنيان عليه كتابهما الشهير “الغرابة الأمريكية: المفهوم والوسيلة” أفضلَ من تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب برئيس الحكومة السورية المؤقتة أحمد الشرع. ولربما، لو كان ترامب من قراء الكتب كسلفيه باراك أوباما أو جيمي كارتر؛ لأحبَ أنْ يمنح غريف وزابي المثال الأمثل للغرابة التي صدمت العالم، وفي مقدمتهم السوريين، حين أطلق كل تلك التصريحات الإيجابية بحق الشرع بعد أن كان قبل أشهر “عدو أمريكا” الأشهر.
خلال اللقاء الذي جمع دونالد ترامب بنظيره بأحمد الشرع في 8 تموز 2026 الجاري، على هامش قمة حلف شمال الأطلسي “الناتو” في العاصمة التركية أنقرة، وقبلها في مناسبات عدة على مدى 18 شهراً المنصرمة، أطلق ترامب سلسلةً من التصريحات البارزة والإيجابية التي تمثل تحولاً تاريخياً في السياسة الأمريكية تجاه دمشق.
وقد تلخصت أبرز تلك التصريحات بالإشادة بقيادته، حيث وصف ترامب الشرع بأنه “شخص قوي وقائد عظيم، ومحترم من الجميع بمن فيهم أنا”، وأضاف أنه قام بـ”عمل رائع ولا يُصدق” في توحيد سوريا وإعادة الاستقرار إليها في فترة زمنية قصيرة. كما أعلن ترامب رسمياً عن نية حكومته إزالة سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب، وعندما سأله الصحفيون عن ذلك، أجاب: “أعتقد إنني سأفعل ذلك، نعم. لِمَ لا؟ لقد قام بعمل رائع”. كما أكد ترامب فخره بقرار رفع العقوبات الأمريكية السابقة عن سوريا مثل قانون قيصر، وأوضح في رسالة أرسلها للشرع أن الشركات الأمريكية مستعدة للاستثمار بـ”كثافة” في سوريا للمساعدة في إعادة إعمارها وجعلها أكثر ازدهاراً. لكن؛ عندما سُئل ترامب عما إذا كان يتوقع مساعدة سوريا في ملف حزب الله ولبنان، أعطى إجابة حذرة ومستبشرة قائلاً: “يمكنهم المساعدة، سنرى ما سيحدث، أعتقد إننا نحقق تقدماً كبيراً”.
وكسوريون ربما يجدر بنا التوقف قليلاً أو كثيراً أمام هذه التصريحات وما سبقها وما سيليها.. هل حقاً يشيد ترامب بالشرع، أم أنه يمارس التورية أو التقية أو التهكم. كما قال الله تعالى متهكماً لأبي جهل، عمرو بن هشام، أحد أبرز سادات وأشراف قريش، ومن أكثر الرجال نفوذاً وثراءً ودهاءً في مكة: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ أي: الذليل المهان. وقول قوم نبي الله شعيب له: ﴿إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ يقصدون وصفه بالجنون أو السفه. لماذا كل هذا المدح من ترامب للشرع وعلى ماذا؟ خصوصاً للأسباب التي صرّح بها كالاستقرار والتوحيد اللذين نفتقدهما تماماً في سوريا اليوم؟!
هذان السببين بالذات يدعوانا للتوقف وإمعان النظر. أين الاستقرار، وما معاييره، وما دلالاته، وما شواهده؟ هل لأن الملياردير الدبلوماسي توماس باراك أقنع ترامب بهذه الفكرة ليظهر هو الآخر بدوره ناجحاً في مهمته؟ أم أنها بالفعل عبارة تهكمية سنرى تبعاتها في المستقبل القريب؟
انتظر، لا سوري إلا ويريد لبلده الاستقرار والازدهار.. ولكن؛ ليس بالكلام، وليس بشهادة باراك أو إشادة ترامب.. هذه الشهادات والإشادات “حقها فرنك” ولن تُطعِمنا خبزاً فيما الواقع يقول عكس ذلك، وفيما الواقع نفسه يقول إن ترامب نفسه لم يسمح بعد للشركات الأمريكية أن تطأ الأرض السوريّة. وفيما يضغط بكل ثقله ليدفع الشرع لاتخاذ قرار الانتحار في لبنان بالتدخّل عسكرياً ضد حزب الله، الأمر الذي سينعكس بالخراب والدمار على سوريا ولبنان، ويزيد الأحقاد ويعمق الجراح التي تسبب بها كلا الطرفين لبعضهما البعض على مدى خمسين عاماً من حكم الأسدين الأب والابن. سواء بالتدخّل السوري في لبنان في 1976 حتى 2005، أو تدخّل حزب الله في سوريا في 2012 حتى 2023.
أحمد الشرع بدوره رفض علناً ومراراً تلبية “دعوات” أو تحقيق “أماني” ترامب بتدخل سوريا في لبنان. لكن؛ إلى متى سيستمر هذا الرفض فيما ترامب يضغط بهذا الاتجاه؟ وكيف ستكون ردة فعله إذا أكد الشرع هذا الرفض واستمر عليه وتمسك به؟ وهل سيظل على موقفه الداعم و”المشيد” بالشرع؟ أم سينقلب، كما انقلب على الإيرانيين، حين مدحهم وذمهم مراراً وتكراراً خلال فترة ولايته الأولى والثانية لينتهي المطاف بما رآه العالم يوم 28 شباط الفائت حين حُيّد الآلاف من قادة إيران بما فيهم المرشد علي خامنئي وابنه؟!