No Result
View All Result
كاوه نادر قادر
تشهد منطقة الشرق الأوسط في المرحلة الراهنة حراكًا دبلوماسيًا متسارعًا يعكس التحولات العميقة في ميزان القوى الإقليمي، فالدبلوماسية لم تعد مجرد وسيلة لإدارة العلاقات بين الدول، بل أصبحت أداة لإعادة تشكيل التوازنات السياسية والأمنية بما ينسجم مع مصالح القوى الإقليمية والدولية، وفي خضم هذه التحولات، تبقى القضية الكردستانية إحدى القضايا الأكثر حضورًا، وإن بقي حضورها في كثير من الأحيان غير معلن في مسارات التفاوض والتفاهمات الإقليمية.
ورغم إن كردستان ليست دولة مستقلة، فإن موقعها الجغرافي الذي يتوسط الشرق الأوسط، إلى جانب ثقلها السكاني وامتدادها عبر أربع دول، جعلا منها عاملًا مؤثرًا في معادلات الأمن والاستقرار الإقليميين. ولذلك، لم تعد القضية الكردستانية شأنًا داخليًا يخص الدول التي تتقاسم كردستان، بل أصبحت عنصرًا حاضرًا في حسابات القوى الإقليمية والدولية عند إعادة رسم التوازنات الجيوسياسية.
ومنذ تبلور النظام الإقليمي عقب اتفاقية لوزان، تشكل جزء هام من بنيته الأمنية على أساس إنكار الوجود القومي للشعب الكردي ورفض الاعتراف بحقوقه السياسية، وانطلاقًا من هذا التصور، جرى التعامل مع أي مطالب تتعلق بالحقوق القومية أو بحق تقرير المصير بوصفها تهديدًا للوحدة الوطنية والأمن القومي، وليس باعتبارها قضية سياسية قابلة للحل عبر الحوار والتسويات الدستورية.
وبناءً على هذه المقاربة، اعتمدت” تركيا وإيران والعراق وسوريا”، بدرجات متفاوتة، سياسات أمنية وعسكرية في التعامل مع القضية الكردستانية، ارتكزت على العمليات العسكرية والإجراءات الأمنية أكثر من ارتكازها على البحث عن حلولٍ سياسية مستدامة، ولم تؤدِّ هذه السياسات إلى إنهاء القضية، بل استنزفت موارد اقتصادية وعسكرية كبيرة، وأضعفت فرص التنمية والاستقرار، كما هيأت بيئة مناسبة لتوسع التدخّلات الإقليمية والدولية في شؤون المنطقة.
ومن هنا برز ما يمكن وصفه بـ “رهاب / فوبیا/ القضية الكردستانية”، أي النظر إلى أي تطور سياسي أو دبلوماسي يتعلق بالشأن الكردستاني بوصفه تهديدًا استراتيجيًا أو خطًا أحمر، بدلاً من اعتباره فرصةً لمعالجة واحدة من أقدم وأعقد القضايا السياسية في الشرق الأوسط، وقد أسهم هذا الإدراك الأمني في تكريس سياسات الاحتواء وإدارة الأزمات، بدلاً من تبنّي مقاربات تقوم على الاعتراف بالحقوق والتوصل إلى تسويات سياسية مستدامة. وفي المقابل، تعاملت القوى الدولية الكبرى مع القضية الكردستانية بمنطق إدارة المصالح أكثر من منطق تسوية الصراعات، ففي مراحلٍ مختلفة، أقامت الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية، إلى جانب فرنسا وإسرائيل وروسيا، أشكالًا متنوعة من التعاون مع القوى الكردستانية، ولا سيما في إطار المقاومة ضد داعش، حيث أثبتت هذه القوى فاعلية ميدانية واضحة. غير أن هذا التعاون ظلَّ في معظمه مرتبطًا باعتبارات ظرفية ومصالح استراتيجية، ولم يتحول إلى مشروع دولي يسعى إلى معالجة القضية الكردستانية معالجة عادلة ومستدامة.
كما استخدمت بعض القوى الدولية علاقاتها مع الأطراف الكردستانية أداةً للضغط السياسي في مواجهة حكومات المنطقة، من دون أن يقترن ذلك برؤية متكاملة لمعالجة جذور المشكلة. ونتيجة لذلك، انصب جانب كبير من التحركات الدبلوماسية الإقليمية والدولية على احتواء التداعيات الأمنية للقضية الكردستانية وإدارة آثارها، أكثر من انصرافه إلى البحث في أسبابها السياسية والتاريخية.
وتعكس التحركات الدبلوماسية الجارية خلال عام 2026 هذا الواقع بوضوح، سواء على مستوى العلاقات بين الولايات المتحدة وتركيا والعراق وسوريا، أم في إطار الجهود الرامية إلى إعادة ترتيب التوازنات الأمنية في المشرق، فالقضية الكردستانية لا تزال حاضرة، وإن بصورةٍ غير معلنة، في كثير من هذه التفاهمات. كما أن أي إعادة رسم لموازين القوى أو إنشاء ترتيبات أمنية جديدة ستنعكس بصورةٍ مباشرة على مستقبل الكردستانیین في (العراق وسوريا وتركيا وإيران)، الأمر الذي يجعل إدماج حقوقهم القومية والسياسية في أي تسوية إقليمية شرطًا أساسيًا لتحقيق استقرار دائم، لا مجرد خيار سياسي قابل للتأجيل.
إن استمرار النظر إلى القضية الكردستانية بوصفها تهديدًا أمنيًا، لا قضية سياسية ذات أبعاد تاريخية وقانونية، لن يؤدي إلا إلى إعادة إنتاج دوائر الصراع وعدم الاستقرار في الشرق الأوسط. وقد أثبتت العقود الماضية إن المقاربات العسكرية والأمنية، مهما بلغت شدتها، لم تنجح في إنهاء هذه القضية، بل أسهمت في تعقيدها وتعميق آثارها الإقليمية. لذلك، فإن نجاح أي مشروع لإعادة بناء النظام الإقليمي سيظل مرهونًا بالانتقال من سياسة الإنكار والاحتواء إلى سياسة الاعتراف والحوار والتسوية السياسية العادلة.
فاستقرار الشرق الأوسط لن يتحقق بإدارة تداعيات القضية الكردستانية، بل بمعالجة جذورها ضمن رؤية شاملة تضمن الحقوق، وتعزز الشراكة، وتؤسس لاستقرارٍ مستدام يخدم جميع شعوب المنطقة.
No Result
View All Result