سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011
Banner Before Header

التخطيط الاقتصادي الاجتماعي

دجوار أحمد آغا-

يبذل الإنسان في نشاطه اليومي جهداً يختلف عن مجهود بقية الكائنات الحية، حيث يتميز جهده بالوعي الذي يرمي إلى تحقيق هدف متصور لديه مسبقاً. أي أن الإنسان كائن مفـكـر يـعـمـل، وهـذا مـا جـعـل الفيلسوف اليوناني أرسطو يقول بأن “الإنـسـان كائن مخطط” بمعنى أنه يدرك مقدماً الغاية من الجهد الذي يبذله ويتبع الوسائل الملائمة لتحقيق هذه الغاية. والتخطيط بمفهومه العام هو عبـارة عـن تحديد لمجموعة من الأهداف المتناسقة التي يـراد تحقيقها وفق أولويات معينة وخلال فـتـرة زمـنـيـة محددة, مع اختيار لمجموعة الوسائـل والإجـراءات اللازمة لتحويل هذه الأهداف إلى واقع. وكمثال مبسط لغرض الإيضاح على عمل هذا الكائن المخطط نراه يتصور مقدماً الكيفية التي سيكون عليها البيت الذي يريد بناءه, حيث يرسم هذا المخطط على الورق بكافة تفاصيله. وفي عصرنا الراهن وبفضل تطور وتقدم العلوم المختلفة، ومنها علم الاقتصاد وعلم التخطيط وأدوات جمع وتحليل المعلومات اللازمة لهما, أصبح بمقدور الإنسان (المجتمع) أن يخطط على مستوى المجتمع بأسره, وذلك بأن يتصور مسبقاً الكيفية التي سيكون عليها نمط الاقتصاد المجتمعي ولمصلحة من. ويرسم ذلك التصور بالأرقام في خطط شاملة للوصول إلى النمط الاقتصادي المخطط له وفي مصلحة وخدمة المجتمع ككل.
إن التخطيط يرتبط عضوياً مع طبيعة النظام السياسي والأساس الاقتصادي للمجتمع, وهو يعني القدرة على إدارة الموارد المادية والبشرية للمجتمع من أجل توظيفها وبالشكل الأنسب في خدمة المجتمع نفسه, وتوزيعها بشكل عادل ومنصف. يمكننا ملاحظة وجود ملامح التخطيط الشامل للتقدم الاقتصادي والاجتماعي في الواقع, عندما تتركز الجهود المبذولة بالدرجة الأولى على تعبئة وتطوير وتنمية موارد المجتمع البشرية والمادية والمالية من أجل الوصول إلى تنمية القوى المنتجة وتوسيع وتنويع قدراتها الإنتاجية مما يؤدي باستمرار إلى زيادة وتحسين إنتاجية العمل الجماعي.
التخطيط للتقدم والتطوير الاقتصادي والاجتماعي يحتاج إلى مقدمات ضرورية له, من جملة هذه المقدمات نذكر:
أولاً- المقومات السياسية:
 أن أول شرط للتقدم الاقتصادي والاجتـمـاعـي هــو الاســتــقــلال السياسي, أي إنــهــاء الـــوضـــع الاستـعـمـاري حـيـث لا يـزال مـفـروضـاً, ثـم إقـصـاء الطبـقـات الاجـتـمـاعـيـة والـتـشـكـيـلات الـسـيـاسـيـة المرتبطة بالإمبريالية والتي تفضل التـعـاون معها عن الحكم والسير بالتحول الاجتماعي الجذري الذي يفضي إلى اختفاء الطبقات الطفيلية المرتبطة بالاستعمار نحو غايته المنشودة.
في هذا المجال يـؤكـد الاقـتـصـادي الـسـويـدي غونار ميردال أنه “لرسوخ الفساد في البلدان النامية سـبـب هـام هـو عـادة تـقـديم‘ الـرشـوة إلى السياسي والموظف التي تلـجـأ إلـيـهـا الـشـركـات الغربية من أجل الحصول على أسواق لها وتُدير أعمالها بدون أن تلاقي عقبات كبيرة… إن البلدان الغربية المهيمنة اقتصادياً قد دعمت الرجعية الاقتصادية والاجتماعية والسياسـيـة مـن النوع الأشد تمسكاً وتعلقاً بالحكم”. لذا نرى بأنه من الضروري جداً أن يكون النظام السياسي ملم ومطلع بشكل كبير على الأدوات والأساليب اللازمة للتخطيط الشامل وذلك لإيجاد الحلول الناجعة على صعيد القوى المنتجة بالإضافة إلى وسائل الإنتاج والعلاقات الاجتماعية وصولاً لأفضل السبل التنظيمية لتعبئة الجماهير الشعبية العريضة التي لها المصلحة الحقيقية في هذا التقدم الاقتصادي والاجتماعي المنشود, وإفساح المجال أمامها للمشاركة الفعالة وتسهيل السبل لمبادراتها.
ثانياً- المقومات الاقتصادية:
تتمثل بإيجاد أساس اقتصادي لنظام الحكم القائد والمعبر عن وحدة المصالح النسبية لأعضاء المجتمع، وبدون هذه القاعـدة الاقـتـصـاديـة الـتـي يرتكز عليها التوافق والانسجام النسبي لصالح أفراد المجتمع وشرائحه وفئاته المختلفة, لا يستطيع النظام السياسي التخطيط للتقدم الاقتصادي والاجتماعي بصورة فعلية قابلة للتنفيذ، بل سيكون مثل هذا النظام السياسي عاجز حتى عن البقاء والاستمرار في مركزه القيادي للاقتصاد الوطني والمجتمع. إن عملية التحرير الاقتصادي تعتمد بالدرجة الأولى على مسألة إجراء الإصلاح الزراعي الجذري لصالح جماهير الفلاحين وبالتصنيع المناسب لتأمين الاحتياجات الأساسية وبذل الجهود من أجل بناء الأسس الاقتصادية الهادفة لخلق اقتصاد مجتمعي تؤطره سوق موحدة موجهة تختلف كيفياً عن السوق الخاضعة لآلية الأسعار وتقلبات الـعـرض والـطـلـب وبـقـيـة عـوامـل الـتـطـور التلقائي. وهذا كله يتطلب الاهتمام بالدرجة الرئيسية بالقطاع العام والقطاع التعاوني والقطاع المختلط, وكذلك الاهـتـمـام بـالـقـطـاع الخـاص وتـوجـيـهـه ليشارك بمجهودات التنمية بدلاً من أن يكون عبئاً مستنزفاً لجزء من الفائض الاقتصادي ومبدداً له. لا بد من التفريق بين صغار المنتجـين والحـرفـييـن في القطاع الخاص وبين كبار التجار والضاربين. لا بد من حماية الفئة الأولى العريضة من استغلال الفئة الثانية والحد من نفوذ الأخيرة وتجريدها من كل العوامل التي تساعدها على الاستغلال وتحقيق الأرباح الفاحشة على حساب المجتمع.
ثالثا- المقومات التنظيمية الإحصائية:
وجود المقومات السياسية والاقتصادية يـخـلـق الإمـكـانـات الموضوعية للتخطيط الشامل, ولكي تتحول هذه الإمكانية إلى واقع عملي ومفعلي معاش يتطلب ايجاد أفضل وأنسب الطرق والأساليب التنظيمية والإدارية لتسيير هذه الأمور وصولاً إلى أفضل النتائج المرجوة من هذا التخطيط الاقتصادي والاجتماعي. بطبيعة الحال يحتاج المرء إلى معارف ومعلومات وإحصائيات مختلفة ومتنوعة لتسهيل عملية التخطيط الجيد والذي يكون مفيداً ونافعاً بقدر كمية البيانات والإحصائيات التي يحصل عليها القائمون على هذا التخطيط.
التخطيط للتقدم والتطور الاقتصادي والاجتماعي هو تطبيق مباشر لمفهوم التفكير العلمي الممنهج من أجل حل المشكلات الاقتصادية والاجتماعية في المجتمع البشري وهو ما يؤكد بأن ميادين أساسية للنشاط البشري أصبحت توجه بطريقة علمية منظمة, بعد أن كانت قد تُركت لتنمو بشكل تلقائي. لذا نرى بأنه لا بد من العمل الجاد في هذا الاتجاه ووضع الخطط التنموية سواء للموارد البشرية والمادية والاستمرار في متابعة العمل في هذا الاتجاه بحيث يتم تطوير وتنمية الاقتصاد الوطني والعمل بشكل مؤسساتي ومخطط من أجل تطوير وتنمية الخطط الاقتصادية للوصول إلى الاكتفاء الذاتي وبناء الاقتصاد المجتمعي الحقيقي لتلبية وتأمين كافة الاحتياجات الأساسية والضرورية لحياة المجتمع.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.