سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011
Banner Before Header

غروب شمس القومية العربية  ـ5ـ

رجائي فايد –

لم تكن قنبلة السادات عن استعداده للذهاب إلى الكنيست الإسرائيلي زلة لسان، بل كان يعني ما يقول، إذ اتضح فيما بعد أنها تمت وفق ترتيبات سرية بين أطراف دولية وإقليمية، وعلى الفور بدأ الترتيب للزيارة بخطوات سريعة وعلنية، لكي يخاطب الشعب الإسرائيلي مباشرة لإحلال السلام بدلاً من الحرب، وركزت (كاميرات) التصوير على ذهول وجه ياسر عرفات الذي كان حاضراً في هذه الجلسة، ليصبح ذلك عنواناً لما حل بالمنطقة من ذهول، ثم تطور إلى احتجاجات وتظاهرات، بعضها حرق مكتب شركة مصر للطيران في بغداد، لم يأبه السادات لشيء، إذ كان مستغرقاً في بدء أولى خطواته التصالحية، وضرورة إتمام تلك الزيارة، والتي ما كان أحد يتصور إمكانية حدوثها (حتى السادات نفسه وربما إسرائيل أيضاً) من قبل، واحتشد لاستقباله في المطار كافة قادة إسرائيل (السابقين والحاليين) على اختلاف توجهاتهم الأيديولوجية، إذ مهما كان مستوى خلافاتهم فإنهم يتحدون جميعاً حول مصالح إسرائيل، على عكس العرب، فإن توحدهم في حقيقته فرقة وتشرذم وتبادل الاتهامات ما بين خائن ومجنون ومن لا يعيش متطلبات عصره (من أهل الكهف)، وترقب العرب كيف ستحدث المواجهة الأولى بين السادات وهؤلاء القادة، ويفاجأون بأنها حفلت بالأحاديث الودية ودعابات السادات وسط ضحكات وسعادة كما لو لم تكن هناك حروب بينهم من قبل، وقد استعدت السلطات الأمنية الإسرائيلية متأهبة لأي مفاجأة قد تحملها تلك الزيارة، فقد تكون خدعة كبيرة من السادات، فربما بدلاً من وجوده في الطائرة، فقد يوجد انتحاريون من رجال الصاعقة المصرية، من أجل استهداف قادة إسرائيل والإجهاز عليهم في أرض المطار، لذلك وضعوا لهذا الاحتمال عدته، وحشدوا على أسطح المباني قنّاصة أيديهم على زناد البنادق وعيونهم مركزة على الطائرة، (إنهم في الحرب كما في نوايا السلام جبلوا على ممارسة لعبة الشطرنج، في حين إننا لا نمارس سوى لعبة النرد!!)، وعندما هبط السادات بهدوء، اطمأنت إسرائيل بأنْ لا مفاجآت، وعندئذ لم تعد هناك حاجة للبندقية منذ تلك اللحظة مع مصر إذ بدأ معها عصر السلام.
كنت أجلس مشدوهاً لا أصدق ما أراه من خلال شاشة التلفاز، وشاركني في عدم تصديق المشهد كل من جاورني، بل كل من كان يعيش تلك اللحظات تحت شمس القومية العربية، كان الأمر أشبه بكابوس يصعب تصديقه، فزعيم أكبر دولة عربية، يصافح من كنا نعتبرهم في ثقافتنا زعماء عصابات وقتلة، (موشي ديان) بعصابة عينه، و(مناحيم بيجين) زعيم منظمة (أرغون) الإرهابية وبطل مذبحة (دير ياسين)، و(جولدامائير) التي تباهت في حرب أكتوبر (يا شعب إسرائيل؛ جيش الدفاع الإسرائيلي يحارب الآن في أفريقيا)، وغيرهم. لخص أحدهم هذا المشهد وفق ثقافتنا (ذهب السادات إلى إسرائيل حاملاً كفنه على يديه!) وخطب في الكنيست الإسرائيلي كما وعد، فتحدث عن أهمية السلام وضرورته لتتفرغ الشعوب للبناء والتنمية، بعدها صلى صلاة العيد في المسجد الأقصى، ثم عاد إلى القاهرة، حيث نظمت قيادات تنظيم الاتحاد الاشتراكي مجموعات جماهيرية محدودة لاستقباله، ولم يتمكنوا حشد أكثر من ذلك، لأن الشعب ما زال يعيش في كابوس ما حدث، وصعب عليه تصديقه، لكن الكابوس كان في الواقع حقيقياً.
صمتت البنادق بين مصر وإسرائيل، ربما إلى الأبد، لكن بقيت بندقية مصرية تنتظر السادات، وإلى حديثنا القادم.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.