سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011
Banner Before Header

كُردُ لبنان

حنان عثمان

 

كما في العديد من البلدان، كان للكرد دور بارز في المساهمة في صنع التاريخ اللبناني، من خلال الدور الذي لعبته الأسر الكردية التي هاجرت إلى لبنان كقوات عسكرية أصيلة تقوم بدور أساسي وهو حماية الثغور البحرية في وجه الهجمات الخارجية. ولكن تلك العائلات لم تحافظ على طابعها ولونها الخاص بها، بل تفاعلت واندمجت ضمن محيطها مع بقية الأسر اللبنانية. وكان لتلك العوائل التي يطلق عليها اسم (الرعيل الاول ) جولات مهمة في تاريخ لبنان السياسي، والتاريخ يشهد على الدور البارز الذي لعبوه على مر السنين.

أما مَن يُسمَّون (الرعيل الثاني) من أبناء الشعب الكردي، فقد هاجروا إلى لبنان في مطلع القرن العشرين بحثاً عن الأمن والاستقرار بعد أن أجبروا على الهجرة بسبب الاضطهاد القومي والاجتماعي والاقتصادي على يد الدولة التركية وتعرضهم لكافة أنواع الإبادات. حيث استقروا في أحياء ومدن مختلفة في بيروت كالكرنتينا وبرج حمود وحي اللجا والبسطة وعين المريسة. لكنهم على عكس الرعيل الأول بقوا متصلين بموطنهم ومحتفظين بخلفيتهم القومية سواء من حيث اللغة أو الثقافة، لدرجة خشيتهم من الحصول أو المطالبة بحقهم في الجنسية اللبنانية بسبب إصرارهم على العودة إلى مسقط رأسهم. ولكنهم حرموا من حق العودة ومن حق الحصول على الجنسية اللبنانية في آن معاً.

ومنذ ذلك الحين لم يمتلك الكرد في لبنان الحد الأدنى من مقومات ممارسة أي نشاط يساعد في بلورة مطالبهم أو إبراز دورهم كجالية كردية ضمن المجتمع اللبناني، كما أنهم حرموا من أبسط وسائل التطور الاقتصادي والاجتماعي، ولم يحظوا بأي موقع خاص بهم، سواء أكان على الصعيد الرسمي أو الشعبي، بل عانوا العديد من المصاعب على كافة الأصعدة، وقد شكل عصب هذه المصاعب الحرمان من المواطَنة اللبنانية كما أسلفنا أعلاه.

ولكن بدءاً من خمسينات القرن المنصرم، تبلور للكرد دور طفيف على صعيد الانتخابات بعد أن حصل قسم منهم على الجنسية اللبنانية، وصار يتصل بهم المرشحون ولكن للاقتراع فقط، حيث لم يكن يحق لهم سوى الاقتراع وتشكيل تجمعات تصفق لهذا أو ذاك.

إلا أننا اليوم كجيل يحاول معالجة أسباب تهميش المكون الكردي اللبناني وتسليط الضوء على المظالم التاريخية التي وقعت عليهم، وباستعمال آليات معنوية تعويضية تخولهم للعب دورهم على المستوى السياسي والاقتصادي والاجتماعي، فهناك بعض الأقليات تعاني من مظالم سياسية، وهناك من يعاني من مظالم اقتصادية، وهناك من يعاني من عزل وتمييز اجتماعي. إلا أن الكرد يعانون من جميعها معاً، وقد حان الوقت لحل كل هذه المشاكل والعوائق التي تحول دون الوصول إلى العيش في مجتمع ديمقراطي حقيقي يتمثل فيه كافة أبنائه بهويتهم ولونهم. ذلك أن الديمقراطية الحقيقية تتجسد في الاستجابة لمصالح كافة المكونات التي تمثل المجتمع ككل، وكلما كانت الديمقراطية صحيحة، كلما اقتربت من تمثيل كافة تيارات وفئات ومكونات هذا المجتمع، والعكس صحيح.

ومن أجل أن ينال الكرد في لبنان حقوقهم، وأن يتمكنوا من تذليل كافة المظالم التي وقعت عليهم وهمشتهم سياسياً وباعدت بينهم وبين التواجد العادل في المجالس والنيابة والمناصب، ينبغي الاعتراف بهم كهوية وكمكون أساسي في النسيج الوطني اللبناني، لا أن تسود النظرة إليهم من نافذة طائفية ضيقة تحجم وتشوه حقيقتهم كشعب وكهوية وكثقافة عريقة متجذرة في تاريخ المنطقة بصورة عامة وفي تاريخ لبنان بصورة خاصة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.