سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011
Banner Before Header

التفاوض… أهدافه مراحله وطرقه نتائجه وآثاره

رامان آزاد –
يعدُّ التفاوضُ من السلوكيّات التي مارسها الإنسان منذ أقدم العصور وعبر تاريخه الطويل، وفي قضايا لا حصر لها، تتراوح في أهميتها ما بين أحداث الحياة اليوميّة البسيطة، وقضايا معقّدة (سياسية، واقتصاديّة واجتماعيّة وعسكريّة). والتفاوض وسيلةٌ لتبادل وجهات النظر بين طرفين أو أكثر، ويُلجأ إليه في السلم والحرب على حدٍّ سواء.
أصبحت الحاجة ملحّة للتفاوض في ظل تغيّر تطور وتعقد العلاقات بين الجماعات والمؤسسات والهيئات المختلفة بالبلد الواحد، وكذلك تطوّر وتعقّد العلاقات السياسيّة والاقتصاديّة والتجاريّة بين الدول، وليصبحَ التفاوضُ على كلّ المستويات (المحليّ أو الإقليميّ أو الدوليّ) أداةً هامة لتسوية المشاكل وحلّ الخلافات وإنهاء الازمات بالتوصل إلى الاتفاق، وأما في العمل فإنّه يسهم بزيادة التفاهم والتفاعل ويقيم التوازن بين المصالح المختلفة والآراء والمصالح المتباينة وكذلك بين الحقوق والواجبات.
التفاوض قوامه الحوار
تتعدد تعاريف التفاوض ومنها: أنّه «نوعٌ من الحوار أو تبادلِ الاقتراحات بين فريقين أو أكثر للتوصل إلى اتفاق يحسمُ قضيةَ نزاعٍ بينهم، مع الحفاظ على المصالح المشتركة بينهم، وبذلك يجب أن يستند التفاوض إلى ركنين أساسيين هما: المصلحة المشتركة، قضية متنازع حولها. إذ لا تفاوض مع من لا تجمعنا بهم قضية.
ويُعرّف التفاوض أيضاً بأنّه «أسلوب الحوار والتعبير عن وجهاتِ النظر انطلاقاً من موقف معيّن بهدف التوصل إلى اتفاق يُلزم الأطراف المشتركة في عملية التفاوض حول موضوع معيّن اقتصاديّ أو سياسيّ أو اجتماعيّ) أو غيره من عدة دول أو دولتين وكذلك بين المنظمات حول التحالفات وسواها».
وقد يحتج البعض ويعترض على فكرة التفاوض لجهةِ اختلاف الرؤى والأفكار وتضارب المواقف، وفائدة الحوار حولها، إلا أنّ الصحيح أنّ التباينَ والتعارضَ في الأفكار والمصالح هما سببُ الحوار، وأكثرُ الموضوعاتِ مدعاةً للتفاوض والحوار.
إذ تهدفُ المفاوضات غالباً إلى تضييق هوة الخلاف بين أطراف التفاوض إلى الحدّ الذي يمكن القول: التوصل إلى نتيجة ترضي طرفي الخلاف بالصورة الأفضل، وتجاوز الخلاف الناجم عن اتخاذ قرارات من كلّ طرف على حدة أو التصرف الفرديّ، أو محاولة فرضِ حلٍّ من جانب أحادي على الطرف الآخر بدون مراعاة مصالحه وأفكاره أو التعدي على حقوقه وحريته، ما يؤدّي في النهاية إلى حدوث صدامٍ قد يؤدّي إلى نتائج غير محمودة لكلا الطرفين.
من شأن التفاوض أن يؤدّي المفاوضات إلى زيادة مساحة الفهم المشترك والتعاون بين الأطراف، ويشكّل أرضيّة متينة لتوافقات قادمة في قضايا أخرى خلافيّة، فالحاجة إلى التفاوض دائمة حيث يظهر التباين بين طرفين تجمعهما عوامل مشتركة ولكنهما يختلفان بأسلوب التعاطي معها، وكذلك فيما المصالح والاهتمامات التفصيليّة فيما تكون الخطوط العامة محل التوافق من قبل أطراف الخلاف.
تتعدد طرق التفاوض السياسيّ أو الدبلوماسيّ، ومنها: طرق التفاوض الدبلوماسيّة الاعتيادية، وهي مهمة الممثلين الرسميين والمبعوثين المفوضين بصلاحيات التفاوض، ومنهم أيضاً السفراء ومساعدوهم، وقد يتدخل طرف ثالث لينشط التفاوض ويقدّم المشورة والمساعدة ويبذل المساعي الحميدة في سبيل تقريب وجهات النظر، وقد يلعب الطرف الثالث دور الوساطة ونقل الرسائل ريثما يتم التحضير للتفاوض المباشر، وقد يتم اللجوء إلى تشكيل لجان التحقيق الدوليّة والتحكيم، أو التسوية القضائيّة وعقد المؤتمرات والاجتماعات الدوليّة وغيرها. وقد يحتاج في المسائل الصراع المسلح أو التي تنطوي على مشكلة بالثقة لوجود طرف دوليّ ضامن يتعهد بإلزام الفريقين أو أحدهما بتنفيذ بنود الاتفاق تحت طائلة شرط جزائيّ حسب مستوى الاتفاق أو مجاله.
مراحل التفاوض:
ــ جسُّ النبض: يبدأ التفاوض من مرحلة استكشاف الطرف الآخر ومعرفة ما يدور في خلده من أفكار، وهي محاولة الأطراف لتكوين نوع من الفهم لمتطلبات كلِّ طرفٍ من الآخر، وجمع الرؤى وصياغة الأسلوب الأفضل للخطاب، ومعرفة مكامن سوء الفهم، وكذلك للوصول إلى إحساسٍ مشتركٍ بإطار الاتفاق الذي يمكن التوصل إليه أي رسم إطار الاتفاق المحتمل قبوله وتطبيقه والعمل عليه، والمهم في هذه المرحلة إظهار الجديّة والوضوح في المتطلبات والحسم فيها.
ــ مرحلة تقديم العروض والمقترحات: بعد تفهم الإطار العام بجمع صورتي الموقف من كلا الطرفين، يقوم كلّ طرف أو حتى كلاهما إن أمكن بتقديم العروض والمقترحات بالنسبة لكلّ مسألة من المسائل العالقة والمتصلة بمضمون التفاوض، وغالباً تكون العروض عالية السقف في بدايتها بمعنى يحاول كل طرف تحصيل الحد الأقصى من طلباته التي يصوغها في شروط.
ــ مباشرة التفاوض والنقاش والذي قد يشبه المساومة وفي هذه المرحلة يلجأ كلّ فريق على التمسك بشروطه وطلباته ما استطاع لذلك سبيلاً، ليحقّق مزايا نسبيّة لصالحه، ومع استمرار التفاوض يقترب الفريقان من مرحلة النهاية لصياغة التوافق في نصّ يشمل مصالح الطرفين وهذه المرحلة من أكثر المراحل حساسيّة، وخلالها يتمّ بذل المساعي وقد تحتاج لفترات زمنيّة طويلة أو الاستئناس بخبرات ولجان تحقيق ودراسة لتأكيد مزاعم كلّ فريق ولصياغة الاتفاق.
ــ مرحلة إقرار الاتفاق وصياغته الاتفاق بشكل مكتوب عادة، وفي بعض الأحيان يشمل ذلك تحديد التفاصيل القانونية ويجب على فريق التفاوض أن يراجع البنود المكتوبة بمنتهى الدقة.
ربما تكون هذه المراحل الخطوط العامة ولا تنطبق على كل حالة تفاوض، إذ لكلّ عملية خصوصيتها من حيث (الأطراف وتعددها، عمق الخلاف ومجاله، داخليّ أم خارجيّ…) وقد لا تتبع المفاوضات التسلسل المنطقي تماماً، وقد لا يمكن التكهن بسلوك كلّ فريق خلال التفاوض، وما يستدرك من شروط أو مساعي تعطيل التفاوض من أطراف خارجيّة، وقد ينتهي التفاوض إلى صيغة أقرب للصفقة أو تبادل المصالح والتنافع، وتتخللها مراحل من المناورة السياسيّة والتصريحات قد تضفي سخونة على التفاوض، وتبلغ أشدها عندما يكون التفاوض من أجل إنهاء صراعٍ مسلحٍ، إذ يحاول كلّ فريق توثيق مكتسباته الميدانيّة على طاولة التفاوض لفرض شروطٍ أعلى على المقابل.
شروط نجاح التفاوض
من أجل ضمان نجاح عملية التفاوض لا بد من الالتزام بمجموعة من القواعد:
– الانطلاق من مبدأ انتفاء المطلق: إذ لا حقّ مطلق ولا باطل مطلق، وعلى كلّ طرف ألا يسعى فقط إلى تفهّم وجهة نظر الآخر بل أن يبعث برسائل طمأنة يبين فيها بجلاء حرصه على ذلك.
– الوضوح: والإفصاح عن الهواجس وما في الخواطر، لتهدئة المخاوف فكتمانُ المشاعر وحبسُها يؤدّي بها إلى معاودة الظهور وربما الانفجار في مرحلة لاحقة.
– تقدير موقف الآخر: والحرص على الحفاظ على ماء وجهه، وإظهار الاحترام له بالقدر الكافي، فلو كان المقابل غير مستحق لذلك فقد تسقط الحاجة لمفاوضته مباشرةً، وقد يؤدي تبادل الإهانات والشتائم ومواقف الإحراج والتضييق على المقابل إلى إثارة عناده وتمسكه بمواقفه، فيعتبر أبسط المسائل قضايا مصير أو قضية كرامة لا يجوز له التنازل عنها.
– الإصغاء وإتاحة فرصة التعبير للآخر: أنم تكون مفاوضاً جيداً يعني أن تَسمَع وتُسمِع، وبذلك أن تكون فرص الكلام والإصغاء متساوية، على كلِّ فريق أن يمنح نفسه فرصة فهمِ الآخر.
– عدم الاستغراق في الماضي: فالتفاوضُ يهدف لمرحلة قادمة في المستقبل، والماضي هو للعبرة، ومعظم الخلافات مبعثُها الاختلاف في تقييم الماضي وقراءته، والمطلوب مراجعة الماضي جيداً مع وعي كامل بأنّه ماضٍ.
– مهارة التفاوض والمرونة فيه: يمثل طرفا التفاوض جهات رسميّة ولديهم هامش من الصلاحيات يجب ألا يتعارض مع المبادئ الأساسيّة للحاضنة الشعبيّة أو المجتمع الذي يمثلونه، وفي إطار التوصل للتوافق على المفاوض أن يكون بارعاً مبدعاً في انتقاء كلماته وصياغة موثقه، ويمنع التباس المعنى وسوء الفهم ويتجنب الضبابيّة في التعبير.
– نتيجة التفاوض: ينبغي أن تشمل على مكاسب للطرفين، وفي النزاعات الوطنيّة المسلحة يجب ألا يسعى أحدٌ لتسجيل نصرٍ على الفريق الآخر بمنطق الغلبة والقوة، إذ أنّ الأهم على الإطلاق نجاح المسار السلميّ ونجاح التفاوض يتشاطره الفريقان لأنّه انتصارٌ لخيار العقل على السلاح، وانتصارٌ لثقافة الحياة على الموت، والسؤال دائماً يجب أن يدورَ حول الخيار البديل، إن لم ينجح التفاوض؟ والمهم أن ينتصر الوطن.
يجب أن يحوز المفاوض مجموعة التوصيفات أهمها الإخلاص للوطن والحرص على أمنه وسلامته ووحدنه وعلى سلامة مواطنيه، وتملكِ الجرأة لاتخاذ القرار، وهي معايير ثابتة أخلاقيّة وقانونيّة، وهذا ما نحتاجه سوريا اليوم في السنة الثامنة لأزمتها.

التعليقات مغلقة.