No Result
View All Result
تقرير/ آزاد كردي
روناهي/ منبج: في تطورٍ مستمر ودائم قدمت المؤسسات الثقافية في منبج وريفها الدعم بهدف جمع أواصر الثقافة على منصة واحدة، وتقديم الأفضل لميادين الثقافة والفن بمختلف أجناسها.
يشكل الحَراكُ الثقافيُّ والفنيُّ في مدينة منبج وريفها مشهداً زاخراً متنوعاً من عمليّةِ تَطوُّرِ وتقدم المجتمع؛ حيث تُعَدُّ المظاهر الثقافية والفنون المختلفة المعبر الأول عن حالة المجتمع الحضارية، ووسيلة في ذات الوقت لتنمية وازدهار المجتمع من خلال طرح أفكار جديدة لتحسين شروط الحياة في الواقع، وإعلاء قيم الجمال والرقي لكافة مكونات المدينة عموماً.
نحو تفكيك الأصوليات وترسيخ الثقافات:
إيماناً من الإدارة المدنية الديمقراطية في مدينة منبج وريفها؛ بمدى ضرورة إحياء التراث والثقافات التي شهدتها المدينة على مر العصور؛ باعتبارها تمثل لوناً آسراً من الموزاييك الثقافي، فقد تأسست لجنة الثقافة والفن مع البدايات الأولى لتأسيس الإدارة المدنية بتاريخ 12/3/2017م، وتأكيداً لما تتمتع به من عراقة التاريخ، ومكانة أثرية هامة ومرموقة في نفوس الأهالي، لذلك كان لا بد من تسليط الضوء على مختلف مكونات الإبداع والثقافة التي تتمتع بها منبج، والتي تعد بمثابة نموذج حيّ للتاريخ الإنساني على مر العصور، إذ تُوصف منبج بأنّها متحف مفتوح، يختزن كافة تفاصيل حضارات سوريا، وتعكس كافة قيمها وتراثها المتنوع الأصيل. ومنذ تأسيسها دعمت لجنة الثقافة والفن كافّة الأنشطة الثقافيّة والفنيّة، لرفع سويّة الوعي المجتمعيّ عبر إنشاء مركز الثقافة والفن، إضافة إلى رعاية ودعم كافّة الفنّانين والمبدعين وتشجيعهم في محاولة منها لاستقطاب كافة المواهب والخبرات في المجالات الفنّيّة من” شعر، غناء؛ رسم، نحت، مسرح”، فضلاً إلى سعيها لتشكيل فرقة موسيقيّة مركزيّة تضمّ كافّة المكوّنات. ويتبع للجنة الثقافة والفن مركز الثقافة والفن، ومديريّة الفنون والمسارح، ومكتبة (محمّد منلا غزيّل)، ودائرة الآثار، ومديرية السياحة المستحدثة حديثاً في هذا العام. كانت الانطلاقة واثقة العرى، وبالغة الأهمية في هذا الصراع العلموي المتمدن، ولذلك كان أولى إنجازات الثقافة والفن تفكيك أساطير الثقافة الديكتاتورية التي رسخت لزمن طويل مفاهيم مادية محضة، أبرزها أن لا نتاج ثقافي إلا ولابد من يكون مأجوراً مادياً، في مقابل ذلك خلقت جوانب أكثر رقي وحضارة من أجل بناء مجتمع مثقف سليم، وذلك عبر إتاحة الفرصة لأي مثقف صاعد أن يقدم نفسه ببساطة شديدة، فقط عليه أن ينسق مع اتحاد المثقفين ليحجز له فيما بعد موعد ومكان مناسبين.
التمسك بالتراث الأصيل، مركز الثقافة والفن نموذجاً:
يشكل مركز الثقافة والفن في مدينة منبج وريفها جسراً ثقافياً واصلاً بين الأصالة العريقة والمعاصرة في آن واحد، ويجمع تراثها الذي يشتمل على مختلف المجالات المتنوعة إلى آلاف السنين الغابرة. حيث يهتم مركز الثقافة والفن بالحفاظ على التراث وتوريثه للأجيال القادمة، إضافة إلى إحياء معالم الفلكلور الخالد وتطويرها بالشكل الذي يمثل مساراً للعودة إلى الأجداد والآباء، ومن أبرز مهام مركز الثقافة والفن غرس قيم ومفاهيم العراقة والأصالة في نفوس الشباب ليتمكنوا من الربط بين الحاضر والماضي، وذلك من خلال عمل منظّم ومنسّق قائم في أساسه على تعريف الأجيال الجديدة؛ بإرث بلادهم. ولهذا الغرض استقطاب المواهب الشابة من كلا الجنسين ورفد المجتمع بما هو فاعل منها، بمعنى أنه يمثل مخزناً طبيعياً لتفجير وإنتاج الطاقات التي من شأنها أن تُحيي وتساهم في بناء مجتمع ثقافي مجتمعي.
تجليات ثقافية في البحث عن الهوية:
حرص مركز الثقافة والفن في هذا العام على خلق بيئة للتفاعل بين مختلف الثقافات في مدينة منبج وريفها؛ بهدف جمع أواصر الثقافة على دكة واحدة؛ لتكون النافذة الأوسع التي تتمكن الشعوب من خلالها النفاذ إلى هويتها، وهي الوسيلة التي تسمح للتعرف على الثقافات الأُخرى. وقد عقد المركز لأجل ذلك سلسلة من اللقاءات مع مختلف الفعاليات، كالجمعية التركمانية والشركسية؛ بهدف تحفيّز الناشطين منهم لميدان الثقافة والفن، وخلق حالة من تعدد الثقافات وجذبهم لدفع عجلة الثقافة إلى الإمام. كما أن النجاح لا يتوقف على درجة ثابتة ومن ثم تتوقف، فمسيرة الألف ميل تبدأ بخطوة، ومن ذلك المنطلق أنجز المركز الإعداد والتحضير لفرق المركز المتنوعة تمهيداً لاحتفالات شهر آذار لا سيما أنه يتضمن مناسبتي عيد المرأة ونوروز. إذ قامت اللجنة التحضيرية حينئذ بشراء لباس للفرق المشاركة في يو المرأة وعيد نوروز على حد سواء، فشاركت هذه الفرق بعرض لوحات الرقص الشعبي لعدة فرق؛ أبرزها الفرقة الكردية والتركمانية والشركسية والعربية، فضلاً عن مشاركة فنانين غنائيين شعبيين، إضافة إلى لوحة قصيرة من المسرح الفني. وكم هي اللحظات الجميلة المليئة بالتعايش والسلام بين مختلف أبناء مدينة منبج، حين يجمعهم مكان واحد في احتفالات أعياد نوروز بمختلف شرائحهم، ويعبرون عن تمسكهم بالمشروع الديمقراطي وبالصورة النموذجية لتلك اللحظة التاريخية. وقدمت الجمعية الشركسية وقتها عرضاً للرقص الشركسي، وكذلك الحال لباقي العروض المتنوعة من الرقص والغناء والعروض المسرحية. أما الحدث الأبرز من كونه يعد قفزة على صعيد الاستراتيجية الفنية وخطوة منافسة لباقي المراكز في مناطق شمال وشرق سوريا، الفلم السينمائي الذي حمل عنوان” يتيم ولكن”، والذي عرض في صالة مركز الثقافة والفن وتحت إشرافه ورعايته أيضاً، مما يعد حدثاً كبيراً على مستوى الخارطة الثقافية وانتقالها من ثقافة الممكن إلى ثقافة اللا ممكن ومن غمرات البدايات إلى يقين الغايات. إن البصمة الحقيقية التي ترجمها مركز الثقافة والفن إلى واقع من خلال حذوه إلى تبني العديد من المواهب بغية بنيان قواعد وأسس المركز وانتشالهم من غياهب المجهول إلى تعريفهم بثقافاتهم وهويتهم المفقودة. لقد تمكن مركز الثقافة والفن من افتتاح دورات لتعليم الخط والرسم، بل وتخريج عدد من المتدربين الذين تلقوا عدة دروس مكثفة على أيدي مختصين في مجال الرسم والخط، وذلك لتحسين أسلوبهم الكتابي والرسم على مدار ثلاثة أشهر متواصلة، وبلغ عدد الطلاب الذين شاركوا بالدورة ٤٤ متدرب ومتدربة، كما قام المركز بفتح دورات الصولفيج للغناء والخط والرسم بشكل مستمر على مدار العام، ولذات الغرض.
الخائفون من التغيير، والخائفون على التغيير:
تُمثّل الثقافة والفنون الوجه الحضاري، لأي بلد لمّا لها من انعكاس لتنوع الثقافات والأصالة، وبما تزخر به من موروث شعبي وعادات وتقاليد وأدب وفنون. وقد أفلت واندثرت شعوباً كثيرة على مر التاريخ دون أن يكون لها من إرث أو حضارة، بينما بقيت ذاتها للشعوب التي تحتفظ بموروث عريق من ذكر وخلود كبيرين، ولاسيما تلك الحضارات التي شُيدت في مناطق عديدة من سورية، ومنها مدينة منبج. وقلّما تجد من الأهالي لا يتغنى بموروث المدينة وغناها التاريخي والأدبي، تلك المدينة التي شكلت على مر الأزمان لوحة من الفسيفساء والموزاييك من المعابد التاريخية والقصور والقلاع الأثرية. كما يحتفي أهلها بالشعر الذي يعد عندهم غاية المقصد ومنتهى الرجاء، إذ تجمّع بعد تحرير مدينة منبج وريفها من رجس الإرهاب داعش، العديد من النخب الشابة ممّن نهضوا بالثقافة والفن بعد سنين من الانعدام والتوقف وحملوا على عاتقهم البوح بهموم المثقفين والمواطنين عموماً. فدأبوا على اجتماعاتهم الدورية حتى تم التوافق على نشأة اتحاد المثقفين الذين يرون فيه صورة مثلى عن واقع الثقافة والمثقفين ورغبتهم في التغيير من جهة وفي المقابل ذلك، فقد تخلى البعض من ذوي قامات الثقافة القدامى عن أداء رغبتهم بالتغيير ولعب دورهم الإنساني بإعادة صوغ المجتمع إلى المكان الرفيع بشكل خافت من جهة أخرى.
خطران يتهددان الحراك الثقافي في منبج:
قاد اتحاد المثقفين في مدينة منبج وريفها الحراك الثقافي؛ باعتباره جزء لا يتجزأ من عملية تقدم المجتمعات وتطورها، وتعد المعبّر الأول عن حالة المجتمع وهي وسيلة للرقيّ وتنمية وازدهار المجتمع. لقد جهد الاتحاد خلال هذا العام على بلورة حضوره الدائم على الخارطة الثقافية بشكل متواصل من أجل شحذ الهمم وحشد النخب واستقطاب الكتّاب والشعراء والمفكرين، كونهم المنابر الحرة المتحركة، فأقام الاتحاد سلسلة طويلة من الأمسيات المتنوعة، وقد حملت مضامين مختلفة، كان أبرزها؛ أمسيات شعرية بتاريخ 25/8/2019على مدار ثلاثة أيام، بعنوان” منبج أنيسة الشعر والطرب”، وبمشاركة واسعة من المرأة المثقفة، وذلك في حديقة مركز الثقافة والفن، شارك بها كل من الشعراء الشباب؛ وبمشاركة الشاعرتين؛ نجوى خلف، وماجدة داري التي حلت ضيفة على هذه الأمسية.
ومما لا شك فيه لا يختلف الحال في المحاضرات والندوات الثقافية أيضاً عن حال الأمسيات الشعرية، فقد حظيت هي الأخرى بالاهتمام الملحوظ من قبل اتحاد المثقفين، إذ تقام كل يوم أربعاء من كل أسبوع محاضرة أو ندوة خاصة ذات مضمون معين، فتحمل موضوعاً ثقافياً شيقاً يشغل جانباً من جوانب القضايا العامة في المدينة في ظل الظروف الراهنة، ومراعاة لتنوع ثقافات الشعوب.
في خضم هذه الندوات العريضة التي تتنوع بحسب معطيات الظروف، يبقى التساؤل ما سر غياب التفكير الناقد عن الساحة الثقافية والنقدية عن المحفل الثقافي والحراك المتواصل؟. فهو خطر محدق لا يمكن تجاهله لما لهذا النقد من خلق تفاعل بين الإنسان مع البيئة الحيطة به، وتعامله بشكل متواصل مع المشكلات التي تواجهه، بحيث يعتمد على المقدرة العقلية العامة لديه، وبالتالي القدرة على ممارسة الإنسان له في المواقف المجهولة التي تحتاج إلى تفسير وفهم.
أما الخطر الآخر، فيتمثل بعدم قدرة الحراك الثقافي على الانخراط أكثر مع شرائح المجتمع كافة، نظراً لأن المشروع الديمقراطي في بداياته ويحتاج إلى تضافر جهود النخب بدون استثناء، فما يمنحه هذا العصر من تطور معرفي قادر على تخطي حدود ثقافتها الأصلية لتشاركها مع الشعوب الأُخرى، فتؤثر وتتأثر. هذان الخطران يجب النظر إليهما عن كثب، فمن خلال الحراك الثقافي استطاعت الشعوب أن ترى نفسها في عيون الشعوب الأُخرى، مما يساعدها على تحفيز ومراجعة الموروث الثقافي بشكل مناسب، والمحافظة على أهم المظاهر الثقافية الإيجابية لديها، والتخلص من المظاهر التي تشكل عائقاً أمام نمو حضارتها الإنسانية وتقدمها الإنساني الحضاري.
المرأة شريك أساسي في بناء الحضارة والثقافة:
تتميز المرأة المنبجية المثقفة بأنها على علم وتواصل ومعرفة بما يحصل في العالم من حولها من تطورات وتغييرات مستمرة، وبأنّها تمتلك خبرات عديدة ومعلومات متنوعة في مختلف المجالات. فبإمكانها الخوض في نقاشات سياسية بقوة، كما أنّها تتميز بثقافتها التاريخية ومهاراتها الاجتماعية. وتُعدّ قارئة متميزة، ومهتمة بأنواع الفنون العديدة، ومتابعة للحدث الثقافي بالإضافة إلى حرصها الدائم على تطوير ثقافتها ومشاركتها مع الآخرين. فلم يقتصر الحراك الثقافي حكراً على الرجل وحده، وإنما نشأت نخبة من المثقفات والأديبات اللواتي حملن شعار المشاركة رغبة منهن في إصلاح المجتمع وتجفيف منابع الفساد وإزالة بؤر السوء بكل المجالات. فعقد مكتب المرأة في اتحاد المثقفين سلسلة طويلة من الندوات والمحاضرات أما برعاية المرأة المثقفة أو من خلال مشاركتهن المباشرة بهذا الجانب الثقافي والإنساني. فكانت أول ندوة بتاريخ 28/4/2019 بعنوان” التغذية الصحية السليمة بدون هرمونات، ألقاها د. عيسى حمادي، وندوة بعنوان” لمحة عن الشركس بتاريخ 19/6/2019في مكتبة محمد منلا غزيل، ألقتها الرئيسة المشتركة للجمعية الشركسية؛ هند داغستاني، وندوة حملت عنوان” المرأة والسياسة” بتاريخ 15/5/2019، ألقتها زهيدة إسحاق، وندوة بعنوان” تاريخ الشركس” 16/6/ 2019، ألقتها الرئيسة المشتركة للجمعية الشركسية؛ هند داغستاني، وندوة في خط المحترق كبير بالريف الجنوبي للمدينة، بعنوان” المرأة حقوق و واجبات”، ألقتها كفاء محمد. ومن النافل القول إن المرأة جنباً إلى جنب الرجل في كافة الميادين؛ لتؤسس لمرحلة جديدة من المساواة في دخول معترك الحراك الثقافي، وما يفرزه من نتائج إيجابية للمجتمع على كافة الأصعدة.
No Result
View All Result