روناهي/ قامشلو ـ إدانات ووقفات احتجاجية للاعتداء واستهدف النساء والمدنيين الكرد في بلدتي تل عران، وتل حاصل عقب حملة مداهمات واعتقالات، ومطالبة بضمان احترام حقوق المرأة، وحقوق الشعب الكردي، وفتح تحقيق في ملابسات ما جرى ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات.
أفادت مصادر محلية الثلاثاء 30 حزيران المنصرم، بأن قوات أمنية للحكومة السورية المؤقتة نفذت حملة مداهمات واسعة في بلدتي تل عرن وتل حاصل بريف حلب الشرقي، وهما بلدتان تقطنهما غالبية كردية، وسط انتشار عسكري كثيف وإغلاق مداخل ومخارج البلدتين.
شاركت في الحملة أكثر من 200 آلية عسكرية، بينها دراجات نارية مزودة برشاشات متوسطة، وانتشرت القوات في مواقع عدة داخل البلدتين، كان أبرزها محيط دوار الدلة في تل عرن، بالتزامن مع تنفيذ عمليات دهم للمنازل وتفتيش في عدد من الأحياء.
وذكرت المصادر، أن الحملة أسفرت عن اعتقال نحو عشرة شبان من الكرد، حيث بررت الجهات المنفذة للاعتقالات بأنها جاءت على خلفية الاشتباه بارتباطهم بما تصفه بـ”فلول النظام السابق”. في المقابل، نفى المرصد السوري لحقوق الإنسان صحة هذه الاتهامات، معتبراً أنها تُستخدم مبرراً لتنفيذ حملات استهدفت السكان الكرد في المنطقة. كما أفادت مصادر محلية تسجيل حالات اعتداء طالت عدداً من النساء أثناء عمليات المداهمة، مشيرةً إلى إصابة المواطنة الكردية “نزهة حمكي” بجروح، نُقلت على إثرها إلى مستشفى تل عرن لتلقي العلاج.
وتقع تل عران جنوب شرق مدينة حلب إلى جانب تل حاصل، التي تعد من أقدم التجمعات السكانية الكردية في المنطقة، فكان يقطنهما سكان كثر قبل اندلاع الأزمة السورية، معظمهم من الكرد. وخلال عقود حكم النظام السوري السابق، اشتكى سكان البلدتين من سياسات التهميش والإقصاء، وضعف التنمية والخدمات، فضلاً عن القيود المفروضة على الهوية والثقافة الكردية.
وقفات احتجاجية
شهدت عامودا وقامشلو والحسكة، وقفات احتجاجية تضامناً مع أهالي بلدتي تل عران وتل حاصل في ريف حلب، على خلفية الأحداث التي شهدتها المنطقتان، والتي قال المشاركون إنها استهدفت مدنيين وأثارت حالة من الغضب والاستنكار.
في مدينة عامودا، رفع المشاركون لافتات حملت عبارات منها: “من مدينة عامودا إلى تل عران وتل حاصل… القلب ينبض بالروح الكردية”، و”من أنجبت مقاتلات كرديات لن تكسرها أيادي الإرهاب”، و”المرأة الكردية رمز النضال”، مؤكدين تضامنهم مع الأهالي ورفضهم لما وصفوه بالاعتداءات التي طالت المدنيين.
وأكد المشاركون أن الوقفة جاءت للتعبير عن رفض أشكال العنف والانتهاكات، داعين إلى حماية المدنيين وتعزيز الأمن والاستقرار، وفتح تحقيق في ملابسات ما جرى، ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، بما يسهم في صون السلم الأهلي ومنع تكرار مثل هذه الحوادث.
وفي مدينة قامشلو، نُظمت وقفة احتجاجية في مركز محمد شيخو للثقافة والفن؛ شارك فيها عدد من الأهالي والنشطاء، للتعبير عن التضامن مع أهالي تل عران وتل حاصل، والتأكيد على دعمهم للنساء والأسر المتضررة.
وتداول عدد من النشطاء والإعلاميين الكرد عبر منصات التواصل الافتراضي بيانات وتعليقات دعوا فيها إلى محاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، مؤكدين أن حماية المدنيين، ولا سيما النساء، تمثل مسؤولية قانونية وأخلاقية تقع على عاتق الجهات المعنية.
وركزت بعض الآراء المتداولة على ضرورة إجراء تحقيقات شفافة ومحاسبة كل من يثبت تورطه في أي تجاوزات، معتبرة أن تحقيق العدالة وحماية حقوق المدنيين في سوريا يشكلان أساساً للحفاظ على الاستقرار والسلم الأهلي. كما عبّر آخرون عن رفضهم لما وصفوه بالإساءة إلى النساء الكرديات، مطالبين القوى السياسية والجهات المعنية باتخاذ مواقف واضحة إزاء ما جرى، والعمل على ضمان عدم تكرار مثل هذه الانتهاكات.
وقال عضو هيئة الرئاسة المشتركة لحزب الاتحاد الديمقراطي “آلدار خليل” إن ما يجري في تل عران وتل حاصل يمثل اعتداء ًخطيراً على المدنيين وانتهاكاً لحقوقهم من خلال الاعتقالات والانتهاكات، وهو ما يهدد السلم الأهلي ويقوض الاستقرار ويعمّق الانقسامات. كما أكد ضرورة وقف الانتهاكات فوراً، والإفراج عن المعتقلين، وفتح تحقيق مستقل ومحاسبة المسؤولين، مع رفض أي ممارسات تستهدف المدنيين الكرد أو تهدف إلى التهجير القسري أو تغيير ديموغرافي.
بيانات إدانة
وفي هذا السياق أدانت منظمة سارا لمناهضة العنف ضد المرأة، حادثة الاعتداء على امرأة في ريف حلب من عناصر من الأمن العام للحكومة السورية المؤقتة، معتبرة ذلك انتهاكاً خطيراً لحقوق الإنسان وكرامة النساء. وأكدت أن أي استخدام للعنف خارج إطار القانون مرفوض تماماً ويشكّل انتهاكاً واضحاً لمبادئ حقوق الإنسان. وطالبت بفتح تحقيق عاجل وشفاف ومستقل لكشف ملابسات الحادثة ومحاسبة المتورطين وفق القانون. وشددت على أن حماية النساء وصون كرامتهن وضمان سيادة القانون مسؤولية أساسية، وأن محاسبة المعتدين ضرورية لمنع تكرار مثل هذه الانتهاكات.
حقوق المرأة السورية
كما أصدر مجلس المرأة في حزب الاتحاد الديمقراطي (PYD) بياناً؛ جاء فيه: “في الوقت الذي كان يُفترض أن تشهد فيه سوريا خطوات جادة نحو ترسيخ مبادئ العدالة والمساواة، وفي مقدمتها تثبيت حقوق المرأة وضمانها دستورياً، لا تزال الحكومة السورية تنتهج سياسات لا تنسجم مع مبادئ التعددية والاعتراف بحقوق الشعوب السورية، الأمر الذي يثير قلقاً بالغاً إزاء مستقبل الحقوق والحريات في البلاد”.
وأدان بشدة الممارسات والانتهاكات التي تستهدف المدنيين الكرد، بما في ذلك الاعتداءات التي تطال النساء وكبار السن، وعمليات اعتقال الشباب الكرد في مدينتي تل حاصل وتل عران، رغم الاتفاق المبرم بشأن إعادة المهجرين إلى مناطقهم الأصلية “نرى أن هذه السياسات تعكس نهجاً يقوّض فرص بناء الثقة بين السوريين، ويعمّق الانقسام، ويتناقض مع أي مسار جاد يهدف إلى بناء دولة ديمقراطية تقوم على سيادة القانون واحترام حقوق الإنسان”.
وأكد: “بناء سوريا مستقرة وآمنة لا يمكن أن يتحقق إلا من خلال الاعتراف الكامل بحقوق المرأة وضمان مشاركتها الفاعلة في مختلف مؤسسات الدولة ومراكز صنع القرار، إلى جانب الاعتراف بالحقوق المشروعة للشعب الكردي، وصون حقوق الشعوب السورية، وترسيخ مبدأ الشراكة الوطنية الحقيقية والمواطنة المتساوية، بعيداً عن أشكال التمييز والإقصاء”.
ودعا البيان المنظمات الدولية والإنسانية، ومنظمات حقوق المرأة، إلى تحمّل مسؤولياتها القانونية والأخلاقية، واتخاذ موقف واضح وحازم إزاء هذه الانتهاكات، والعمل على حماية المدنيين، وممارسة الضغوط اللازمة لوقف الممارسات التي تمس كرامة الإنسان، وضمان احترام حقوق المرأة، وحقوق الشعب الكردي، وحقوق الشعوب في سوريا، بما ينسجم مع المواثيق الدولية والمعايير المعتمدة في مجال حقوق الإنسان.
انتهاك حقوق الإنسان وتهديد السلم الأهلي
كما أدلى مؤتمر ستار الأربعاء المصادف الأول من تموز في مجلس مدينة الحسكة بياناً استنكر فيه ما وصفه بالانتهاكات والعنف الممنهج الذي تعرضت له النساء والمدنيون في بلدتي تل عران وتل حاصل بريف حلب الشرقي، مطالباً بفتح تحقيق مستقل ومحاسبة المتورطين وضمان حماية المدنيين.
وألقت عضوة منسقية مؤتمر ستار في الحسكة أماني الغربي البيان: “ما شهدته تل عران وتل حاصل من عمليات مداهمة واعتقالات وما رافقها من اعتداءات على المدنيين، ولا سيما النساء وكبار السن يعيد إلى الأذهان سنوات طويلة من الألم والانتهاكات التي عاشها السوريون خلال سنوات الحرب”.
المرأة شريكة في بناء المجتمع
وأشار البيان إلى أن “ممارسة العنف بحق النساء تحت أي مبرر يعد انتهاكاً صارخاً لحقوق الإنسان وخرقاً للقوانين والقيم التي تكفل حماية المدنيين”، مؤكداً أن المرأة ليست هدفاً في النزاعات بل شريكة أساسية في بناء المجتمع وصون السلم الأهلي، وأن أي انتهاك بحقها ينعكس سلباً على مستقبل سوريا وعلى فرص العيش المشترك بين شعوبها.
وأوضح: “إن ما جرى في تل عران وتل حاصل لا يمكن فصله عن تاريخ طويل من المعاناة والانتهاكات التي شهدتها المنطقتان واللتان دفعتا أثماناً باهظة من التهجير وفقدان الأمن والاستقرار” محذراً من أن تكرار مشاهد العنف بحق السكان، وخاصة النساء، من شأنه تعميق الجراح المجتمعية وزعزعة الثقة وتهديد فرص الاستقرار.
وأكد البيان أن السوريين يتطلعون إلى إنهاء آثار الحرب وترسيخ الأمن والاستقرار، مشدداً على أن الأمن الحقيقي لا يتحقق بالقوة والعنف وإنما من خلال احترام القانون وصون الحريات وحماية المدنيين دون تمييز.
كما أعربت التنظيمات النسائية عن قلقها من استمرار الانتهاكات، التي تستهدف المدنيين في عدد من المناطق السورية، سواء في الساحل أو الجنوب أو شمال البلاد، معتبرة أن استمرار العنف ضد المدنيين يشكل خطراً حقيقياً على مستقبل سوريا ويقوض أي جهود تهدف إلى بناء سوريا ديمقراطية قائمة على العدالة وسيادة القانون واحترام حقوق الإنسان.
محاسبة المتورطين
وطالب البيان بفتح تحقيق مستقل وشفاف في الانتهاكات التي رافقت العمليات الأمنية في تل عران وتل حاصل، وكشف نتائج التحقيق للرأي العام، إضافة إلى محاسبة المتورطين في الاعتداء على المدنيين وخاصة النساء وكبار السن.
كما دعا البيان إلى الإفراج عن المحتجزين الذين لم تثبت بحقهم أي تهم قانونية وضمان احترام حقوق المحتجزين والأصول القانونية، إلى جانب حماية المدنيين وصون حرمة المنازل ومنع تكرار أي ممارسات قد تؤدي إلى تأجيج التوترات والانقسامات المجتمعية.
وشدد البيان على ضرورة التزام الأطراف بمبادئ القانون الدولي لحقوق الإنسان وتعزيز السلم الأهلي والحوار، باعتبارهما السبيل الوحيد لبناء سوريا ديمقراطية تعددية تقوم على المساواة واحترام التنوع.
اعتداء على المرأة اعتداء على الحرية والعدالة
وأكد أن “كرامة المرأة ليست قضية تخص النساء فقط بل تمثل معياراً لكرامة المجتمع بأكمله، وأن أي اعتداء على المرأة بسوريا، بغض النظر عن انتمائها القومي أو الديني أو السياسي يعد اعتداءً على قيم الحرية والعدالة”.
وفي ختام البيان جددت المشاركات تضامنهن مع النساء اللواتي تعرضن للأذى ومع المدنيين الذين يعيشون تحت وطأة الخوف والعنف، داعيات القوى الوطنية والمنظمات النسائية والحقوقية والمدافعين عن حقوق الإنسان إلى توحيد الجهود لوقف الانتهاكات وترسيخ ثقافة العدالة والمساءلة، واختتمت الفعالية بترديد الشعارات التي تحيي مقاومة المرأة وتطالب بمحاسبة المسؤولين عن هذه الانتهاكات.
تعيد الأحداث الأخيرة في تل عران، وما رافقها من مداهمات واعتقالات واعتداءات على نساء كرديات، إلى ذاكرة الكرد فصولاً من الانتهاكات التي تعرضوا لها في عهد النظام السوري السابق.