بدرخان نوري
تترقبُ الأوساط السياسيّة في الشرق الأوسط التداعياتِ العاصفةَ لتوقيع “الاتفاق الإطاريّ” بين لبنان وإسرائيل الذي وقع الجمعة ٢٦ حزيران ٢٠٢٦ برعايةٍ أمريكيّة، والذي يمثّل تحوّلاً جوهريّاً يتجاوز إدارة النزاع الميدانيّ نحو هندسة مسار سياسيّ وأمنيّ بعيد المدى، يربط الانسحاب الإسرائيليّ بنزع سلاح حزب الله. ويتزامن هذا المنعطف الدبلوماسيّ الحاد مع انقسام لبنانيّ داخليّ عميق، وتحركات ميدانيّة سوريّة استباقيّة لضبط الحدود، وسط مساعي دوليّة مكثفة بقيادة أوروبيّة لإنشاء مظلة أمنيّة بديلة لقوات “اليونيفيل”، ما يضع سيادة لبنان وتوازنات المنطقة برمتها أمام اختبار تاريخيّ غير مسبوق ومفتوح على احتمالاتٍ مختلفة.
مخاض عسير وسيادة معلّقة
لم يكنِ الوصولُ إلى توقيعِ الوثيقة الإطاريّة في العاصمة الأمريكيّة حدثاً عابراً، بل جاء نتاج مفاوضاتٍ شاقةٍ ومباشرة استمرت أربعة أيام وامتدت ليومٍ إضافيّ بطلبٍ أمريكيّ مكثف لإنقاذها من الفشل بعد جولة خامسة ماراثونيّة شهدت خلافات حادة استمرت لأكثر من إحدى عشرة ساعة قبل الإعلان الرسميّ يوم الجمعة.
يعكس هذا الاتفاق، الذي وقّعته السفيرة اللبنانيّة ندى حمادة والسفير الإسرائيليّ يخيل ليتر بحضور وزير الخارجية الأمريكيّ ماركو روبيو، انتقالاً علنيّاً من منطق إدارة الاشتباك إلى محاولة فرض واقع جيوسياسيّ جديد، لكن التباين الجذريّ في تفسير نصوصه يفخخ المسار بأكمله؛ فبينما تسوقه بيروت كآليّة قانونيّة لإنهاء الاحتلال وبسط سلطة الدولة وفق القرارات الدوليّة، ووصفه الرئيس اللبنانيّ جوزيف عون الاتفاق بأنّه “أول الطريق لاستعادة السيادة وتثمير تضحيات اللبنانيين”. تصرُّ تل أبيب على أنّه صكٌّ أمنيّ لإنهاء نفوذ حزب الله وتقويض الذراع الإيرانيّة داخل لبنان، وقال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أنه “إنجاز كبير لإسرائيل”، مؤكداً استمرار بقاء القوات الإسرائيلية في الحزام الأمني إلى حين نزع سلاح “حزب الله”.
وتبرز معضلة “السيادة المعلقة” بشكلٍ صارخٍ في بند “إعادة الانتشار التدريجيّ” للقوات الإسرائيليّة ضمن مناطق تجريبيّة، حيث يفتقر الاتفاق إلى جدولٍ زمنيّ ملزم، ويمنح الاحتلال هامشاً فضفاضاً لربط انسحابه بتقييمه الخاص لمستوى نزع سلاح المقاومة وتفكيك بنيتها التحتية العسكريّة، بل إنّ رئيس الوزراء الإسرائيليّ بنيامين نتنياهو رسّخ هذا الموقف بإعلانه أنّ جيشه سيحتفظ بحريّةِ العمل العسكريّ داخل الأراضي اللبنانيّة لإحباط أيّ تهديد مستقبليّ.
يتجاوز نصُّ الاتفاق حدود وقف إطلاق النار التقليديّ ليتحدث للمرة الأولى عن اعترافٍ متبادلٍ بحقّ كلّ دولةٍ في العيش بأمنٍ وسلامٍ، وإنهاء حالة النزاع بصورةٍ نهائيّة، والبدء بمسار يقود لاتفاق سلام شامل، مع إنشاء مجموعات عمل ولجان مشتركة، وتشكيل مجموعة تنسيق عسكريّة ثلاثيّة تضم لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة للإشراف على الترتيبات الأمنيّة وحصر السلاح بيد الجيش اللبنانيّ، مع ربط المساعدات الدوليّة والماليّة للبنان بمراحل تنفيذ هذه الشروط الصارمة، ما يضع الدولة اللبنانيّة تحت مقصلة الضغط الدوليّ، خاصة مع تنفيذ الجيش الإسرائيليّ لأول ضربة بمسيرة في اليوم التالي (السبت) لموقع جنوب لبنان بحجّة تحييد “تهديد لقواته”، وهو ما يبرهن على الهشاشة الميدانيّة المطلقة لهذا الإطار التفاوضيّ الجديد.
الشرخ الأهليّ ومخاوف الفتنة
فجّر الإعلانُ عن بنود اتفاق واشنطن موجةً عارمةً من الانقسامِ السياسيّ والميدانيّ الحاد في الشارع اللبنانيّ فور صدوره، ما أعاد فرز القوى المحليّة إلى محاور متصادمة تهدد السلم الأهلي بشكل مباشر. وجاء الرد الرسميّ الفوري يوم السبت من حزب الله على لسان الأمين العام الشيخ نعيم قاسم الذي أعلن الرفض القاطع والمطلق للاتفاق، واصفاً إياه بـ “الباطل ومنعدم الوجود” وبأنه إهانة للسيادة الوطنيّة وتنازل مجاني من الحكومة اللبنانيّة يشرعن بقاء الاحتلال ويربط الانسحاب بنزع سلاح المقاومة الذي يمثل الركيزة الأساسية لمنظومة الردع اللبنانيّة.
وحذّر النائب حسن فضل الله من أنّ الحكومة غير قادرة على فرض التنفيذ بالقوة لأنّ ذلك سيدفع البلاد نحو توترات داخلية خطيرة. امتد هذا الرفض السياسيّ سريعاً إلى الأرض؛ حيث شهدت الضاحية الجنوبية لبيروت مساء الجمعة احتجاجات غاضبة لمناصري الحزب، وتخللها قطع طرق استراتيجيّة مؤدية إلى مطار رفيق الحريري الدوليّ واعتصامات أمام السراي الحكومي، ما استدعى استنفاراً عسكريّاً واسعاً للجيش اللبنانيّ لضبط الأمن ومنع الانزلاق نحو الصدام المباشر.
في المقابل، ترى القوى السياسيّة المعارضة للحزب في هذا الاتفاق فرصةً تاريخيّةً لاستعادةِ سيادة الدولة الكاملة وبسط سلطةِ الشرعيّة وحيدة على كاملِ التراب الوطنيّ وفق اتفاق الطائف وقرار مجلس الأمن الدوليّ ١٧٠١ الصادر في 2/8/2006، وهذا التباين الحاد دفع برئيس مجلس النواب نبيه بري السبت إلى إطلاق تحذير عاجل ومؤثر للبنانيين من الانجرار وراء مخططات الفتنة، مستشهداً بالقول “كن في الفتنة كابن اللبون”، في حين يخشى لبنان رسميّاً المقترحات الإسرائيليّة بانتشار الجيش في نقاط حسّاسة مثل مرتفعات علي الطاهر وقلعة الشقيف خشية تحولها إلى مدخل لصدام داخليّ مباشر، ما يكشف أن تطبيق الاتفاق يواجه جداراً داخلياً صلباً قد يفتح الباب أمام صراع أهليّ معقّد.
عقدة القصير والتحركات الجيوسياسيّة السوريّة
على المقلب الآخر من المشهد، وتحديداً في التحديثات العسكريّة المرصودة قبيل الاتفاق بيومين (الخميس)، تتحرك الخريطة الميدانيّة على الحدود السوريّة اللبنانيّة بشكل متسارع يتجاوز الترتيبات الموضعية ليصوغ معادلة تطويق أمنيّة جديدة لحزب الله من خاصرته الشرقية. وجاء دفع سلطة دمشق بتعزيزات عسكريّة ضخمة شملت وحدات من الفرقة ٧٠ وطائرات مسيّرة نحو منطقة القصير بريف حمص الغربي ليعيد إبراز هذه الجغرافيا الحيوية كعنصر حاسم في صياغة توازنات المنطقة، فالقصير التي كانت مسرحاً لمعركة كبرى عام ٢٠١٣ لتأمين عمق الحزب، مثلت البوابة البريّة الأهم لخطوط الإمداد اللوجيستي من سوريا والعراق وإيران.
تتقاطع هذه الخطوة السوريّة لاستعادة سيادة المركز والتحكم الذكي بالحدود عبر سلاح المسيّرات مع رؤية إدارة ترامب الأمريكيّة، التي تسعى بوضوح لدفع دمشق للعب دور “الضامن الحدوديّ” كبديل أمنيّ قليل الكلفة لقطع شرايين الحزب وعزله جغرافياً وتطويقه في وقت يتعرض فيه لضغوطٍ هائلةٍ في الجنوب وعجز الدولة اللبنانيّة عن ضبطِ كامل حدودها. تضع هذه المعطيات الحدودَ أمام أربعة سيناريوهات مفتوحة تتراوح بين التموضع السوريّ طويل الأمد لامتلاك أوراق تفاوضيّة كبرى، أو حدوث احتكاكات ومناوشات ميدانيّة مع شبكات التهريب والمجموعات المرتبطة بالحزب، أو التوصل إلى صفقة إقليميّة وتفاهم صامت يقضي بضبط دمشق لحدودها مقابل تخفيف الضغوط والعقوبات عنها، أو استغلال إسرائيل لهذه التحركات لتشديد شروطها الأمنيّة وتصعيد خطاب التهديد.
من جهتها، تتابع المؤسسة الأمنيّة الإسرائيليّة هذا التحرك السوريّ بحذر شديد؛ إذ ينصب قلقها على صراع الخرائط الفعليّ وتخشى معضلة الفراغ، بحيث يتحول إضعاف حزب الله إلى استعادة دمشق لنفوذها التاريخيّ الواسع في لبنان وخلق واقع استراتيجيّ جديد ومعقّد على حدودها الشماليّة، ما يثبت أنّ الجغرافيا السوريّة نجحت في فرض نفسها كرقم أساسيّ لا يمكن تجاوزه في أيّ ترتيباتٍ أمنيّةٍ قادمة بالشرق الأوسط.
الائتلاف الدوليّ ومستقبل الردع العسكريّ
بالتوازي مع هذه الصراعات السياسيّة والميدانيّة، كشفتِ التحركات الدبلوماسيّة المتزامنة الجمعة عن حراك متسارع في أروقة الأمم المتحدة تقوده فرنسا وإيطاليا، في محاولة لتدارك الفراغ الأمنيّ الوشيك مع اقتراب انتهاء ولاية قوات “اليونيفيل” بنهاية العام الجاري. تسعى المبادرة الأوروبيّة، التي صاغتها رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، لتشكيل ائتلاف دوليّ موسع يوفر مظلة أمنيّة وسياسيّة متكاملة لمرحلة ما بعد اليونيفيل تضمن تعزيز قدرات الجيش اللبنانيّ لوجستياً وعسكريّاً لتمكينه من بسط سلطته، وتحييد الجبهة الجنوبيّة لمنع استخدام الأراضي اللبنانيّة كمنصة لتصعيد إقليميّ. وتتلاقى هذه الجهود مع ثلاثةِ خياراتٍ تقنيّةٍ قدمها الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش لمجلس الأمن، تتراوح بين نشر مئات المراقبين العسكريّين غير المسلحين (بين ٢١٥ ــ ٣٥٠ مراقباً) وكتائب مشاة (تصل إلى أربع كتائب) وقوات رد سريع وضبط المنطقة الواقعة بين نهر الليطاني والخط الأزرق عبر نقاط ثابتة ودوريات ميدانيّة.
غير أنَّ نجاح هذه الصيغ الدوليّة والترتيبات العسكريّة يصطدم بحقائق الردع على الأرض وبحسابات النفوذ الإيرانيّ؛ فطهران التي ترى في بنيان حزب الله خط دفاعها الاستراتيجيّ المتقدم تواجه تزايد الضغوط عبر سيناريوهات متعددة، إما الانحناء المؤقت للعاصفة الدبلوماسيّة عبر قبول تراجعات تكتيكية في الجنوب مع تحصين النفوذ السياسيّ والبرلمانيّ للحزب داخل مؤسسات الدولة لضمان بقائه كقوةٍ وازنةٍ، أو اللجوء إلى خيار التصعيد الشامل وتحريك الجبهات المساندة عبر الفصائل الحليفة في اليمن والعراق لتأكيد ترابط الساحات وإفشال محاولات خنق الحزب، أو الاستثمار في الفراغ والشلل السياسيّ اللبنانيّ لتعطيل المسار التفاوضيّ.
هذا التعارض الجذريّ بين رغبة إسرائيل في فرض تفوق استخباري وجويّ كامل يمنع أيَّ بنية عسكريّة للحزب، وتمسك حزب الله بترسانته الصاروخية البعيدة وشبكة أنفاقه كأدوات ردع متبادل، يحول الاتفاق الإطاريّ والترتيبات الدوليّة المقترحة إلى مجرد هدنة مؤقتة ملغومة بالخروقات، وستظل التوازنات العسكريّة والسياسيّة معلقة فوق صفيح ساخن ينتظر لحظة الانفجار القادمة في حال عجزت الأطراف عن فرض واقع مستدام، والأيام القادمة كفيلة ببيان ما إذا كان اتفاق واشنطن بوابة للاستقرار أم فتيل حربٍ إقليميّة وأهليّة أوسع نطاقاً.
فرص اشتعال الجبهة الهشّة
تتراوح خيارات إيران الاستراتيجية للتعامل مع واقع ما بعد الاتفاق بين مناورات دبلوماسية واحتكاكات ميدانيّة عاصفة؛ ويبرز أولاً سيناريو الاحتواء الدبلوماسيّ والانحناء المؤقت للعاصفة عبر قبول تراجعات تكتيكيّة عسكريّة جنوب الليطاني مع تحصين النفوذ السياسيّ والبرلمانيّ لحزب الله داخل مؤسسات الدولة اللبنانيّة وحماية خطوط الإمداد الخلفيّة في سوريا والعراق. وفي المقابل، يلوح سيناريو التجييش الإقليميّ وتفعيل “وحدة الساحات” بأسلوب هجوميّ عبر دفع الفصائل الحليفة في اليمن والعراق لشن ضربات منسقة ضد المصالح الأمريكيّة والإسرائيليّة إذا شعرت طهران بخطر اجتثاث الحزب، بينما يرتكز السيناريو الثالث على الاستثمار في الفراغ السياسيّ اللبنانيّ والشلل الدستوريّ والضغط الاقتصادي لرهن انتخاب رئيس الجمهورية وإعادة الإعمار بمدى التنازلات الأمنيّة المطلوبة ومراعاة مصالحها.
تتشابك هذه السيناريوهات مع صياغة توازنٍ عسكريّ جديد ومفهوم متطور للردع المتبادل، فرغم سعي إسرائيل لإنهاء البنية الهجوميّة للحزب قرب الحدود معتمدةً على تفوقها الجويّ، يستند ردع الحزب على شبكة أنفاقه العميقة وترسانته الصاروخية بعيدة المدى والمسيّرات الانقضاضيّة المتموضعة في عُمق البقاع وشمال الليطاني، ما يعني أنّ إبعاد المقاتلين لا يلغي القدرة على تبادل الضربات التدميريّة.
الاتفاق وقعته الحكومة اللبنانيّة وإسرائيل، وحزب الله المعني بالدرجة الاولى بالاتفاقِ، هو خارج إطار بروتوكول التوقيع، ولكنه في صلب مضمونه، ومع رفض الحزب للاتفاق وإصرار تل أبيب على البقاء، يراوح الاتفاق في مكانه.
هذا التعارض البنيويّ يجعل الاتفاق الإطاريّ هشاً ومحفوفاً بالمخاطر لغياب الثقة التاريخيّة، وستظل احتمالاتُ الخرقِ العسكريّ الميدانيّ قائمةً بقوة نظراً لتمسكِ إسرائيل بحقِّ التدخل المباشر لإحباط ما تراه “تهديداً وشيكاً”، كما حدث في خرق السبت، بقصف طائرة مسيّرة موقعاً جنوب لبنان، بعد أقل من يوم على توقيع الاتفاق. وهذا أمرٌ يرفضه لبنان رسميّاً ويعتبره خرقاً للسيادة، لتصبح الترتيباتُ الأمنيّة بأكملها أشبه بهدنة مؤقتة فوق أرضية ملغومة، يمكن لأي سوء تقدير ميدانيّ أو غارة وقائية أن يفجر الصراع الإقليميّ الشامل ويعيد إشعال الجبهة بشكل أعنف مما كانت عليه، لتجيب الأيام القادمة من عام 2026 عن الأسئلة المعلقة حول مصير الاستقرار في الشرق الأوسط.