سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011
Banner Before Header

حوارٌ مع وقف التنفيذ

رامان آزاد –
مؤخراً تمَّ تداولُ أخبارٍ عن مفاوضات بين الإدارة الذاتيّة والنظام بالتوازي مع حديثٍ عن لقاءاتٍ أخرى تقنيّة بين الطرفين حول مسائل من قبيل الإدارة المشتركة للسدود على الفرات وتسليم حقول البترول ومناطق في الرقة للنظام، ويمكنُ القطع أنّ هذه الأخبار أقربُ للغط والبلبلة منها إلى المعلومات، وبأخذ التوقيت والنتائج التي يمكن أن تُفضي إليها هذه الأخبار الملفقة والجهة المستهدفة لا يمكن أن نحملها على حُسن النية.
تأتي هذه الأخبار في إطار متدرّج يتناسب مع معطيات الميدان لخلق بيئة لمتغيّر ميدانيّ آخر، ومن حيث المبدأ فإنّ الحوار هو آخر ما يمكن اللجوء إليه إذا لم تتوافر شروط الحسم العسكريّ، وما حدث فعليّاً أنّ المناطق التي استعادت قوات النظام السيطرة عليها جاءت بدعم حلفائه وفق ترتيب أولوياته الميدانيّة، فكانت حلب محطة مهمة ومن ثم حمص واسطة العقد السوريّ. واليوم رُفع العلم بمدينة درعا مهد «الثورة» بعدما تقدّمت إليها قوات النظام منتشية بالتقدّم بالغوطة الشرقيّة وترحيل مسلّحيها، وهي عوامل تجعله يرفع سقف الحوار وفرض الشروط.
الواقع أنّ الدعوة للحوار لم تتجاوز الشعار وجاءت مقرونة بالتهديدِ باستخدام القوة، وهنا لا بد من قراءة نصِّ الدعوة، ولماذا الحوار مع قوات سورية الديمقراطيّة وليس مع مجلسها؟ والمسألة ببساطة أنّه يُنظر إلى شمال سورية ضمن إطار التوصيف العسكريّ، ويُتجاهل عن عمدٍ المشروع الديمقراطيّ كحلٍّ شاملٍ للأزمة السوريّة، وكأنّ القضية في شمال سورية محصورة بقوات تسيطر على الجغرافيا لا بكونه برنامجَ حلٍّ سياسيّ. وبذلك يتمّ تأكيدُ المعطى الميدانيّ واستخدام السلاح، وحصر البرنامج السياسيّ بالنظام وحده، وكأنّ المطلوب تصفية كلّ أشكال الرؤى السياسيّة حتى لا تبقى إلا صورة واحدة، وكانت سوتشي محطة مهمة على هذا الطريق. ومنذ بداية الأزمة السوريّة كان بالوسع إجراءُ إصلاحاتٍ جوهريّة بمفاصل الدولة وإجراء حوارات وطنيّة شفافة وقطع الطريق على عسكرة الحراك الشعبيّ، ولكنه تمّ التذرُّع بالثوابت الوطنيّة!! والصحيحُ الرهانُ على الزمن، وتلك سياسة قديمة جديدة، وبالتالي كان التعويل على الحلفاء ووقوفهم إلى جانب النظام واعتمادُ الميدان سبيلاً أوحدَ لإنهاء الأزمة، وبالتالي فإنّ أيّ تصوّر حالي لمفاوضاتٍ قائمة بأمل التوصّل لحلّ الأزمة مجانبٌ للحقيقة تماماً، فالنظام لم يغادر مواقعه السابقة أبداً. ففي سورية تتمّ مراكمة الملفات واتباع التقنين الإعلاميّ بالبيانات وتصريحات المسؤولين، وإعطاء الصلاحيّات للمؤسسات الأمنيّة، ولم يُنظر يوماً للقضية الكرديّة إلّا من زاوية أمنيّة وتبنّي البعد القومويّ العروبيّ وتُراعى فيها سياسة تركيا وإيران المتبعة مع الكرد.
ومن المهم الإشارة إلى أنّ المشروعَ السياسيّ المطروح شمال سورية والمتمثل بالإدارة الذاتيّة يضع مصلحة المواطنين أولوية له، وقد بُذل الدم لتحريرهم، وهناك استعدادٌ على الدوام للتعاون بكلّ المسائل التقنيّة الخدميّة ومنها إدارة الطاقة ووصول الكهرباء إلى المواطن بصرف النظر عن أيّ اعتبار آخر وفق رؤية وطنيّة، ولهذا فالعاملون في السدود هم أنفسهم السابقون، وأما ربط هذا الشكل من المرونة بالتعاطي مع قضايا الوطن والتلاعب عليها والمبالغة بإعطائها بعداً سياسيّاً فهو من قبيل الصيد بالماء العكر، ولطالما تمّ التأكيد على تشاركيّة الثروات الوطنيّة والتوزيع العادل لها. وهذا موقفٌ طبيعيٌّ ينسجم مع منطلقات العقد الاجتماعيّ لفيدرالية شمال سورية، وليس موقفاً طارئاً أو مستجداً، إذ لا يُقبل أبداً أن تكون المسائل الخدميّة محلَّ التجاذب السياسيّ والشروط.
ما يحدث منذ بداية الأزمة في الحملة الإعلاميّة علينا هي الحرب تماماً، والتي تنشط قبيل أيّ استحقاق أو الولوج إلى مرحلة جديدة، حدث ذلك خلال مقاومة كوباني وعفرين وحملة غضب الفرات وعاصفة الجزيرة وحول منبج وتحرير الرقة، وبالتالي فلا جديدَ من حيث المبدأ، وبهذه المرحلة نجد أيضاً أعمال القصف الإعلاميّ قد بدأت، لاستهداف مناعة المواطن وقناعته، وإيهامه أنّ ثمّة مفاوضات وحوارات تجري وفق آليةٍ معيّنةٍ ويتمّ التكتمُ عليها وتروّج لشكلٍ ما للحياة شمال سورية، لتتوقفَ بذلك الفعّاليات التي لا تتوافق مع هذا التصوّر الذي رُوّج له بداعي أن لا طائل من استمرارها مادامت ستتوقف يوماً، وتوقّفها يعني تحوّل المواطن من حيث لا يدري للعمل لصالح فكرة أو دعاية لم يُتثبت من صحتها، وأما من رتّب الفكرة وبثَّ الدعاية فيقعد متفرجاً على نتائج وصفته السحريّة حيث تتحقق أهدافه من غير جهد يبذله أو عناء يتحمله. وكأنّ المطلوب استهداف مفردات المشروع الديمقراطيّ الفيدراليّ حتى لا يبقى منه شيء يُطرح على طاولة الحوار فيما لو حدث وليتمَّ كسبُ نقاطٍ مجانية.
تلك هي الخطة الروسيّة التي تمّ التوافق عليها إقليميّاً، لتعيدَ للذاكرة شخصيّة القيصر إيفان الرابع المعروف بإيفان الرهيب الذي قضى على كلِّ مناوئيه وخصومه بما فيهم زوجاته وابنه، وتلك هي المدرسة الروسيّة التي تعتمد سياسة البتر.
التموضعُ السياسيّ مهم جداً بهذا التوقيت بالنسبة لمفردات المشروع الديمقراطيّ، ومن المهم معرفة طريقة التعريف بهذا التموضع باعتباره جسر العبور إلى المستقبل وتوسيع حاضنته الشعبيّة باعتباره نموذج حلٍّ وطنيّ عبّر عن إرادة شعوبنا ولم يأتِ عبر الإملاء والشروط وقد حاز شرعيّته من خلال التفاف الجماهير حوله. وفي هذه المرحلة يجب أن يتحوّل موضوع الدستور إلى قضية وطنيّة بالمعنى الكامل للكلمة ويلغي الوصاية على البلد وإلا سنكون أمام حالة تدوير لأسباب الأزمة والعودة إلى المربع الأول وهو ما يتمّ السعي حثيثاً إليه عبر اعتماد الحلّ العسكريّ.

التعليقات مغلقة.