محمد داوود داوود –
الأمير بدرخان البوتاني الإزيدي (1802-1868) مؤسس العائلة البدرخانية الوطنية، ولد عام 1802م في مدينة (جزيرة بوتان)، تقلد مقاليد الحكومة وهو في شبابه المبكر عام 1821م وراثة عن عائلته الراقية في الحسب والنسب، ويعد آخر أمراء بوتان على تراب كردستان.
أجرى تغييرات كثيرة في إمارته أثناء توليه سدة الحكم في بوتان، ومن ثم تزعم حركة المقاومة ضد السلطة العثمانيّة، وعمل خلال توليه الحكم على توحيد الزعماء والأغوات والبكوات الكرد في حلف أسماه «الحلف المقدّس»، ليستأصل جذور الفتن الطائفيّة والمذهبيّة بين المسلمين والنصارى واليهود والإيزيديين، كما شجّع الحركة العمرانيّة وشَرَع في بناء معامل السلاح والذخيرة واهتم بالعلم وأوفد الطلبة إلى الخارج للدراسة، بلغت عدالته درجة عالية من الرقي وأثناء خطب الجمعة علا اسمه فوق المنابر وفي عهده سادت العدالة أرجاء إمارته الكرديّة حتى قيل في وصفه: (العدالة هي بدرخان ، بدرخان هو العدالة).
حول شخصيته الكاريزميّة يقول البروفسور الألمانيّ زوس هايم 1922م: «عندما تطالع أي كتاب يبحث عن كردستان، وتكلم أيّ شخص شيئاً عن الكرد يحدّثك حالاً عن الأمير بدرخان» كما أنَّ «كارل ماي» الذي لم يعرف شيئاً عن الكورد سوى في الصور والكتب، لم يمسك يراعه عن كتابة سيرة الأمير بدرخان في كتابه: «سياحة في كردستان» وقال: « سلك هذا الأمير النبيل درب الثورة الفرنسيّة 1789م وذلك بفصل الدين عن الدولة عبر شعاره المشهور: «الدين لله وكلنا إخوة» كان هذا الشعار كفيلاً بتوحد الأمة الكرديّة والارتقاء بها بإيمان وثقة كاملين نحو إنشاء إمارته، والوقوف بحزم وثبات أمام تحديات الباب العالي، وعرف عنه حبة وتأثره بشعر «أحمدي خاني» وكان يعمل على تطبيق أفكاره النيرة ويترجمها واقعاً.
عام 1830م تمكن من بدرخان من إنشاء وحدة إقليميّة كرديّة شبه مستقلة عن سلطة الباب العالي، وفي العام 1843م سكَّ النقود باسمه، وأعلن عن استقلال إمارته في عام1847م. وأجرى التغييرات والإصلاحات التي دفعت بسلطة الباب العالي إلى مراقبته بحذر شديد، ومن جهة ثانية طلبت كل من بريطانيا وفرنسا حكومة الباب العالي الحد من نفوذ الأمير الكرديّ ومعاقبته، وذلك خوفاً على مصالحهما في منطقة الشرق وفي صيف 1827م. وبعد ثمانية أشهر من المعارك بين القوات الكرديّة والجيش العثمانيّ المدعوم بالمدفعية الإنكليزيّة والضباط الألمان استسلم الأمير بدرخان وتمّ نفيه مع أخويه وأفراد عائلته وأركان حكومته إلى الآستانة (إسطنبول). ومن هناك تم نفيه إلى جزيرة كريت المعروفة باسم (كاندية) حيث أمضى فيها محكوميته.
في بداية نفيه إلى إسطنبول وجَّه مقولته الشهيرة إلى أولاده وأحفاده: «أخشى أن تضيعوا لغتكم أريد أن تتحدثوا مع أطفالكم وعيالكم بلغة أجدادكم، ومن لا يعمل فهو ليس من أولادي) أي إنه رأى في العلم والمعرفة والعمل أساس النجاح والبقاء.
وفي السنوات الأخيرة من عمره سمح له السلطان عبد المجيد الذهاب إلى الشام (دمشق) لقضاء ما تبقي من حياته، وفي عام 1868م حلَّ الأمير بدرخان الإزيدي ضيفاً على مقبرة الشيخ خالد النقشبنديّ في حي الكرد بسفح جبل قاسيون.