أنقرة – مقتلُ البغداديّ بمنطقة النفوذ التركيّ دليلٌ دامغٌ على علاقة أنقرة بداعش، فلو لا أنّ كانت إدلب أكثر الأماكن أمناً له لما لجأ إليها بعدما أضحى مطلوباً من دولٍ ومؤسسات استخباريّة، ودون ذلك 25 مليون دولار مكافأة لمن يُدلي بمعلوماتٍ تكشف مكانه.
تحاولُ أنقرةُ التبرؤَ من البغداديّ بعد مقتله، واحتواء المسألةِ باعتقال عناصرَ أجنبيّة، لتظهرَ شريكةً بالحرب على الإرهاب ومقتل البغداديّ، فتبددَ الشكوكَ حول كيفية وصول البغدادي إلى إدلب الواقعة تحت مراقبتها وفقَ تفاهماتِ أستانة. وأشار تقريرُ صحيفةِ العرب اللندنيّة إلى أنّ السلطاتِ التركيّة اعتقلت عشرين أجنبيّاً للاشتباهِ بصلتهم بداعشَ. وقالت وكالةُ الأناضول الرسميّة إنّ المشتبهَ بهم اعتقلوا في مداهمات فجر الاثنين بأنقرة وسيُسلمون لسلطاتِ الهجرة لترحيلهم بانتهاءِ الإجراءاتِ القانونيّةِ.
أنقرة المنزعجة من تجاهلِ الرئيس الأمريكيّ ترامب أيّ دورٍ تركيّ بالعمليةِ، تتحسبُ للاتهامِ بسبب وجودِ البغداديّ بمنطقةٍ يُفترض أنّها تشرف أمنيّاً عليها، ما يعني إما عجزاً استخباريّاً أو تواطؤً سهّل تسلل البغدادي إلى إدلب، وبكلتا الحالتين تتحملُ أنقرة المسؤولية المباشرة.
لم يذكر الرئيس الأمريكيّ ترامب قيمةً استخباراتيّة للدور التركيّ وأنّ التنسيق كان بحكمِ الضرورةِ قائلاً: “استخدمنا الأجواءَ التركيّةَ لمدةٍ قصيرةٍ. ولو فتح الأتراكُ النيرانَ علينا لاضطررنا للقضاءِ عليهم أيضاً وحدثت أشياءٌ سيئة”، “كانوا جيدين”، “لم يُحدثوا أيّة مشاكل”. ويكشفُ كلامُ ترامب ضعفَ التعاونِ الأمريكيّ-التركيّ بمكافحةِ الإرهابِ، ويؤكّدُ شكوكَ واشنطن بعدم تعاونِ أنقرة فلم تأمنها، وهذه الشكوكُ تناقضُ محاولةَ أنقرة إقناعَ العالم بشراكتها بمحاربة الإرهاب، بعد مواقف امتعاض دوليّة وأوربيّة واتهام أنقرة باستثمار الإرهاب لابتزاز العالم سواء بقضية اللاجئين، أو لتبرير العدوان على شمال سوريا.
فشل الأتراك بتقديم روايةٍ مقنعةٍ عن سبب وجودِ أخطر شخصيّةٍ مطلوبةٍ دوليّاَ في مناطق نفوذهم، قد يقود لاهتزاز علاقاتهم ليس فقط مع واشنطن ودول أوروبا مثل ألمانيا وفرنسا، وحتى روسيا وهذا هو الأهم، لتراجعَ التنسيقَ مع تركيا، وتتخذ قراراً بشأن العملية العسكريّة بإدلب. لأنّ مقتل البغداديّ بإدلب يثبتُ عدم وفاء أنقرة بالتزاماتِ الاتفاقِ حول مناطق خفض التصعيد، ومراوغتها بالوعودِ، ولهذا يسعى الإعلام التركيّ لنشرِ تفاصيل العملية لتظهرَ علمها بها من قبيل الشراكة فيها.
وكالة الأناضول الرسميّة أبدت “حماساً كبيراً” بتتبع تفاصيل الهجوم الأمريكيّ ونقلت إفاداتِ شهودٍ عيان عن العملية، ونشرت صوراً تفصيليّة لموقع الهجوم قالت إنّها تمّ تصويرها بطائرة “درون”.
ودعا رئيس دائرة الاتصالِ بالرئاسة التركية، فخرالدين ألتون، في تغريداته، لفتح تحقيقٍ حول تحركاتِ البغداديّ واتصالاته الأخيرةِ، قبل مقتله فجر الأحد. وشدد ألتون على ضرورةِ استمرارِ عملياتِ مكافحةِ الإرهابِ، مُدّعياً أنّ “تركيا كانت هدفاً للهجماتِ الكبيرةِ لداعش منذ ظهوره، وكافحته بكلّ إمكاناتها”. ولعلّ ألتون يعتبرُ صادقاً بتوصيفه العمليةِ بالناجحةِ لأنّ قتل البغداديّ وأمثاله يطوي أسراراً تخشى حكومته كشفها.




